‏إظهار الرسائل ذات التسميات إديث وارتون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إديث وارتون. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 20 مايو 2013

خطابات الفراق لمشاهير الكتاب



خطابات الفراق لمشاهير الكتاب

إيميلي تمبل
عن موقع فليفورواير

ترجمة: أمير زكي
مايو 2013



هذه بعض خطابات الفراق التي كتبها أو تلقاها مشاهير الكتاب، وقد اختارتها الصحفية الأمريكية إميلي تمبل

***


من سيمون دو بوفوار إلى نيلسون آلجرين، 1950

قابلت دو بوفوار آلجرين في شيكاجو عام 1947، وحافظ الإثنان على علاقة من مسافة بعيدة للسنوات القليلة التالية. ولكن المسافة كانت كبيرة جدا بالنسبة لآلجرين، الذي أراد شيئا أكثر ثباتا. دو بوفوار كتبت هذا الخطاب في رحلتها وهي عائدة إلى باريس بعدما زارت حبيبها واكتشفت كم أصبح مبتعدا عنها.

"أنا أفضل في الحزن الجاف أكثر من الغضب البارد، لأنني ظللت بعينين جافتين حتى الآن، جافتين كأنني سمكة مدخنة، ولكن قلبي أشبه بقستر رقيق قذر بداخلي.
...

أنا لست حزينة، بالأحرى مذهولة، بعيدة جدا عن نفسي، لا أصدق حقا أنك الآن بعيد جدا، بعيد جدا، أنت قريب جدا. أريد أن أخبرك بشيئين فقط قبل الرحيل، وبعدها لن أتحدث عن هذا الأمر مرة أخرى، أعدك. أولا، أنا أتمنى بشدة، أريد وأحتاج بشدة أن أراك مرة أخرى في يوم ما. ولكن تذكر من فضلك أنني لن أطلب منك أن أراك – ليس هذا نابعا من كبريائي طالما أنني لا أملك منه شيئا وأنا معك كما تعرف، ولكن لقائنا سيعني شيئا فقط حين ترغب أنت في ذلك. أنا لن أفترض أنك ستحبني مجددا، ولا حتى أنه عليك أن تنام معي، وليس علينا أن نبقى سويا لمدة طويلة – فقط لما تشعر، عندما تشعر. ولكن اعلم أنني سأشتاق دوما لأن تطلب مني ذلك. لا، أنا لا يمكنني تصور أنني لن أراك مرة أخرى. لقد فقدت حبك وكان هذا (وما زال) مؤلما، ولكنني لن أفقدك. على أي حال، أنت تملكني كثيرا يا نلسون، ما أعطيته لي عنى الكثير، بحيث لا يمكن أن تستعيده. وبالتالي فلطفك وصداقتك كانا ثمينان جدا بالنسبة لي بحيث لا أزال أشعر بالدفء والسعادة والامتنان الشديد عندما أنظر إليك بداخل نفسي. أتمنى ألا يهجرني أبدا، أبدا هذا اللطف وهذه الصداقة. فبالنسبة لي فمن المربك أن أقول هذا وأشعر لذلك بالخجل، ولكنها الحقيقة الصادقة الوحيدة: أنا أحب بنفس القدر الذي أحببتك فيه عندما ارتميت على ذراعيك المحبطتين، هذا عنى بالنسبة لي كل ذاتي وكل قلبي القذر؛ أنا لن أستطيع أن أفعل أقل من ذلك. ولكن هذا لن يزعجك يا حبيبي، ولا تضفي على كتابة الخطابات أي حس بالواجب، فقط أكتب عندما تشعر بذلك، واعرف في كل مرة أن هذا سيجعلني سعيدة جدا.

حسنا، كل الكلمات تبدو حمقاء. وأنت تبدو قريبا جدا، قريبا جدا، دعني أقترب منك أيضا، ودعني، كما كنا في الزمن الماضي، دعني بداخل قلبي إلى الأبد.

المخلصة لك
سيمون

***

من إديث وارتون إلى و. مورتون فولرتون، أبريل 1910

في 1907 و1908، كان بين وارتون وفولرتون ما يبدو أنه رفقة جادة، ولكن عندما عادت وارتون إلى أمريكا في السنوات اللاحقة، قلت خطابات فولرتون شيئا فشيئا. في عام 1909 اكتشفت وارتون أن هناك امرأة أخرى في حياته. في الوقت الذي كتب فيه هذا الخطاب، كان من الواضح جدا في أي جهة يسير نهر التيمز.



لا تظن أنني "غضبانة" كما قلت بالأمس؛ ولكنني حزينة ومرتبكة بشكل لا يمكن التعبير عنه بالكلمات، وإلى جانب كل قلقي وارتباكاتي الأخرى، فأنا لن أستطيع الاستمرار هكذا!

عندما رحلت ظننت أنه ربما عليّ أن أسمع ولو مرة منك، ولكنك كنت تكتب لي يوميا – كنت تكتب لي كما اعتدت أن تكتب طوال ثلاث سنوات! ودفعتني إلى أن أجيبك بنفس الطريقة، لأنني لم أستطع أن أرى أي سبب آخر لكتابتك. اعتقدت أنك أردت منى أن أكتب ما كان بقلبي.

بعدها عدت، ولم تكن هناك أي كلمة أو إشارة. أنت تعرف أنه من المستحيل أن نتبادل كلمتين، وأنت جئت إلى هنا، وجئت بدون حتى أن تخبرني، وبالتالي فوجودي هنا هو مجرد صدفة. أنت رحلت، ومرة أخرى كان الصمت المطبق. لقد عدت من ثلاثة أيام، ولا أبدو أنني أوجد من أجلك، أنا لا أفهم.

إن كان بإمكاني أن أعتمد على بعض مشاعر بداخلك – صداقة طيبة ووفية، إن لم يكن هناك شيء آخر – ساعتها سيكون بإمكاني الاستمرار، أتحمل الأشياء، وأكتب وأرتب حياتي.

أنا الآن متأرجحة باستمرار بين الوهم من جهة وبين إدارتك الغريبة والمرتبكة للشهور الستة الأخيرة، الآن أنا لم يعد بإمكاني إيجاد إشارة مميزة. أنا لا أعرف ما الذي تريده، أو من أنا! أنت تكتب لي كعاشق، وتعاملني كأحد المعارف العابرين.

أيهما أنت – ما أنا!

أحد المعارف العابرين، لا، ولكن صديق، نعم، أنا أخبرتك دوما، أنا أستبق الحل، وقلته مقدما، ولكن مستوى محدد من العاطفة هو شيء أساسي كجزء من الصداقة. على المرء أن يدرك ما هو المتوقع، وفي الوقت الذي اعتقدت فيه أننا وصلنا لهذه المرحلة، عدت فجأة إلى العلاقة الأخرى، وأفترض أنني لم ألحظ تغييرا فيك، وأنني لم أعاني أو أتعجب من ذلك، ولكنني سأستمر في حياتي بلا مبالاة هادئة حتى تختار أن تدخلها فجأة مرة أخرى.

أنا أحمل كل هذه التقلبات والتضاربات بكل ما أملك من استطاعة لأنني أحبك كثيرا، ولأنني آسفة جدا على الأشياء الصعبة والمؤلمة في حياتك. ولكني لم أكن أبدا متقلبة أو متطلبة، ولم أكن أبدا – على ما أعتقد – عبئا زائدا على هذه الصعوبات، ولكني حاولت أن أخفف منها من أجلك عن طريق الصداقة الصريحة والمخلصة، الآن فقط هناك حس بقيمتي، وأيضا حس بأنني لن أستطيع تحمل ذلك، هذا ما يجعلني أكتب هذا لك. اكتب لي خطابات ليست كالتي أرسلتها لي في إنجلترا.

هذه تسلية قاسية ومتقلبة. لم يكن من الضروري أن تجرحني هكذا! أنا أفهم شيئا من الحياة، لقد حكمت عليك من فترة طويلة، وقبلتك كما أنت، أعجبت بكل مواهبك وبسحرك العظيم وكنت أسعى فحسب لأن أعطيك نوعا من العاطفة يمكنها أن تساعدك إلى أقصى حد. ولا أطلب الكثير منك في المقابل. ولكن المرء لا يمكن أن تكون لديه كل اللطف والمشاعر المرجوة في يوم من الأيام ويتجاهلها في المقابل، بدون سبب أو تفسير، كما راق لك أن تفعل منذ تغيرك الغامض في ديسمبر. لقد مررت بعام صعب – ولكن الألم بداخل ألمي - الفعل الأقسى الأخير - كان استحالة معرفة ما الذي تريده مني، وما الذي تشعره تجاهي – عليك أن تدرك حاجتي لصداقة راسخة، أنا لن أقول "حب" لأن هذا لا يبدو مناسبا – ولكن هذا النوع من محاولة اللطف الذي يبحث عنه الأصدقاء القدامى بداخل بعضهم البعض في اللحظات الصعبة في الحياة. حياتي كانت أفضل قبل أن أعرفك. هذه بالنسبة لي كانت النهاية الحزينة لهذا العام الحزين. وإنه لشيء مرير أن تقوله للشخص الوحيد الذي أحببته.

***

من أوسكار وايلد إلى لورد ألفرد دوجلاس، 1896

كانت الخطابات الموجهة للورد ألفرد دوجلاس هي ما قادت وايلد إلى السجن بتهمة "الأفعال الفاضحة" (تلك التي تقرأ: مثلية جنسية)، ولكن هذا لم يمنعه من أن يكتب خطابات أخرى، من ضمنها هذا الخطاب، الذي يتضمن مقتطفات من كتاب وايلد الشهير "من الأعماق". تجاهل دوجلاس وايلد أثناء وجوده في السجن، ولكنه عاد للظهور عندما خرج، لقد كان في الأصل وغدا كبيرا.



عزيزي بوزي،

بعد انتظار طويل بلا أمل قررت أن أكتب لك بنفسي، أكتب من أجلك بنفس القدر الذي أكتب فيه من أجلي، فأنا لا أريد أن أعتقد أنني مررت خلال عامين طويلين في السجن بدون أن أتلقى جملة واحدة منك، أو أي أخبار أو رسائل حتى، باستثناء مثل هذا التلقي للألم.

صداقتنا المشئومة والتي تدعو للندم انتهت إلى حطام، وأدت إلى سوء سمعتي عند العوام، إلا أن ذكرى عاطفتنا القديمة ظلت كثيرا معي، وفكرة الاحتقار والمرارة والسخط التي عليها أن تحل للأبد في قلبي محل الحب كانت حزينة جدا بالنسبة لي: وأنت نفسك، كما أعتقد، ستشعر في قلبك أنك بكتابتك لي وأنا أقبع في الوحدة بالسجن-الحياة أفضل من نشر خطاباتي بدون إذن أو إهداء القصائد لي بدون أن تستأذن مني، رغم أن العالم لن يعرف شيئا عن أي كلمات للأسى أو العاطفة، للندم أو اللا مبالاة يمكنك أن تستخدمها لترسلها كردك أو طلبك..

ولكن أكثر من أي أحد فأنا ألوم نفسي على الانحطاط الأخلاقي الكامل الذي سمحت لك بأن تجلبه لي. أساس الشخصية هو قوة الإرادة، وقوة إرادتى أصبحت بالطبع شيئا ملكك. هذا يبدو شيئا غريبا لأقوله ولكنه الحقيقة مع ذلك. هذه المشاهد المتواصلة التي غالبا ما بدت ضرورية جسديا بالنسبة لك، والتي نما فيها عقلك وجسدك مشوهين لتصبح شيئا بشعا للنظر والاستماع إليه: هذا الهوس البشع الذي ورثته من أبيك، هوس كتابة خطابات ثائرة ومثيرة للغثيان: فقدك التام لأي سيطرة على مشاعرك كما بدا في أحوالك المزدرية وصمتك الكئيب، وليس فقط في أحوال الغضب الأقرب للصرعية: كل هذه الأشياء بالإضافة إلى الرجوع إلى واحد من الخطابات إليك، تركته ملقى في سافوي أو أي فندق آخر، ظهر في المحكمة عن طريق محامي أبيك محتويا على طلب ليس خاليا من الشفقة، هل كنت في هذا الوقت قادرا على إدراك الشفقة سواء في العناصر أو التعبير: - هذا ما أراه أصل وأسباب إذعاني المميت نحوك في طلباتك اليومية المتزايدة. أنت تستهلك المرء؛ إنها طبيعة انتصار ذوي الطبع الأصغر على ذوي الطبع الأكبر. إنها حالة طغيان الضعيف على القوي، تلك التي وصفتها في إحدى مسرحياتي "كالطغيان الوحيد الذي يستمر".

لم يكن يمكن تجنب هذا، في كل علاقة في الحياة مع الآخرين على المرء أن يجد طريقة للاستمرار. في حالتك فإما كان عليّ أن أستسلم لك أو أستسلم منك. لم يكن هناك بديل. من خلال الحب العميق إن لم يكن خاطئا تجاهك، من خلال الشفقة العظيمة تجاه تشوهات مزاجك وطبعك: خلال طبعي الطيب الذي يضرب به المثل أو كسلي السلتي: من خلال الكراهية الفنية للمشاهد الفجة والكلمات القبيحة: من خلال عدم القدرة على تحمل الازدراء من أي نوع، والذي كان يصنفني عند ذاك الوقت، خلال كراهيتي لرؤية الحياة تتحول إلى شيء مرير وغير مقبول بما فيّ، بعيني المتعلقتين بأشياء أخرى بدت مجرد تفاهات وأشياء ثانوية أكثر من أن تستحق الاهتمام أو التفكير ولو للحظة – من خلال هذه الأسباب، التي تبدو بسيطة، أنا استسلمت لك. وكنتيجة طبيعية، نمت طلباتك واحتياجاتك واجتهاداتك من أجل السيطرة بشكل غير معقول. دافعك الأحط، شهيتك الأدني، عاطفتك الأكثر سوقية أصبحت بالنسبة لك قوانين عن طريقها تقاد حيوات الآخرين دوما، وعن طريقها، لو كان هذا ضروريا، سيتم التضحية بهم بسهولة. معرفة ذلك عن طريق صناعة مشهد عرفت دائما أن تصنعه بطريقتك، لم يكن عليك أن تتقدم سوى بشكل طبيعي، غالبا بلا وعي، أنا أثق من ذلك، إلى كل تطرف في العنف الفج. في النهاية لم تعرف إلى أي هدف كنت تسرع، أو إلى أي جهة كما هو واضح. أنت صنعت نفسك من عبقريتي، إرادتي، وحظي، أنت طلبت بجشع لا يني وجودي كله. وأخذته. في واحدة من أكثر اللحظات حرجا ومأساوية في حياتي كلها، فقط قبل خطوتي التي أندم عليها وبداية فعلي العبثي. من جهة أخرى كان هناك أبوك الذي يهاجمني بالبطاقة البشعة التي تركها في النادي، ومن جهة أخرى كنت أنت تهاجمني أيضا بخطابات كريهة. الخطاب الذي تلقيته منك في صباح اليوم الذي جعلتك تأخذني فيه إلى قسم الشرطة لأقدم هذه المذكرة السخيفة للقبض على أبيك كان واحدا من أسوأ ما كتبت، ولأكثر الأسباب عارا. بينكما أنتما الإثنين فقدت عقلي، وحكمي تولى عني. الرعب حل محله، لم أجد مفرا ممكنا منكما أنتما الإثنين، يمكنني قول ذلك صراحة. بدون بصيرة ترنحت كثور في المسلخ. لقد ارتكبت خطأ نفسيا كبيرا؛.لقد اعتقدت دوما أن استسلامي لك في الأشياء الصغيرة لا يعني شيئا: فحينما تأتي اللحظة العظيمة سيمكنني إعادة تأكيد قوتي برفعتها الطبيعية، ولكن الأمور لم تكن كذلك. في اللحظة العظيمة تخلت عني إرادتي تماما، ففي الحياة لا يوجد هناك شيء صغير أو كبير، كل الأشياء متساوية القيمة والحجم..

لقد أرسلت لي قصيدة لطيفة جدا، تنتمي لمدرسة الشعر غير الناضج، حتى أقبلها: رددت عليها بخطاب من المدح الأدبي الرائع (أعدت ذكره بالأعلى): لقد قارنتك بهيلاس، هياكينث، جانكويل، نرسيس، أو أي شخص فضله رب الشعر العظيم، وكرمه بالحب. الخطاب مثل فقرة من واحدة من سونيتات شكسبير، تحولت إلى مفتاح موسيقي صغير. إنها يمكن أن تفهم فقط عن طريق هؤلاء الذين قرأوا محاورات افلاطون، أو التقطوا روح الجديد المحددة التي هي جميلة بالنسبة لنا ذوي العقلية اليونانية. لقد كان - ودعني أقول لك ذلك صراحة - نوعا من الخطاب، سيكتب - في لحظة سعيدة ومرغوبة - إلى أي شاب واعد في أي جامعة يرسل لي قصيدة من كتابته خاصة لو كان لديه قريحة أو ثقافة جيدة ليفسر بالفعل جملها الرائعة. أنظر إلى تاريخ هذا الخطاب! إنه انتقل من بين يديك إلى يديّ رفيق كريه: ومنه إلى عصبة من المبتزين: نسخ منه بعثت إلى أصدقائي في لندن، ولمدير المسرح الذي كان يعرض فيه عملي: كل اصطناع وضع فيه ما عدا الشيء الصحيح: صدم المجتمع بالشائعات العبثية بأنه كان عليّ أن أدفع مبلغا كبيرا من المال لأنني كتبت خطابا مشينا إليك: وهذا شكل أساس هجوم أبيك الأسوأ: قدمت الخطاب الأصلي بنفسي في المحكمة لأظهر حقيقته: وهو رفض من قبل محامي أبيك في محاولة ماكرة وغادرة لإفساد البراءة: في النهاية شكل جزءا من الاتهام بالجريمة، التاج اهتم بالأمر، والقاضي أوجزه بالقليل من العلم والكثير من الأخلاقية، أنا ذهبت إلى السجن في النهاية، هذه هي نتيجة كتابة خطاب فاتن إليك...

هذه، كما أعلم، إجابة واحدة لكل ما قلته لك، وهي أنك أحببتني: فكل ما حدث خلال السنتين ونصف وأثناءها حيث خاطت الأقدار حول الثوب القرمزي خيوط حياتينا المنقسمتين أنت أحببتني. نعم، أنا أعرف أنك أحببتني فعلا. بصرف النظر عما أدت إليه قيادتك لي أنا شعرت دوما أنك من قلبك أحببتني بالفعل. على الرغم من أنني أرى بوضوح تام وضعي في عالم الفن، الاهتمام الذي تثيره شخصيتي دائما، مالي، الرغد الذي كنت أعيش فيه، الألف شيء وشيء التي تجعل الأشياء فاتنة، وغير مصدقة ورائعة مثلما كانت حياتي، إذ كان كل عنصر من هذا مثير بالنسبة لك وجعلك تتمسك بي؛ إلا أنه بجانب كل ذلك كان هناك شيء أكبر، جاذبية كبيرة تجاهك: أنت أحببتني أفضل بكثير من حبك لأي شخص آخر. ولكنك، مثلي، كان لديك مأساة بشعة في حياتك، وإن كانت من جراء صفة مختلفة تماما عن صفاتي. هل تريد أن تعرف ما هي؟ كانت هذا: بداخلك كانت الكراهية أقوى دوما من الحب. كراهيتك لأبيك كانت كبيرة بشكل لا يمكن تجاوزه، هدمت وغطت على حبك لي. لم يكن هناك صراع بينهما أبدا، أو كان الصراع قليل. بهذه الأبعاد كانت كراهيتك ونموك الشيطاني. لم تكن تدرك أنه لا يوجد مكان للشعورين بداخل نفس الروح. لا يمكن أن يعيشا معا في هذا المنزل المنحوت الجميل. الحب مكتظ بالمخيلة، بواسطته نصير أحكم مما نعرف، أفضل مما نشعر، أنبل مما نحن عليه، بواسطته يمكننا أن نرى الحياة ككل: بواسطته، بواسطته وحده، يمكننا أن نفهم الآخرين بحقيقتهم كما نفهمهم في علاقاتهم المثالية. فقط ما هو جميل ومنقول بجمال يمكنه أن يغذي الحب. ولكن أي شيء يمكنه أن يغذي الكراهية. لم يكن هناك كأس شامبانيا شربته، ولا طبق ثري أكلته في كل هذه السنوات ولم يغذ كراهيتك ويجعلها سمينة. ولكي ترضيها، قامرت بحياتي، وقامرت بمالي، بإهمال وبدون اهتمام، غير مبال بالنتائج. إن كنت قد خسرت فالخسارة لن تكون كما أردت متعلقة بك. ولو فزت، فما سيكون معك هو البهجة وامتيازات النصر.

أنت ترى أنه عليّ أن أكتب حياتك أمامك، وعليك أن تعي ذلك. نحن نعرف بعضنا البعض الآن لأكثر من أربع سنوات، نصفها كنا معا: النصف الآخر كان عليّ أن أقضيه في السجن كنتيجة لصداقتنا. أين ستتلقى هذا الخطاب، إن كان سيصلك حقا، أنا لا أعرف. روما، نابلس، باريس، فينيسيا، في مدينة جميلة ما على البحر أو النهر، لا شك أنه سيستوقفك. أنت محاط - لو لم يكن بكل الترف غير المفيد الذي كنت عليه معي على كل حال - بكل شيء ممتع للعين والأذن والذوق. الحياة جميلة جدا بالنسبة لك، وسوف تظل كذلك لو كنت حكيما، وما زلت أود أن تصير الحياة لطيفة بالنسبة لك، وبشكل مختلف، ستدع قراءة هذا الخطاب البشع  - لأنني أدرك أنه كذلك – الذي يثبت لك أن أهمية الأزمات ونقاط التحول في حياتك تساوي أهمية الكتابة لي. وجهك الشاحب اعتاد أن يكتسب الحمرة بسهولة بفعل النبيذ أو اللذة. وإن سخن من آن لآخر – وأنت تقرأ المكتوب هنا – كأنه من جراء وهج فرن، بسبب الخجل، سيكون هذا أفضل لك. فالرذيلة الأكبر هي الضحالة، مهما عرفت ما هو الصواب.

لقد جئت إليّ لتفهم لذة الحياة ولذة الفن. ربما أنا اُخترِت لأعلمك شيئا أكبر وأروع، معنى الحزن، وجماله.

صديقك المحب
أوسكار وايلد

***

من ماري ولستونكرافت إلى جيلبرت إيملاي، مارس 1796

على الرغم من أنهما لم يتزوجا رسميا، إلا أن ماري ولستونكرافت وجيلبرت إيملاي كانت لديهما طفلة. هذا الخطاب كتب بعد أن انحدرت علاقتهما، بسبب خيانة إيملاي وأسفاره المستمرة، وبعد محاولة ولستونكرافت الانتحار. بعد ذلك، ستتزوج ولستونكرافت ويليام جودوين وستنجب الطفلة التي ستكبر لتكتب "فرانكنشتانين".



عليك أن تفعل ما يحلو لك مع الاحترام للطفلة، أتمنى أن يحدث هذا قريبا؛ أن لا يذكر اسمي أمامك فيما بعد. لقد انتهى الأمر الآن. مقتنعة بأنه ليس لديك اعتبار أو صداقة، سأعكر الصفو وأنا ألقي باللوم، على الرغم من أنه كان لديّ سببا للتفكير بأن "الصبر" الذي تم التحدث عنه لا يبدو مناسبا، وعلى أي حال فهذا سيكون بلا عواقب، أنا سعيدة بأنك راض على قيادتك.

الآن أؤكد لك تماما أن هذا وداعا نهائيا. إلا أنني لن أحجم عن الواجبات التي تربطني بالحياة، فإن هناك سفسطة أكيدة من جهة أو أخرى، ولكن هذا لا يعني شيئا الآن. من جهتي فلم تكن المسألة متعلقة بالكلمات. إلا أن فهمك أو فهمي لا بد أن يكون مشوها؛ فما تطلق عليه "مناسب" يبدو لي العكس تماما. أنا ليس لديّ معيار للأخلاقية، وكنت أفكر بلا جدوى إن كانت المشاعر التي قادتك عقبة أم خطوة للأمام، وهل ستكون تأسيسا مقدسا لمبدأ أو عاطفة، بالنسبة لي كان لذلك طبيعة مختلفة تماما، وإلا لما كانت محطا سخريتك.

مشاعري لا تزال مقدسة، إن كان هناك أي جزء فيّ سيتجاوز حس الأحزان، فسيكون نقاوة عواطفي. تهور مشاعرك ربما قادك لأن تجعل الرغبة الحيوانية هي المبدأ؛ وهذا سيكون مثيرا لبضعة سنوات قادمة، ولكن إن كنت ستظل تفكر هكذا، فأنا لن أعرف أبدا.

من الغريب أنه بخلاف كل ما تفعله، هناك شيء كالقوى اليقينية بداخلي تُصَدِّق أنك لست ما تبدو عليه.

أنا أفترق عنك بسلام

***

من آجنس فون كوروفسكي إلى إرنست همنجواي، مارس 1919

نعلم أن هذا إلى - وليس من - كاتب مشهور، ولكننا فقط لم نستطع المقاومة – فوق ذلك، فأجنس هي أصلا كاثرين باركلي[i]. همنجواي قابلها في ميلان أثناء الحرب العالمية الثانية، بعدما أُخذ إلى المستشفى حيث كانت تعمل كممرضة. أراد أن يتزوجا، وعلى الرغم من أنها رفضت (جزئيا بسبب كونه في الثامنة عشر وهي في السادسة والعشرين!) إلا أنه ظل يكتب إليها. هذه آجنس وهي تقرر.



أيها الصبي العزيز إيرني،

أكتب لك هذا في وقت متأخر بعد تفكير طويل مع نفسي، وأنا أخشى أنه سيجرحك، ولكني متأكدة من أنه لن يؤذيك لفترة طويلة.

لفترة طويلة قبل رحيلك، كنت أحاول أن أقنع نفسي أنها علاقة حب حقيقية، لأننا كنا دائما نبدو في اختلاف، ثم أصبحت الجدالات ترهقني لذا فقد استسلمت في النهاية لأمنعك من عمل شيء يائس.

الآن، وبعد بضعة شهور وأنا بعيدة عنك، أعرف أنني ما زلت معجبة جدا بك، ولكن كأم أكثر من كوني حبيبة. سيكون عاديا أن تقول عني طفلة، ولكني لست كذلك، ولا أصير كذلك أكثر فأكثر مع كل يوم.

لذا أيها الطفل (كنت طفلا بالنسبة لي وسوف تظل دوما كذلك) هل يمكنك مسامحتي في يوم ما من أجل كوني قد خدعتك بدون مهارة؟ أنت تعرف أنني لست شريرة حقا، ولا أقصد أن أفعل شيئا خاطئا، والآن أنا أدرك أنه كان خطأي من البداية أنك اهتممت بي، وأندم على ذلك من أعماق قلبي. ولكنني الآن ودائما سأظل كبيرة جدا، وهذه هي الحقيقة، ولا أستطيع أن أهرب من حقيقة أنك مجرد صبي – طفل.

بشكل ما أشعر أنه في أحد الأيام سيكون لديّ سبب ليجعلني فخورة بك، ولكن صبيي العزيز، أنا لا أستطيع الانتظار لهذا اليوم، ومن الخطأ ان تستعجل عملا.

لقد حاولت بجد لأن أجعلك تفهم قليلا ما أفكر فيه في هذه الرحلة من بادوا إلى ميلان، ولكنك تصرفت مثل طفل مدلل، ولم أستطع التوقف عن جرحك. الآن، أنا فقط لديّ الشجاعة لأنني بعيدة جدا.

بالتالي – وصدقني عندما أقول لك إن هذا مفاجيء لي، فمن المتوقع أن أتزوج قريبا. وأنا آمل وأصلي أنك بعدما ترتب الأشياء ستكون قادرا على مسامحتي، وبداية عمل رائع لتظهر أي رجل أنت في الحقيقة.

المعجبة والمحبة
صديقتك
إيجي


***

من آناييس نين إلى س. ل. (لاني) بالدوين، 1945

كان لنين علاقة مع بالدوين في حين أن كلا منهما كان متزوجا، وبدأت في نشر كتاب من شعره. في النهاية تراجع بالدوين عن الخداع وعاد لزوجته وأطفاله. رد على الخطاب التالي بكتابة أن نين كانت "شيء مثل الكلب في مزود مع الرجال؛ أنت تريدين منهم كلهم أن يجلسوا تحت قدميك ويكونون ملكك، كلهم ملكك، وملكك فقط"



عزيزي البائس ليني، كم أنت أعمى! المرأة تكون غيورة فقط عندما لا يكون لديها شيء، ولكن أنا الأكثر إثارة للحب بين كل النساء، ما الذي يمكنني أن أكون غيورة منه؟ لقد يئست منك من وقت طويل، كما كنت تعرف، أيضا فقد رفضتك في اليوم الذي بكيت فيه. أنا استمررت في الصداقة كما أخبرتك وقتها حتى تجد ما كنت تريده – وعندما فعلت سحبتها فورا لأنه لم يكن لديّ وقت لعلاقات ميتة. في اليوم الذي اكتشفت فيه موتك من فترة طويلة، توهمي عنك مات، وكنت أعرف أنك لا يمكن أن تدخل إلى عالمي، هذا الذي أردته كثيرا جدا. لأن عالمي مبن على العاطفة، ولأنك تعرف أنه فقط من خلال العاطفة يمكن للمرء أن يبدع، وأنت تعرف أن عالمي - الذي تستهزيء منه الآن لأنك لم تستطع دخوله - جعل هنري (ميلر) كاتبا عظيما، لأنك تعرف الرجال الشباب الآخرين الذين كنت غيورا جدا منهم لدخولهم عالم مكتمل بالحب، وهم يكتبون الكتب، وينتجون الأفلام والقصائد والرسوم ويؤلفون الموسيقى.

أنا لست بحاجة لـ "الإصرار" على أن أتلقى الحب. أنا منغمسة ومغمورة بذلك. هذا سبب أنني سعيدة وممتلئة بالقوة وأجد الصداقة شاحبة بالمقارنة.

ولكن وسط هذا العطاء والأخذ الناري والمذهل، فالخروج معك كان مثل الخروج مع قسيس. المقارنة في الحرارة كانت عظيمة. لذا انتظرت من أجل فرصتي الأولى لتخطي – عدم الرغبة في تركك وحيدا.

عليك أن تعرف قيمتي أكثر من أن تفكر أنه يمكنني أن أكون غيورة من المرأة الأمريكية البائسة التي فقدت رجلها لصالحي باستمرار من ساعة ما كنت هنا.

آناييس

***

آبي لينكولن إلى ماري أووينز، 1837

نحن نعلم، نحن نعلم، أننا نمارس نوعا من الخداع، ولكن مهلا، لينكولن كتب أكثر خطاب كان عرضة للاقتباس في التاريخ، لذلك نحن نضعه في الحسبان. هذا الخطاب كتب بعدما وافق لينكولن بتهريج على الزواج من أخت صديق، ولم يدرك إلا في وقت متأخر أن المرأة أخذت كلامه بجد، محولة له إلى خطيب لها في الحقيقة. كتب سلسلة من ثلاثة خطابات ليخلص نفسه منها – هذا هو الثاني في السلسلة.



الصديقة ماري

لقد بدأت في كتابة خطابين لأرسلهما لك قبل هذا، كل منهما ضايقني قبل أن أنهي نصفه، لذا مزقتهما. الأول لم أعتقده جيدا بما يكفي، والثاني كان على الحد الآخر. ولكني سأرسل هذا، سيئا كما يبدو.

طبيعة العيش في سبرينجفيلد أمر أقرب للكآبة في النهاية، على الأقل هي كذلك بالنسبة لي. لقد كنت وحيدا جدا هنا أكثر من أي مكان في حياتي. لم أتحدث سوى لامرأة واحدة منذ جئت إلى هنا، ولم يكن عليّ أن أفعل ذلك وفقا لها، إن كانت قد تجنبت هذا. لم أذهب إلى الكنيسة بعد، والأرجح أن هذا لن يحدث قريبا. ظللت بعيدا لأنني واع بأنه ليس علي أن أعرف كيف أتصرف بنفسي.

أنا أفكر عادة فيما قلناه عن مجيئك للعيش في سبرينجفيلد. أخشى أنك لن تكوني راضية، هناك كم عظيم من الازدهار متعلق بالعربات هناك؛ هذا الذي يعني أن ستشعرين بالسوء لأنه عليك أن تريها بدون أن تركبي واحدة. سيكون عليك أن تكوني فقيرة بدون وسائل إخفاء فقرك. هل تعتقدين أنه كان بإمكانك تحمل هذا الصبر؟ بغض النظر عن المرأة الباحثة عن نصيبها معي فعليها على أي حال أن تفعل ذلك، إنها رغبتي أن أفعل كل ما بوسعي لجعلها سعيدة وراضية؛ ولا يوجد شيء بإمكاني تخيله سيجعلني تعيسا أكثر من الفشل في هذا الجهد. أعلم أنه عليّ أن أكون أسعد معك مما أنا عليه، شريطة ألا أرى علامات عدم الرضا عليك. ما قلتيه لي ربما يكون مزحة، أو ربما أسأت فهمه. لو كان ذلك فدعينا ننساه؛ وإن لم يكن فأنا أرغب كثيرا أن تفكري بجد قبل أن تقرري. لأنه من جهتي فقد قررت بالفعل. ما قلته سأتحمله بشكل إيجابي، شريطة أن ترغبي فيه. رأيي هو أنه من الأفضل ألا تفعلي ذلك. لم تكوني معتادة على المعاناة. وربما تكون قاسية الآن أكثر مما تتخيلي.

أعلم أنك قادرة على التفكير بشكل صائب في أي موضوع، وإن فكرت بنضج عن هذا قبل أن تقرري، إذن فأنا أسعى للإذعان لقرارك.

عليك أن تكتبي لي خطابا طويلا بعد الحصول على هذا. ليس لديك شيء آخر لتفعليه، وعلى الرغم أن هذا قد لا يبدو مثيرا للاهتمام بالنسبة لك، بعد أن كتبتيه، فسوف يمثل مشاركة كبيرة لي في هذه "الصحراء المشغولة". أخبري أختك أنني لا أريد أن أسمع أي شيء آخر عن البيع والانتقال. هذا يصيبني بالهبوط في اللحظة التي أفكر فيها.

المخلص دوما لينكولن

***

فيرجينيا وولف إلى زوجها ليونارد وولف في مارس، 1941

نعرف أننا نوسع التعريف هنا، ولكن خطابات الفراق تكون بأشكال عديدة. هذا كان الخطاب الأخير الذي كتبته وولف لزوجها قبل انتحارها، وبالتالي يمكن اعتباره خطاب فراق تجاه نفسها ومرضها بنفس قدر ما هو فراق له.



عزيزي، أشعر بثقة أنني أصير إلى الجنون مجددا. أشعر أننا لن نستطيع أن نمر بأوقات عصيبة أخرى. ولن أتعافى هذه المرة. بدأت بسماع الأصوات، ولا أستطيع التركيز. لذا أفعل ما يبدو أنه أفضل شيء يمكن فعله. لقد قدمت لي أعظم سعادة ممكنة. لقد قدمت لي بكل الطرق أقصى ما يمكن لأي أحد أن يقدمه. أنا لا أعتقد أنه بإمكان أي شخصين أن يكونا سعيدين هكذا حتى جاء هذا المرض اللعين. لا أستطيع المقاومة أكثر من ذلك. أعرف أنني أفسد حياتك، وأنه بإمكانك العمل بدوني. وستفعل كما أعرف. أنت ترى أنني حتى لا أستطيع كتابة هذا جيدا. أنا لا أستطيع القراءة. ما أريد قوله إنني مدينة بكل سعادة حياتي لك. لقد كنت صبورا تماما معي وطيب بشكل لا يصدق. أريد أن أقول ذلك – وكل الناس تعلم ذلك. إن كان باستطاعة أي أحد أن ينقذني لكان هذا أنت. كل شيء رحل عني باستثناء حقيقة طيبتك. أنا لن أستطيع الاستمرار في إفساد حياتك أكثر من ذلك. ولا أعتقد أن هناك شخصين كان بإمكانهما الحصول على سعادة أكبر مما كنا فيها. ف




[i]  الشخصية النسائية الرئيسية في رواية همنجواي "وداعا للسلاح"