‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد الحميد الثاني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد الحميد الثاني. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 25 مارس 2015

((غرائب المكتوبجي)) / مقال مختار

((غرائب المكتوبجي)) 
وسياسة القمع الفكري في عهد السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله



قال المؤرخ عبد اللطيف الفاخوري في مقدمته على كتاب ((كيف ينهض العرب)) لعمر الفاخوري ( ص 16 / ط. دار الآفاق الجديدة ) : جرت أيام الدولة العثمانية مصادرة عدة كتب ونشرات، ومُنِعَت كتب أخرى من التداول تمشّياً مع سياسة القمع الفكري، ولأسباب مختلفة غير منطقية أحياناً كما حصل على عهد السلطان عبد الحميد الثاني، عندما اجتمع مسؤولو الرقابة على المطبوعات لإقرار كتاب ((الكيمياء)) المدرسي، وبعد فترة من التداول مَنَعَت اللجنة كتاب ((الكيمياء)) المذكور، لأنها اكتشفت بأنه يحتوي على شيفرة سرية هي الرمز الكيمياوي للماء ( h2o )، وعندما تفتقت عبقرية اللجنة عن حل لهذه الشيفرة نجد أن منع هذا الكتاب لا يتعارض مع المنطق! فقد شرحت اللجنة سبب المنع بالشكل التالي :
H - يعني حميد .
2 - يعني الثاني . 
O - يعني الصفر . 
والنتيجة تصبح أن (( حميد الثاني يعني صفراً )) .. أي لا شيء! وهذا يعني شتيمة السلطان، وهو ما لا يتماشى مع الأخلاق والدين والقانون. اهـ.

قال أبو معاوية البيروتي: وأرجّح أن القارئ لن يكتفي بهذا المثال اليتيم ليقتنع بعنوان الفقرة، لهذا سأُرفِق بعض النقولات العجيبة من كتاب (( غرائب المكتوبجي/ ط. دار المدى )) لسليم سركيس ( 1869 – 1926 م )، ولفظ المكتوبجي يتألف من كلمتين: (مكتوب) بالعربية، و(جي) التركية الملحقة بمعنى عمل أو مهنة، و(المكتوبجي) هو مراقب الجرائد والصحف في الدولة العثمانية، وسليم سركيس هو صحافي من بيروت، كان من أعلام الصحافة العربية والطباعة، وألّف عدداً من الكتب وأصدر عدداً من الجرائد والمجلات لم يُكْتَب لها الاستمرار، سوى مجلته ((مجلة سركيس)) التي أصدرها بعد عودته إلى مصر عام 1905 م ، وظل يصدرها إلى آخر حياته .

أما كتاب ((غرائب المكتوبجي)) فقد ألّفه سنة 1896 م استجابة لطلب ( عدد من الأدباء ) لإظهار تقييد العقول وحرية الأقلام في تلك الفترة من الدولة العثمانية، وضمَّ 54 انتقاداً، وهاكم بعض الغرائب:

- إن محرر الجريدة في بيروت لا يجوز له أن يذكر كلمة (جمهور)، بل يجب أن يقول (الشعب) أو (القوم)، وفي الإعلانات يُقال عادة ( نعلن لحضرة الجمهور )، فيحذفها المكتوبجي ويضع محلها (القوم)، وذلك خوفاً من اشتغال أفكار القراء بالجمهورية والميل إليها.

- نشرت جريدة ((لسان الحال)) بعض مقالات من أقلام السيدات، وفي ذات يوم جاء المكتوبجي إلى الإدارة وسألني إذا كانت الكتابة المذكورة من النساء حقيقة، فأجبته بالإيجاب، قال: من الآن فصاعداً لا تنشر مقالاتهنّ لأنّ ذلك يفتح عقولهنّ أكثر من اللازم، وليس من شأن المرأة أن تهتم بهذه الأمور.

- كتبت جرائد بيروت أن أحمد أفندي سلطاني زايل الثغر لزيارة شقيقه محمد أفندي سلطاني المقيم في الأستانة، فحذف المراقب النون والياء من سلطاني، وبقي الاسم (محمد أفندي سلطا )، لأن السلطان لا يكون إلا لعبد الحميد، وفي حادثة أخرى حذف لقب (سلطاني) بأسره واستبدله بـ (مخزومي) لأن عائلة سلطاني لها لقب (مخزومي).

- طبع يوسف أفندي حرفوش كتاباً في الأمثال باللغتين الفرنساوية والعربية، وورد في جملتها المثل الشهير ((الحركة فيها بركة))، فأمر بحذف المثل من الكتاب زاعماً أن لفظة الحركة تفيد الثورة.

- أرسلت الغلمان لمبيع الجريدة في الشوارع وأوعزتُ إليهم أن ينادوا (موت رئيس جمهورية فرنسا) تنبيهاً للناس إلى الإقبال على ابتياع الجريدة، وفي المساء لم يحضر الأولاد لتقديم حساب المبيع كالعادة، ثم جاءني خبر أنهم جميعاً في السجن! فهرولتُ إلى مدير البوليس أسأله السبب، قال: إنهم ينادون في شوارع المدينة بالجمهورية! قلتُ: بل هم ينادون بموت رئيس جمهورية فرنسا، قال: ألا تدري أن هذه اللفظة ممنوع استعمالها هنا ؟! فوعدته أن لا أعود إلى ذكرها، وهكذا أطلق سراحهم. اهـ.

قال أبو معاوية البيروتي: ومن باب الإنصاف، فإنّ بعض ما اعتَرَض عليه المكتوبجي يُشكَر عليه، كمثل منع نشر القصص الغرامية، واعتراضه على جريدة نصرانية كتابتها ((السيد المسيح له السجود والمجد))، ولم يسمح المكتوبجي بإيراد الآيات القرآنية أو الأحاديث في الجرائد والكتب معلِّلاً أنها تُطرَح على الأرض وتُمَزّق، وفي ذلك من الإهانة ما فيه.