‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال مختار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال مختار. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 26 مارس 2015

رواية «الحمار الذهبي»: مرآة الضمير الأمازيغي / ورابط تحميل الروايةpdf

رواية «الحمار الذهبي»: مرآة الضمير الأمازيغي
سعيد بلغربي / القدس العربي 

المسوخ وقيم العقل الأمازيغي



تنبيه : افضل ترجمة لها هي هذه وهي لعمار جلاصي عن اللاتينية مباشرة . 


عندما كتب أفولاي المادوري (125 ـ 180م) رائعته «الحمار الذهبي» أو «المسوخ» كأول وثيقة أدبية مكتوبة عرفتها البشرية؛ لم يكن الرجل يدري أنه قدم للإنسانية باقة فكرية رائعة، وشكل بتقمصاته ثورة جديدة في بناء قيم العقل الأمازيغي. 
لا يمكن أن نستوعب اليوم ونحن نقرأ «الحمار الذهبي» ونتخيل أننا ننظر بعين الإمعان إلى وجوه الجماهير من المتلقين في زمن الرواية خلال سنوات القرن الثاني الميلادي؛ وقد لا نجد على محياهم أي تصرف أو أي رد فعل غريب يوحي بمدى عجائبية القصة ذاتها، التي أعتبرت بمثابة جزء من منظومة أدبية تضم قصصا ومسرحيات وأشعارا كانت حينها نوادر عادية تشبه ما نشاهده اليوم من أفلام وما نقرأه من روايات وقصص الأدب الواقعي. 
إذ أنه ومن المفروض «في تلك المجتمعات، أن تعبر الأسطورة عن الحقيقة المطلقة، لأنها تروي تاريخا مقدسا، وتكشف عن وحي يتجاوز حدود البشر، حصل في الزمان الكبير، في زمان البدايات المقدس»(الياد: 22).. حيث يبدو أبوليوس في الرواية منخرطا في طقوس دينية، من خلال حديثه عن إشكالياتٍ قديمة ترجع حينها إلى عدة عقود، فإشاراته المتكررة إلى طقوس تمجد عبادة الإلهة «إيزيس»، خير دليل على التربة الفكرية والأسطورية التي ترعرع فيها الكاتب.
المسوخ والتحولات والسحر ومحاورة الكائنات الغريبة، وتقبل كل ما تقوله الآلهة المتقمصة للأشكال البشرية والحيوانية من أخبار وأوامر.. كلها كانت أمورا في بدايتها مقبولة بشكل طبيعي وبديهي، كم من حمار حقيقي كان يرى فيه هؤلاء الأشخاص وبكل صدق أنه لسيوس جاءهم متنكرا ليتجسس على حياتهم الخاصة، وكم من حمار كان ضحية لنهاية بائسة نتيجة لهذا التفكير البدائي الساذج؛ الذي ما انفك المجتمع يتحرر منه عبر عقود من الزمن، حتى أمست بعض رواسبه موجودة ومحفوظة إلى اليوم، في سلوكيات المجتمع الأمازيغي، في شكل ظواهر وأنماط مختلفة أغلبها مرتبط بسنن الطقوس ومناسك العبادات الروحية. 
إن ظاهرة التقمصات في رواية «الحمار الذهبي» توحي بوجود خلل ما في طبيعة الشخصية المحورية لأبوليوس التي جعلت منه ذاتا تائهة انتقلت في لحظة غباء من طبيعتها الإنسانية إلى أخرى حيوانية، ليدرك عبر خطأ فني في طريقة استخدام دهن عوض آخر مفهوم الحياة والمجتمع من منظور وزاوية خاصة.
فأصبحت تيمة المسخ والخوارق العجيبة والسحر، المحاور الأساسية والرئيسة للرواية، ونلمس بكل وضوح تأثيراتها عبر الزمن، في جل الإنتاجات الأدبية والحكائية على امتداد جغرافية شمال أفريقيا، بحيث أن الموروث الأدبي الشعبي المتداول اليوم في هذه الربوع يستمد طاقته الحكائية بالدرجة الأولى من هذه الرواية الأسطورية (كأنموذج: بقرة اليتامى أو تافوناست إيوجيلن، ساندريلا أو مارغيغظا، عيشة قنديشة)… كنصوص أدبية غارقة في دوامة من الألغاز والأمور الغرائبية، إذ ساهمت بشكل كبير في التأثير على طريقة وطبيعة التفكير لدى شعوب الحوض المتوسطي.

«المسوخ» مرآة الضمير الأمازيغي

تسابقت الأقلام منذ القديم في تناول رواية أبوليوس بالتأمل والدراسة، في إطارات ومدارس تاريخية وقراءات نقدية وأدبية متنوعة، إلاّ أن الرواية وحسب المهتمين ظلت من بين أهم وأغرب وأعقد القصص الإنسانية إطلاقا، وأكثرها انتشارا واقتباسا وترجمة، وذلك على الرغم مما شابها من خلل ونقص وزيادة في الحكي والنقل والنسخ، يقول بصددها ش. أ جوليـان: «ولا تزال المناقشات متواصلة لمعرفة ما إذا كان أبوليوس ألف كتابه باليونانية أو لا؟ 
وهل كان لحمار لوسيـان والمسوخ مصدر مشترك.. أم هل أن المرجع الأصلي هو قصة لوسيـان المطولة يكون «الحمار» ملخصا لها. ومهما يكن فان رواية أبوليوس المتنوعة الطبيعية المحشوة بدقائق العادات التي تتابع فيها أحاديث الفسق والتقوى هي من الكتب اللاتينية القليلة التي لا تزال تقرأ من دون ملل».
إن أسلوب السرد عند أبوليوس يتميز بخصائص معينة، نستطيع من خلالها أن نقف عند جزء مهم من أسرار ترصد طرق التفكير عند الكاتب في علاقته بالمجتمع الذي عاش فيه، بحيث استثمر فيها بشكل واسع وواضح أحاسيسه وانفعالاته وتأويلاته، لواقع يبدو أنه يرتكز أساسا على «قيم الشر»، ضمن منظومة تتعلق بالداء الاجتماعي وما يوازيه من سلوكيات تتمثل في الغدر والعنف والعهر والسحر، وصراع يكون فيه الإنسان في مواجهة الاستغلال الاجتماعي الفاحش والمصير المجهول. 
وفي شريط حكائي متنوع حشا وشحن كتابه بمرويات هامشية وفرعية، بأسلوب المذكرات والمخاطرات وأدب الطريق في إطار السخرية الباسمة واستثمار رائع لقدرته البلاغية ﻓﻲ ﺒﻨﺎﺀ الأﺤﺩاﺙ ﺍﻟﻐﺭﺍﺌﺒية بأسلوب التشويق والإثارة، التي تضعنا أمام شخوص متحولة تروي رحلتها مع المجتمع، وتغوص في العوالم الإنسانية بجوانبها الأكثر غموضاً، وكما هو الشأن في الرواية التقليدية، فإن كتاب «المسوخ» هو كتاب «تعليمي» يحدد لنفسه هدف «الكشف عن العالم» وأسراره. ويمزج فيه أبوليوس بين الأحداث الوهمية والحقيقة المستمدة من الواقع اليومي ومن تصوير أخلاق عصره» (السبعي: 95). 
إن كانت الرواية تعج بأسماء ومصطلحات ومسميات معقدة وأحداث ومواضيع غير واضحة وعادات غريبة لا يستطيع الباحثون اليوم فهم كنهها؛ فإن هذا يعود أصلا إلى وجود فجوة عميقة في الذاكرة التاريخية لشمال أفريقيا، التي مازلت مجهولة المعالم، اكتشاف حقيقتها سيساهم بشكل أو بآخر في حل العديد من الشفرات التاريخية الغامضة التي يتميز بها بالخصوص الأدب المتوسطي القديم، من أجل وضع حد للتخمينات والتأويلات المغرضة التي لا تفيد في شيء.

أبوليوس خادم روما المخلص

لا نستطيع أن نبرئ أبوليوس من تهم العمالة لروما وأسيادها، روما التي خدمها فكريا إلى جانب ثلة من المفكرين الأمازيغ؛ الذين بواسطتهم نمني أنفسنا اليوم في أننا أهدينا للثقافة اللاتينية شخصيات أدبية من ذهب. هذا الارتماء في أحضان روما الدافئة هو الذي يفسر الأحداث الواردة في رواية أبوليوس التي كان يوجهها بشكل يخدم أفكار روما ورغباتها. أفكار وأحداث خاضعة للفكر السائد حينها، وقد تكون صيغها المتتالية خاضعة هي نفسها لظرفية الزمان والمكان ولرغبة الأفراد وإمكانياتهم وأهوائهم ومطامعهم.
كل المؤشرات التاريخية تدفعنا إلى التأكيد على أن الواقع العام في شمال أفريقيا الرومانية في زمن أبوليوس تأسست منظومته السياسية والثقافية على الرأي المنفرد، فأينما وجد فكر أسطوري فإنه كان ثمة ديكتاتور يسكت العقول المنتجة. 
الذات المبدعة فطريا تختار لطرق إبداعها ألوانا جديدة للتعبير داخل الحصار، من هنا ولدت أسطورة «الحمار الذهبي»؛ داخل هذا النسق الذي لا يتحمل الآراء المعارضة، فأفولاي لم يكن يستطيع التعبير بكل حرية لو لم يتقمص شخصية الحمار ويلبس غباءه ويتكلم بلسانه ويلبي غرائزه. 
على الرغم من بعض الغموض الناجم عن طبيعتها الغرائبية فإنه لا يمكن أن ننفي عنها قيمتها التاريخية العظيمة، فهي تختزن في طياتها صوت الضمير الأمازيغي، كما أنها تمكنت وبشكل كبير من تسجيل ورصد طرق التفكير حينها؛ ونقلت إلينا تلك الحضارة بجل تفاصيلها الدقيقة المرتكزة على توثيق تاريخ الأحاسيس والرغبات، التي لا يمكن تأريخها إلا في إطار نص أدبي في حجم وقامة رواية «الحمار الذهبي».

كاتب أمازيغي ـ المغرب

سعيد بلغربي

الثلاثاء، 24 مارس 2015

تحية تقدير للمترجمين صالح علماني وسامي الدروبي / مقال مختار

ننشر هذا المقال مقتبسا من المجموعة الاعلامية الرأي . موقعهاالرسمي تحية تقدير صغيرة للمترجمين العظام الذين ترجموا اهم الروائع العالمية للادب العربي  الممجدان صالح علماني وسامي الدروبي.


«صالح علماني وسامي الدروبي». ما الذي يمكن أن يجمع بينهما؟، وما الذي يمكن أن يُفرِّق في المسافة بينهما؟.

ابتداءً، أتمنى لصالح علماني طول العمر. وأترحم كثيرا جدّا على سامي الدروبي. وأحلم لصالح علماني أن يعبر المئة وأن يضيف لها سنوات. فجهد الرجل يستحق منا أن ننحني له طويلا حتى تقترب جباهنا من الأرض. ومع هذا لن نوفيه حقه إزاء ما قدّمه لنا من ترجمات عظيمة.

لا أعرف السبب الذي دفعني للمقارنة بينهما... هل لأن سامي الدروبي سوري؟ وصالح علماني حتي وقت قريب كان يعيش في دمشق؟.

ولا أعرف مسيره ومصيره بعد أن جرى لدمشق ما جرى لها، ولكن لديَّ ثقة أن إنسانا مثل صالح علماني صاحب مشروع حقيقي في الكتابة والحلم من أجل البشرية كلها لا بد أن يكيف نفسه مع أي ظروف يمكن أن تمر به أو أن تفاجئه.

جمع بينهما أن كليهما صاحب مشروع كبير في الترجمة، عمل عليه بدأب ومثابرة مثل النحلة التي تبني عشها وتفرز عسلها وترعى أعشاشها بقدر من الدقة لو حاولنا أن نتعلمها نحن البشر لوجدنا حلولا لكثير من المشكلات التي تواجهنا كل يوم.

لكن، من قال إننا نتمعن ما نراه وما نسمعه. وإننا نحاول أن نتعلم منه. إن مملكة النحل لها إيقاع جدير بأن ندرسه وأن نتفهمه وحتى أن نقلده.

كان سامي الدروبي، سفيرا لسورية في مصر بعد تجربة الانفصال المريرة. وعندما ألقى كلمته الشهيرة أمام عبدالناصر وهو يقدم له أوراق اعتماده، لم يكن يتصور أن يأتي عليه يوم يصبح سفيرا لسورية في مصر. بعد أن كانت سورية ومصر دولة واحدة اسمها الجمهورية العربية المتحدة.

وقد بكى سامي الدروبي وأبكانا وهو يلقي كلمته بين يدي جمال عبدالناصر.. ثم أقام في القاهرة وكان يترجم كل صباح.

ولذلك أنجز مشروعه الكبير... في ترجمة ديستوفيسكي بمؤلفاته الكاملة التي صدرت أول ما صدرت في هيئة الكتاب بالقاهرة، وقت أن كان يرأسها محمود أمين العالم.

وقد صدرت في ثمانية عشر مجلدا. وقد فقد المجلد التاسع عشر رغم أهميته الشديدة. فهو يحتوي على يوميات ديستوفيسكي كما دونها. ولم يتم التوصل إلى هذا المجلد حتى الآن.

ترجم أيضا سامي الدروبي جزءا من مؤلفات تولستوي.. ومات قبل أن ينجزها. وتولى مترجمون آخرون استكمال ما بدأه سامي الدروبي.

ثم إنه ترجم لنا الروائي اليوغسلافي المدهش إيفو أندريتش ورواياته البديعة: «جسر على نهر درينا، وقائع مدينة ترافنك، الآنسة، السجن»، ولولا سامي الدروبي ما عرفنا هذا الروائي اليوغسلافي غير العادي. خصوصا رواية عمره: «جسر على نهر درينا». وقد تنبه له سامي الدروبي وترجمه حتى قبل أن يحصل على جائزة نوبل في الآداب.

ثمة فرق جوهري بينهما، أن الدروبي كان يترجم عبر لغة ثالثة. التي هي الفرنسية. كان يجيدها ـ مثل أشقائنا من أبناء الشام ـ إجادة تامة.

أما صالح علماني فترجمته عن اللغة الأم، التي هي اللغة الإسبانية. ورغم التقائي معه أكثر من مرة، فلم تسنح فرصة لأسأله كيف عرف طريقه إلى هذه اللغة التي كانت غريبة غربة تامة وقت أن تعلمها وأجادها وترجم بها.

ترجم صالح علماني أكثر من مئة عمل أدبي، بعضها مجلدات كبيرة. ومن إنجازاته التي صدرت في كتاب وأرسله لي، القصص القصيرة الكاملة لجارثيا ماركيز. التي لا تخرج عن أربع مجموعات قصصية.. فيها كل ما أبدعه ماركيز في القصة القصيرة.

وكل قصة مدون أمامها سنة كتابتها. أول قصصه كانت: «الإذعان الثالث» من مجموعته الأولى: «عينا كلب أزرق» سنة 1947. وأحدث قصصه: «طائرة الحسناء النائمة» سنة 1982. ضمن مجموعته القصصية الأخيرة اثنتا عشرة قصة قصيرة مهاجرة. ومجموع ما كتبه في القصة القصيرة اثنتان وخمسون قصة. بعضها أقرب للنوفيللا.

يلاحظ أن قصص مجموعته القصصية الثانية: «جنازة الأم الكبيرة» مكتوبة كلها سنة 1962. وأول قصة فيها: «قيلولة الثلاثاء» يعتبرها ماركيز أهم قصة كتبها في حياته كلها. هكذا قال جارثيا ماركيز نفسه في مذكراته: «عشتها لأروي» التي كتبها ونشرها إبان حياته. وفيها كثير من الاعترافات المهمة بالنسبة لعملية الكتابة وأسرارها وخفاياها

قال لي صالح علماني: لم يبق من نتاج ماركيز في القصة القصيرة سوى قصة واحدة، نشرها في الصحافة ولم يضمها لأي من مجموعاته، ولهذا لم يضمها لمجلده. لأنه ملتزم بالقصص القصيرة التي نشرها ماركيز في مجموعات قصصية. صدرت على شكل كتب، أما ما نشر في الصحف، فمن الصعب ضمه لأي مجموعة أخرى. فقد كان هذا الحق لماركيز وحده، ولا يملكه أحد حتى لو كان من الورثة.

إنجاز صالح علماني شكل فضيحة مدوية كاملة الأركان لمافيا الترجمات في عالمنا العربي، لأنه يوجد في المكتبة العربية أكثر من عشر مجموعات من القصص القصيرة منسوبة لماركيز، عندما تقرأ مجلد صالح علماني، تكتشف أن القراصنة العرب قد استبعدوا قصصا من مجموعات وشكلوا مجموعات قصصية من عندياتهم، مع أن المجموعة القصصية كيان تجمعه روابط داخلية غير مرئية بين قصصه.

سمعت عبارة كان يرددها نجيب محفوظ كثيرا، بعد أن قالها لجمال الغيطاني في حواره الطويل معه: نجيب محفوظ يتذكر. هذه العبارة: «المتلفت لا يصل». وأستميح نجيب محفوظ عذرا وأقول: المتلفت لا يحقق شيئا. وصالح علماني يعرف ما يريد. وكيف يحققه بأكبر قدر من الإتقان والإخلاص والدأب والمثابرة. دائما ما أقول إن الترجمة خيانة للنص. وإن المترجم مهما كانت دقته نصف خائن لروح النص الذي يترجمه. إلا مع قلة قليلة من المترجمين الذين أشعر معهم بأن ترجماتهم إلى العربية جميلة. وأنها تعكس روح الكاتب التي أستشعرها من النص.

ومن هؤلاء المترجمين الأمناء: صالح علماني. الذي أعتقد أنه أفاد الثقافة العربية فائدة كبرى بكل حرف ترجمة. فالترجمة بالنسبة له رسالة. ودور. وعمل يقوم به، لأنه يحبه. ويعبّر عن نفسه من خلاله.

رأيته خلال زيارته الأخيرة للقاهرة ـ قبل فترة ـ ولذلك بعد أن تركته تذكرت أنني كنت أحب أن أسأله كيف خرج على قاعدة عمره في الترجمة عندما ترجم الديكاميرون لبوكاتشيو عن لغة ثالثة. لأن النص غير مكتوب بالإسبانية.

ومع هذا أشعر بالامتنان له أن مكننا من قراءة هذا النص المؤسس في لغتنا العربية. ورغم أننا قرأناه مترجما عن الإيطالية مباشرة للدكتور حسن عثمان. وصدر في ثلاثة مجلدات عن دار المعارف، فإن الترجمة التي قدمها صالح علماني عن لغة ثالثة لا تقل جمالا وعذوبة وإمتاعا عن الترجمة التي تمت قبل نصف قرن عن الإيطالية مباشرة.

الثلاثاء، 3 فبراير 2015

كيف أقرأ الكُتب ؟ / مقال مختار

كيف أقرأ الكُتب ؟


عبد الرحمن ابو ذكرى - موقع اضاءات مصر العربية 
كيف أقرأ الكُتب ؟

“فن المعرفة هو معرفة ما الذي عليك تجاهُله"؛ مولانا جلال الدين الرومي.

تنقسم القراءة عندي لنوعين: القراءة الاستكشافية، والقراءة للدمج النسقي. وهذا التقسيم في مجمله مُرتبطٌ بتقسيمٍ آخر للنشاطات الإنسانية الجوّانية: الفكر والشعور. لكنه لا يعني بالضرورة الارتباط الكلي والحتمي والحصري لكل نوع من أنواع القراءة بنشاطٍ واحد؛ بل يعني غلبة نشاط على آخر في كل من نوعي القراءة، وليس تفرُّد الفكر أو الشعور بنوع من أنواع القراءة دون اﻵخر؛ فهما أصلًا، وفي الممارسة العملية؛ لا ينفصلان.

وتصلح النصوص البشريّة المكتوبة في غالبيّتها العظمى للاستكشاف، ولكن  أقل القليل فقط هو ما قد يصلُح للدمج. وهذا ينطبق على كل العلوم والمعارف، وعلى كل إنسان؛ ليس فقط بسبب الطبيعة السطحية لغالبيّة النصوص ولا لحجم التناص الهائل فيما بينها، في داخل كل حقل معرفي وبين الحقول المعرفيّة المختلفة؛ بل لأن حاجة الإنسان الحقيقيّة من المعرفة أقل كثيرًا مما يقوم بتحصيله خلال مراحل التعليم المختلفة، وأكثر انتقائية؛ فضلًا عن الشظايا التي يقصفها الإعلام لتكبيله بها، أو ما يعمد لقراءته وتحصيله بشكلٍ حر. إن المعرفة الحقيقية التي يحتاجها الإنسان هي التي تدفع بحركته في الوجود، وتُسهم في تشكيلها، وليست تلك التي يزهو بها ويفاخر بمُراكمتها؛ فهذه الأخيرة من العلم غير النافع. "العلم" الذي يكبِّل الحركة الإنسانية في الوجود، بأيديولوجيا تتلبس بلبوس العلم.

والقراءة الاستكشافيّة تشمل نوعي القراءة السريعة اللذين لا نُميِّز بينهما في العربيّة: التصفُّح بغرض استخلاص الأفكار الرئيسية (يسمى بالانكليزية Skim)، والتصفُّح بتمعُّن بحثًا عن فكرة أو إشارة مُعينة شُغل القاريء بها ابتداء (يسمى بالانكليزية Scan). وإذا كانت القراءة في النوعين السابقين لا تكون للنص بكامله، فإن القراءة الاستكشافية عندي تشمل كذلك قراءة النص كاملًا، لمجرد الإلمام بمراد المؤلف أو تكوين فكرة عامة عن موضوع تقتحمه لأول مرة.

ويختلف دمج النصوص نسقيًا عن استذكارها وحفظها عن ظهر قلب. ذلك أن الدمج يُشكِّل الخريطة الإدراكية والرؤية الكونية بشكلٍ واع، أما الحفظ والاستظهار فغالبًا ما يكون ملئًا للصدر بما لا ينفع إلا للتقيؤ في الاختبارات الدوريّة، فضلًا عما يمتصّه العقل الباطن من هذا القذى، بغير وعي؛ ليصنع تحيُّزات لا عقلانية وغير واعية، بل وقد تتنافى بصورة فجّة مع ما يعتقده المرء واعيًا! إن استذكار النصوص عندي تضييعٌ للوقت وتبديدٌ للملكات وإهدارٌ للعمر، بما أنها متوفِّرة أصلًا في مدوّنات؛ لذا أرى الاكتفاء بالإلمام بمظان المعرفة المكتشفة، حتى تتحرر القدرات العقلية للإنسان من القيود الضارّة؛ فيستطيع قراءة الكون من خلال النصوص التي يُطالعها، لدمجها إراديًا في وعيه وفي أنساقه القيمية؛ العقلية والشعورية. وما اختياري لهذا النمط من القراءة وتغليبي له إلا لحرصي على عدم تكبيل حركتي في الوجود بفرط النظر، وعنايتي بسلاسة العلاقة بين النظر والعمل، وبين الفكر والشعور.

فأنا لا أستذكر النصوص، ولا أحفظها أو أستظهرها عامدًا. ذلك أني لا أعتبر العلم هو نقل المتون من الأوراق إلى صدري أو عقلي، بل هو بناء علاقات جدليّة خاصة مع النصوص. علاقات تُشكِّل إجاباتي الخاصة، وتتشكَّل بها هذه الإجابات؛ لأرى الكون وأتفاعل معه من خلال كل نص، أو من خلال قراءتي له. إنه بحث عن المعنى في كل شيء، وإضفاءٌ للمعنى على كل شيء. ربما لهذا السبب أبغض الدراسة النظامية الروتينية والتقاليد الأكاديمية السخيفة، لأني أشمئز من ربط علاقة سطحية مع أي نص؛ علاقة تحكمها اعتبارات سلطوية، واحتياجات نظريّة أو متوهَّمة تفرضها سُلطة الدولة أو الجامعة أو التنظيم أو العابث بمناهج التعليم النظامي. وأفضِّل على ذلك علاقة حميمة ودائبة تحكمها احتياجات إنسانيّة واجتماعيّة حقيقيّة.

وقد ابتكرت طريقتي في قراءة النصوص التي شكلت عقلي ووجداني ومنهجي في النظر. وهي القراءة التي أسميتها، في أول المقال؛ القراءة للدمج النسقي. فهي القراءة التي أدمج بها النص المقروء إراديًا في وعيي، وفي منظومتي القيمية؛ مجتهدًا لتمثُّله. فأنا أقرأ النص أولًا بترتيب قائمة محتوياته وتسلسُل موضوعاتُه الذي عيَّنه المؤلف، وهذا ليس للاستكشاف السطحي فحسب؛ بل لأتتبع طريقة تفكير المؤلف وأستوعب منطقه. ثم أقرؤه بعكس ذلك الترتيب، من آخره إلى أوله؛ وذلك لأقيس تماسُكه وانسجامه الفكري، واتساق النتائج ومدى تعبيرها عن المقدمات. ثم بترتيبي الخاص: حسب أولوية موضوعاته وأقسامه وفروعه في لائحة اهتماماتي الخاصة، وهو ما يفيدني في الوقوف على مدى نضج المؤلف وقوة نماذجه ومرونتها ومقدرتها التفسيرية. وبهذا، فأنا لا أفكك النص دلاليًا فحسب؛ بل أفككه تراكيبيًا ومنهجيًا أيضًا، لأعيد ترتيبه وكتابته وإسكانه في وعيي، ومن خلال تجاربي وخبراتي الحياتيّة، وحسب احتياجاتي وأولوياتي الخاصّة، ورؤيتي للكون.

وأنا في ذلك أستخدم تقنية أفدت عناصرها من طريقة أستاذنا المسيري في كتابة نصوصه، وإن كنت أجهل كيف كان رحمه الله يقرأ النصوص التي تأثر بها وشكَّلت وجدانه. إذ ترتبط تقنية الكتابة عند عبدالوهاب المسيري، بتقنيته في إنتاج المعرفة، ودوافعه لتحصيل مدخلاتها. وهو ما لا يستطيع إداركه من أسِر لتقليد معرفيٍّ ما؛ خصوصًا أسرى التقليد الأكاديمي الغربي. لقد ارتبطت تقنية المسيري في إنتاج المعرفة بأسئلة حقيقيّة يبحث عن إجاباتها، ومكابدات ذاتيّة لتلك الأسئلة وإجاباتها المختلفة؛ وليس بأطروحات أكاديمية أو مشروعات نظريّة مُجرَّدة. وهو ما يُضفي على إنتاجه حيويّة متجددة، برغم برودته في مواضع كثيرة!

لقد كان المسيري يبحث عن إجاباته الخاصّة مهما كبَّده ذلك من عناء، وليس عن إجابات جاهزة تُريحه من عناء البحث والدراسة والاختبار والهضم والتأمُّل والتمثُّل والتفكيك وإعادة التركيب. لذا؛ فهو لا يذكر مصادره عندما يكتب، وإن أشار لآثار الكثيرين، جملة وتفصيلا؛ وفضلهم عليه وعلى أفكاره. لكنك حين تعود للنصوص التي أشار إليها، في مواضع الإفادة منها؛ لا تجد الأفكار أو النصوص أو النقول كما ظهرت لك في أنساق المسيري ونماذجه التركيبيّة الغنيّة، وقد لا تستطيع أصلًا، بغير إشارته؛ إدراك معالم المؤثر في نموذجه المعروض لناظريك، مهما أجهدت نفسك بالمقارنة؛ إلا بجهدٍ تفكيكي وتركيبي مساو.

وأحيانًا لن يُمكنك الوقوف على معالم المؤثِّر إلا إذا كنت تُكابد مكابدات مشابهة لما مرَّ به. وما ذلك إلا لأنه ينسلخ من كل تقليدٍ وكل إجابة؛ ليُعيد بناء المحتوى والدلالة وتركيبهما داخل نسقه الخاص، وانطلاقًا من رؤيته الخاصة، بوجهةٍ مختلفةٍ، وفي غمار حرارة مكابدته الشخصيّة؛ تدشينًا لتقليده الخاص. إنه يبني سرديّته الخاصة عن الوجود. يبنيها بعد هضم المدخلات والإفادة منها، وليس برصّ النقول والتعليق عليها كما يفعل المدرسيّون!

وأشهر مثال على ذلك هو نقده للحداثة الغربيّة، وتأثره بمدرسة فرانكفورت واليسار الجديد، والذي يشير إليه في غير موضع. لكن الفارق بين ما قدَّمه المسيري وبين هؤلاء الفلاسفة؛ أنه يُعيد تنظيم هذه الشظايا وتعريفها في إطار رؤية متجانسة متماسكة، في إطار سرديِّةٍ كُبرى عن الإله والإنسان والكون. إنه يرى الكُليّات بوضوح، ومن ثمَّ فإن الجزئيات والتفاصيل التي يُفيدها من نُقّاد الحداثة تنتظم بسهولة ويُسر في نماذجه التفسيرية، وداخل منظومته القيمية؛ لتخلق آليات قويّة وشديدة الفعاليّة في إنتاج المعرفة النقديّة، وليس مُجرَّد ترديد ببغائي لمقولات متناثرة. لقد سلك عبدالوهاب المسيري إشكالات الحداثة في سلكٍ واحدٍ باعتبارها تجليات أو تعبيرات متنوِّعة عن ظاهرة واحدة، في حين تعامل فلاسفة فرانكفورت مثلُا مع تلك الإشكالات باعتبارها ظواهر متعددة ومستقلّة. إن كتابات المسيري تُعبِّر عن رؤية واضحة للإنسان، وعن نسقٍ أخلاقيٍّ منسجم ومطرد، بعكس اضطراب فلاسفة فرانكفورت وتشظي إضافاتهم وجنوحها النظري، برغم عمقها.

لهذا كله؛ لم يكن المسيري يذكر موسوعته عن الصهيونيّة، التي أفنى فيها نصف عمره تقريبًا؛ إلا باعتبارها حالة تطبيقيّة لاختبار تصوّراته ونماذجه التفسيريّة النظريّة. ولهذا أيضًا؛ كان المسيري يكتب في مساحة عريضة من الاهتمامات والمجالات، ويتجلى في رأيه العمق والجدّة والتركيبيّة والأصالة، وإن خالفته أو حتى استهجنت مذهبه. فقد عاش ليبني قدراته العقلية، ويعلمنا كيف نحذو حذوه؛ ولم يبدد عمره في رص ومراكمة المعارف المتاحة في الكتب. لقد علمنا كيف ننتج المعرفة النقدية، وكيف نختبر قدرتها، وكيف نستخدمها. باختصار؛ لقد علمنا كيف نتفلسف.

وقد وجدت مثل هذا المنهج، أو قريب منه؛ في طريقة أستاذنا سيّد قطب في التأليف. فهو أيضًا يُفكك ما يقرأ ويُعيد تركيبه في أنساقه الخاصة، وقد لا يشير لمصادره في الهوامش أحيانًا. وأبرز مثال على ما فككه وأعاد استخدامه هي المصطلحات والأفكار التي أفادها من الأستاذ المودودي، رحمهما الله؛ فإن المطلع على كتاباتهما معًا يُدرك جيدًا أن الحمولة الدلالية لكثير من مصطلحات المودودي، التي أفادها منه قطب؛ قد أفرغت وأعيدت تعبئتها بما ينسجم مع رؤية قطب، الذي أعاد استخدام مصطلحات المودودي كما أعاد المسيري بعده استخدام إنتاج نقاد الحداثة الغربية؛ لكن المخرجات في الحالتين قد أُثقلت بحمولة جديدة، وحُمِّلت بظلال جديدة، وبلورت قراءات جديدة، وإن توهَّم بعض السذج غير ذلك.

وطريقتي في قراءة النصوص مرتبطة بطريقتي في تطوير أفكاري، ومن ثم بطريقتي في الكتابة، التي أفصحت عنها في مقدّمة كتابي الصادر مؤخرًا: "أفكار خارج القفص". وأول طور في تطوّر أفكاري هو المونولوج (حديث النفس) الذي تتعرَّف به لنفسك، ثم يأتي بعده الديالوج الديالكتيكي (حوار جدلي مع آخرين أكثره عرض لحجّتي) الذي تتعرَّف به لنفسك في وعي اﻵخرين، ويحل الحوار مع الوحي طورًا ثالثًا أكثره إنصاتٌ للمراد الإلهي للتعرُّف على موقعك من الكون وبين بني الإنسان وشكل علاقاتك بهم، وأخيرًا تنضج أفكاري بديالوج/حوار مع عالم الشهود كله؛ حوار/مكابدة يتساوى فيه نصيبي من الحديث والإنصات، والسكون والحركة.

والانتقال من المونولوج إلى الديالوج البشري يقتضي حُسن معرفتك بنفسك؛ معرفة بحدّها وحدودها وأفقها وغايتها، معرفة بسبب وجودها. أما الانتقال من الديالوج البشري إلى الحوار مع الوحي، فيستلزم قدرًا من المعرفة التي راكمتها الإنسانيّة، لسبر غور النصّ في سياقك التاريخي وتمثُّله في حركتك؛ معرفة حدَّها الأدنى ألفة لغة التنزيل. أما الانتقال الأخير، فهو دمج تركيبي للحوار مع الكتاب المنظور في الحوار مع الكتاب المسطور، وهو ما يقتضي ديمومة الحوار مع الكتاب المسطور جنبًا إلى جنب مع الحركة بين صفحات الكتاب المنظور. وحدّه الأدنى حركة الوجدان في السعي اليومي؛ حركة انفعاليّة تتمثَّل الوحي وتعايشه في كل خفقة.

إن طريقة قراءتي للكتب مرتبطة أيضًا باختياراتي من الكتب. ولم أكن لأستطيع اختيار كتاب لأقرؤه بهذه الطريقة، وأدمجه في وعيي؛ لو لم أختر نفسي أولا، وأحسن قراءتها. إن اختيار النفس ومعرفتها وفقه دروبها ينقلك من مرحلة المونولوج إلى الديالوج البشري، ومن القراءة العشوائية لكل ما تقع عليه يدك إلى القراءة الغائيّة؛ القراءة التي تُثري وجودك وتزيد إجاباتك عمقًا وتركيبًا، وهو هدف يختلف كليًا عن القراءة لشحذ الأدوات الجدليّة ودعم الحجج السفسطائية وتحقيق العلو الأيديولوجي في الأرض. إن عرضي لحجتي في هذا الطور لم يكن يهدف لشحذ أدوات الجدل والمناظرة، بل استهدف أصلًا تعزيز الفهم وبلورة التصوّرات. استهدف إجادة قراءة كتاب النفس، أكثر من لوك ما في كتب الكتّاب. إن جدْل حبل الأفكار حول موضوع ما، جدلًا فذًا متينًا؛ لا يعتمد فحسب على ما تقرأ من النصوص، كمًا أو كيفًا؛ بل يعتمد في المقام الأول على موقع الموضوع كله على لائحة أولويّاتك، ومدى انفعالك به وتغلغله في مسارب نفسك، ومستوى تشرُّب وجودك له، ومن ثم أثره في حياتك اليوميّة. يعتمد باﻷصل على مكابداتك، الحبل من الله؛ قبل أن يعتمد على المدخلات، أو حبل من الناس. وبما أن الفكر يرتد إلى المحسوسات، ومهما بلغ التجريد فإنه يرتد إلى تجارب الإنسان الحسيّة، إذ لا يُحسن الإنسان إدراك ما لم يُجرِّب ناهيك عن التعبير عنه؛ لذا كانت قلة الحركة/المكابدة تسطيح للفكر، وإساءة قراءة قصديّة للنفس والكون وللنصوص المكتوبة، وباب الولوغ في حمأة ضحالة التصوّرات وطوباويتها. إنه أنت من يُضفي المعنى على ما يقرأ؛ ليس على دين التفكيكيين السائل القائل بنفي كل مركز، بل بإضفاء الظلال والعمق اللذان يمنحان النص قدرًا من الخصوصيّة في كل قراءة؛ خصوصيّة لا تنفي العام فيه، ولا تقوّضه. لهذا كله؛ فإن قراءة القليل مع هضمه واستيعابه وتمثُّله، خيرٌ من قراءة الكثير واختزانه في ماعون عقلك بغير أثر واع.

إن القراءة للدمج هي في أحد وجوهها عمليّة مراكمة للجزئيّات، وفي وجه آخر صيرورة جلاء للكليّات. وأنا أظل أراكم الجزئيّات حتى يكتمل النسق وتبرز كلياته؛ فإذا بالتفاصيل والجزئيّات تسقُط ليبقى الجسد الكُلّي فحسب، أو النموذج في صورته النهائيّة. حينها تخف الحاجة لمراكمة الجزئيّات النظريّة، وقد تنعدم؛ ليصير للنسق/النموذج حياته الخاصة، فيتطور وينمو من خلال استخدامه عمليًا في قراءة الوجود وتفسيره، وقد يُفيد أحيانًا من قراءة وتفسير نصوص أخرى ذات صلة.

إن هذه الطريقة في القراءة تربط النظر ربطًا شبه حتمي بالعمل، وترسم من اختلاط عمليّة تحصيل المعرفة بألوان المكابدة مسارًا مُعبًدا للحياة الإنسانيّة على مراد الله. إنها تجعل من القراءة حياة حقيقية على الأرض، وليس حياة خياليّة متوهّمة بين الصفحات.

إن هذه الطريقة في القراءة هي الطريقة المثلى لتحقيق النصيحة المشتهرة عن محمد إقبال رحمه الله: "إقرأ القرآن كأنه أنزل عليك". إن كل الكتب التي أقرأها وكل المعارف التي أقوم بتحصيلها لا هدف لها سوى تعبئة أدواتي وزيادة مهاراتي وصقل قدراتي على قراءة القرآن؛ قراءة لا تدمج تعاليمه في وعيي وتعينني على تمثلها فحسب، بل قراءة تدمجني أنا نفسي في الصيرورة التاريخيّة لتحقُّق مراد النص المتجاوز للتاريخ، في الوجود القرآني. وكل قراءة لا تُسهم في تحقق هذا الهدف: عبثٌ محض. وأنا أمارس هذه القراءة، منذ عقد أو يزيد؛ على أمل أن أعبر بها يومًا لأكون من السائرين في ظلال القرآن.