‏إظهار الرسائل ذات التسميات الادب الالماني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الادب الالماني. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 17 مارس 2015

القائمة الطويلة لجائزة الإندبندنت للأدب الأجنبي 2015




خمسة عشر كتابا بلغت القائمة الطويلة لجائزة الإندبندنت للأدب الأجنبي هذا العام، لترسم مشهدا غنيا بالثقافات والآداب العالمية، وتتيح مجالا للتنافس على 10000 جنيه إسترليني لن تذهب إلى الكاتب وحده، وإنما أيضا إلى مترجم العمل إلى اللغة الأنكليزية.
وهكذا مهّدت هذه الجائزة على مدار خمسة وعشرين عاما منصة للاحتفاء بالمواهب في عالم الترجمة الرفيعة، هذا الفن مهضوم الحق الذي يرنو إليه الوسط الأدبي وكأنه “تخديم” على مهنة الكتابة الإبداعية.
كان العام الماضي عاما سعيدا على الثقافة العربية عندما فاز بجائزة الإندبندنت للأدب الأجنبي الكاتب العراقي المقيم في فنلندا حسن بلاسم عن كتابه “المسيح العراقي”، ومترجمه البريطاني جوناثان رايت. وكان بلاسم أول عربي ينالها مطيحا برواية “رجل في حالة حب” للنرويجي كارل أوف كناوسجورد.


الحالة الإنسانية

تروي إحدى أعضاء لجنة تحكيم جائزة الإندبندنت للأدب الأجنبي أنتونيا لويد-جونز، المترجمة من البولندية إلى الأنكليزية، تجربة قراءة القائمة الطويلة “وجدت فيها اكتشافا ومتعة؛ أخذتني إلى بقاع لم أعهدها من قبل، عرّفتني على شخصيات لن تمحى من ذاكرتي، وتأثرت بقدرتها على طرح الحالة الإنسانية”.

تدير الجائزة مؤسسة بوكتراست الخيرية ويدعمها مجلس أنكلترا للفنون وجريدة ذي إندبندنت ومؤسسة شامبانيا تيتانجيه. وكثيرا ما تلقي الضوء على إبداع الكتاب المنفيين، وقائمة هذا العام تشمل “البحيرة الميتة”، لحميد إسمالوف، الذي أرغم على الهروب من أوزباكستان عام 1992، وتقع أحداثها في سهول كازاخستان بالقرب من موقع نووي تجريبي. ومعها رواية “الجبل يحترق بحلول الليل” لخوان توماس أفيلا لوريل، الذي أضرب عن الطعام عام 2011 اعتراضا على الفساد المتغلغل في غينيا الاستوائية.


الماكينة الأدبية الألمانية

لقد أولى الناشرون البريطانيون بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لانهيار حائط برلين كل عناية للأدباء الألمان ممن لاح تفوقهم البيّن بالقائمة المشتملة على خمسة كتب بالألمانية، من ضمنها رواية ستيفاني دو فيلاسكو “لبن النمر” التي تتوغل بعين الشفقة والرثاء في أزمة المراهقة وأوكار العهر، وهذا المزيج لا يمكن أن يخلو من مخدرات وضياع جيل بأكمله.

وكذلك رواية الألماني تيمور فيرميس الكوميدية “انظر من عاد”، التي تبعث هتلر إلى الحياة في العهد الحاضر، فيلفي برلين بلا إيفا براون أو حزب نازي. يحسبه الناس ممثلا يتقمص شخصية النازي والذهول يحيق به لرؤية وطنه يزخر بالمهاجرين من كل لون وعرق، متصالحا مع اليهود، بل “وتقوده امرأة”.

وفي النهاية يحدث المتوقع، يجعجع هتلر من غير كابح فينتشر له فيديو على موقع يوتيوب باعتباره أضحوكة، ثم يحدث غير المتوقع، يصير نجما للإنترنت بلا منازع، ويضطلع بتقديم برنامج تليفزيوني، وعندئذ فقط يبدأ الألمان في الاستماع إلى الفوهرر المتستر على خطة طموح لتقويم حال دولة يظنها متدنية مهلهلة.

لا شك أن إرث هتلر وجرائمه ليسا الموضوع المفضل للألمان، وتناولهما بهذه الجسارة الهجائية خليق بتناول مهرج لتابو سياسي، مذكرا الألمان بإخفاق ديمقراطيتهم الفائتة، ومدى ما اقترفوه من غبن في حق الأقليات.

ما يجذب القارئ إلى رواية هو الأمل بأن يدفئ موت -يقرأ عنه- حياته المرتعشة من فرط البرد

نجما القائمة اللامعان

وعلاوة على روائيين من كولومبيا وكوريا والصين وروسيا، يسطع نجمان من نجوم الأدب المعاصر: الأيقونة اليابانية هاروكي هوراكامي، وتسرد روايته “تسوكورور تازاكي عديم اللون وسنوات رحلته الطويلة” حكاية شاب وحيد يخوض تجربة مؤلمة بعد نبذه من قبل ثلة مقربة من الأصدقاء.

النجم الثاني هو النرويجي كارل أوف كناوسجورد الذي قارنه النقاد بمارسيل بروست حين خاض تجربة في النثر الواقعي ليخط بيد المعاناة حكاية أيسلنديّة تعجّ بالاعترافات المروعة من 3500 صفحة تحت عنوان “كفاحي”.

ترجم البريطاني دون بارتليت روايته المرشحة للجائزة “جزيرة الصبا”، وهي الكتاب الثالث من سيرته الذاتية. بيع من الكتاب فور صدوره بالنرويج نصف مليون نسخة في دولة تضمّ خمسة ملايين نسمة ليس إلا.
تتضمن سلسلة “كفاحي” كل شيء عن حياة مؤلفها بلا تزويق أو محاباة، فهو يولي فنجانا من القهوة البائخة الاهتمام نفسه الذي يوليه لأسرته بكل فضائحها اللافحة. لم يكن كناوسجورد يوما شخصية منبوذة، وإنما محل خلاف وجدل بين مثقفي النرويج. وقد أدّت صراحته العارية إلى نبذه من بعض أفراد عائلته بعد أن سجّل موت أبيه بفعل الإدمان على الكحوليات بتفاصيل عديمة الرحمة.

جائزة الإندبندنت تديرها مؤسسة بوكتراست الخيرية ويدعمها مجلس أنكلترا للفنون وجريدة ذي إندبندنت
يكتب عن أبيه المتحكم المتنمر، “لطالما تمنيت موته. ولكني منذ اللحظة الأولى التي أدركت فيها أن حياته سرعان ما ستنتهي، بدأت أتمنى موته”. وبعد ستة مجلدات من التشفي يكاد المؤلف يستنفد الحديث عن شياطينه وشياطين الآخرين، ويحطّم ذاته وذوات الآخرين.

يقول الفيلسوف الألماني والتر بيجامين في مقالته “القاص” إن ما يجذب القارئ إلى رواية هو الأمل بأن يُدفئ موتٌ -يقرأ عنه- حياته المرتعشة من فرط البرد. وربما لهذا السبب تعلّق القراء “بكفاحي” الذي يعترف فيه كناوسجورد بمحاولته الانتحار مع أن نكاية بالأدب -أو ربما الانتقام منه- تشوب هذا الكشف، “سأكسر جرّة الشكل الفني المزخرفة، بأن أملأها بوصف لن يسعها محتواه”.

أحيانا ما تتسم عبارات كناوسجورد بالابتذال، “تسري الأخبار كالنار في الهشيم”. وحين يطمح إلى البلاغة، يسقط على الفور في فخ التهرّؤ والمبالغة. البادي أنه لا ينتهج أسلوبا معينا أو حتى ينتقي ما يضيفه إلى الحبكة أو يحذفه منها، فنصوصه معدومة الهيراركية وتطغى عليها مساواة عجيبة بين تأملها لوجبة الإفطار وسبرها لعدمية الفناء.

يكتب كناوسجورد كل ما تستجلبه ذاكرته المكتظة، وكأنما يأخذ بنصيحة الروائي البريطاني هنري جيمز، “لا تكن ممن ينسون” ولسوء حظنا يستحضر بحق كل تفصيلة، فلا ينجو النص من الاستطراد وتستحيل سيرته أشبه بحلقات تلفزيون الواقع.


كارل أوف كناوسجورد قد يحصل على وسام الاستحقاق
ومع ذلك نختار قراءة أدبه كالمكرهين عليه جبرا. لا ينفك النقاد يصفون أدبه بالمخدرات، فنحن لا نتمالك أن نشيح أعيننا عن هتك الذات المهين هذا. تقول الروائية البريطانية زادي سميث، “أشتهي كتابه التالي كمن تشتهي الكوكايين”، بينما يفسر الناقد مايكل كلون صاحب مقالة “نظرية النثر” -وهو نفسه مدمن سابق- أننا ننزع إلى استخدام استعارة المخدّر حين نستمتع بكتاب ونعجز في الوقت ذاته عن أن نعزو اهتمامنا إلى أيّة قيم أدبية ذات شأن.


انتحار أدبي

“يبدو وكأن طفلا كتبها”، باح المؤلف في أحد حواراته “بها طفولة وغباء وافتقار للحكمة وخيالات جامحة. لو حاولت أن أسبغ عليها نضجا، ستعوزها الحيوية”. لذا يصف الناقد الأميركي بن ليرنر “كفاحي” بأنها “مشروع مضاد للأدب”، إنها ما يكتبه كناوسجورد بدلا من الروايات، محتميا بسذاجة الطفولة وجهلها، ومشددا على نفوره المتنامي من الأدب وتلهفه على وأده.

يعترف كناوسجورد في كتابه الثاني أنه لو سيكتب رواية أخرى، “ستكون مجرد أدب، مجرد خيال لا قيمة له، وفكرة الأدب المجرّد، فكرة شخصية مختلقة في حبكة مختلقة، تصيبني بالغثيان”. والشيء بعكسه يذكر، حين سئلت البريطانية دوريس ليسينغ إن كان أدبها يطوي شذرات من حياتها، استنكرت الفكرة، “ألن يكون هذا شيئا مملا؟!”.

لقد استهلكت المجلدات الستة مطامح مؤلفها الأدبية، بل وأطفأتها. “إنه انتحار أدبي” يصرح كناوسجورد غير عابئ بوصمها، “لا شيء آخر في جعبتي، لا أقوى قط على أن أكتب شيئا من قلبي بدون تكرار نفسي”. وقد جاءت آخر جملة في سيرته تأكيدا لقراره “إنني في غاية السعادة لأني لم أعد مؤلفا”.

ولكن هل تفوز رواية -يصنفها ناشرها على أنها رواية بالرغم من كل شيء- تجاهر دون مواربة باشمئزازها من الأدب وتدير ظهرها لأدواته بجائزة الإندبندنت للأدب الأجنبي؟

لقد تجاهلت لجنة التحكيم كناوسجورد مرتين في الأعوام السابق، ربما لجرأته المتاخمة للوقاحة على الصنعة. ولكن قد تشفق اللجنة هذه المرة على رجل اعتزل السرد، وتمنحه وسام الاستحقاق، وإن كان لا يوجد ضمان أكيد أنه سيقبله.