‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمود حسني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمود حسني. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 26 نوفمبر 2014

قصة قصيرة لـ توم هانكس في مجلة النيويوركر

آلان بين زائد أربعة .. قصة قصيرة لـ توم هانكس في مجلة النيويوركر



ترجمة : محمود حسني .


السفر إلى القمر أصبح أقل صعوبة هذه الأيام مما كان عليه الأمر عام 1969، كما برهنا نحن الأربعة على ذلك بدون أن يثير هذا فضول أو اكتراث أي شخص. أترى، بدا الأمر وكأنه يشبه تناولنا للبيرة الباردة في فناء المنزل ونحن نتأمل القمر وهو في طور الهلال مثل أميرة لطيفة تظهر منخفضة على مقربة من الغرب. أخبرت ستيف ونج أنه إذا رمى مطرقة مثلا بقوة كافية، فمن الممكن أن تقطع 25 ألف ميل في طريقها إلى القمر لتدور من حوله عائدة من جديد إلى الأرض بحيث أنها تأخذ مسار الذهاب والإياب على هيئة رقم ثمانية "8"، أليس هذا رائعا حقا؟ 



ستيف ونج يعمل في مستودع، ولهذا فهو يتعامل مع الكثير من المطارق والأدوات الأخرى. وقد عرض علي أن نجرب الأمر مع بعض هذه المطارق. وقد تسائل شريكه في العمل "م.داش"، والذي اختصرت اسمه القبلي الطويل على طريقة نجوم الراب، كيف يمكن للمرء أن يمسك بمطرقة ساخنة بل قريبة من الاشتعال وهي تسقط بسرعة عشرين ميل في الساعة؟! "آنا" التي تعمل في تصميم صفحات الويب قالت أنه لن يكون هناك شئ لنمسكه لأن المطرقة ستحترق وهي في طريقها إلينا مثل شهاب. وقد كانت على حق. هذا بجانب أنها لم تكن تستسيغ بساطة نظرتي لعملية "رمي - انتظار - رجوع" المطرقة. فدائما ما كانت متشككة في صدق برنامجي الفضائي. وقد قالت لي ذات مرة أنني أتظاهر وكأنني قائد "أبوللو 13" أو "لنكهود". كما انني ابدأ في تزوير التفاصيل لكي أبدو بمظهر الخبير. ولقد كانت على حق بشأن هذا أيضا. 



لقد احتفظت بكل قصصي وخيالاتي في "كوبو" القارئ الإلكتروني، وقد بدأت اتصفح فصل بعنوان: ليس هناك من طريقة يا إيفان، لماذا "CCCP" ضلت طريقها في السباق إلى القمر. وقد كتب هذا الفصل بواسطة أستاذ مهاجر، وتبعا لما قاله، ففي منتصف الستينيات أمل السوفيت في المزايدة على نجاح مشروع أبوللو عن طريق إطلاق مهمات إلى القمر تأخذ مسارات على هيئة رقم ثمانية "8" ومن ثم تعود. حيث لا دوران، ولا هبوط، فقط التقاط للصور ومحاولة الشماتة من مشروع أبوللو. ولقد أرسلوا "سوريوز" وهي مركبة بدون طيار، فقط وضعوا فيها عارضة أزياء وألبسوها بدلة رائد فضاء. ولكن الأمور خرجت عن السيطرة ولم يجربوا فعل ذلك ثانية ولو حتى مع كلب. 



"آنا" نحيلة وذكية كسوط، ولقد كانت مندفعة ومتحمسة بشكل أكبر من أي امرأة قد واعدتها من قبل "ولمدة ثلاثة أسابيع مُرهِقة". لقد وجدت التحدي الذي تريده، كانت تريد أن تنجح فيما فشل فيه السوفيت. قالت: سيكون شيئا ممتعا حقا أن نذهب جميعا. ولكن متى سنقوم بذلك؟ لقد اقترحت جدولة الإقلاع ليكون مع الذكرى الخامسة والأربعين لأبوللو11، رحلة الفضاء الأشهر عبر التاريخ. ولكن ذلك كان يعوقه أن ستيف ونج لديه عمل حتى الأسبوع الثالث من يوليو. ماذا عن نوفمبر؟ عندما هبط أبوللو12 على القمر فوق محيط من العواصف وهي أيضا ستكون الذكرى الخامسة والأربعين. ولكن هذه الذكرى منسية من قبل 99.999% من سكان الأرض. بالإضافة إلى أنه سيكون على آنا أن تلعب دور وصيفة الشرف في حفل زفاف أختها بعد أسبوع من الهالوين. ولذا أصبح الميعاد المناسب للمهمة هو السبت، 27 سبتمبر. 



رواد الفضاء في حقبة أبوللو كانوا يقضون آلاف الساعات في التدرب على قيادة الطائرات النفاثة والحصول على درجات عليا في الهندسة. كان عليهم التدرب على الهروب من مخاطر الإطلاق بالإنزلاق أسفل الكابلات الطويلة في المخابئ الآمنة المبطنة جيدا. كان يجب عليهم أن يعرفوا كيف تعمل "المسطرة الحاسبة". نحن لم نفعل أي من هذا، لقد قمنا بتجربة طيران في الرابع من يوليو عند مدخل أوكسنورد ولقد قام بهذه التجربة ستيفن ونج مستخدما الكثير من المفرقعات والألعاب النارية. لقد أملنا أن نغادر الأرض في سماء ليلة ما دون أن يلاحظنا أحد، ولقد تمت المهمة. والصاروخ الذي أطلقناه يدور الآن حول الأرض كل تسعين دقيقة، دعني أوضح شيئا ما، إن لم يصطدم بإحدى وكالات الفضاء الحكومية المتعددة والتي تدور حول الأرض فلربما يظل في مداره من 12 إلى 14 شهرا. 



"م.داش" والذي ولد في قرية جنوب الصحراء الكبرى، إنه رجل صاحب عقل عبقري وغير عادي. في الثانوية ومع الحد الادنى من مهارات اللغة الإنجليزية، نجح في الحصول على جائزة العلوم من معامل "ميريت" العلمية عن مواد الجر وهي تشبه الألعاب النارية ولكنها أكثر تطورا، والتي تعمل على إشعال النيران بشكل يثير البهجة والسعادة في نفوس الجميع. ومنذ عمله على الدرع الواقي من الحرارة لمركبتنا كان شعار عمله ضمنيا هو كيف يمكن أن نعود سالمين إلى الأرض. م.داش كان مسئولا عن كل الأشياء التي لها علاقة بعملية الإطلاق. أما "آنا" فكانت هي المسئولة عن الحسابات الرياضية ونسب الحمل والرفع والميكانيكية المدارية وخليط الوقود الذي سنحتاجه وكل الأشياء التي أدعي أنني أعرفها ولكنها تظل ضبابية في تفاصيلها بالنسبة إلىّ. 



كانت مساهمتي تنحصر في عملية القيادة للحجرة كروية الشكل والتي بها الكثير من أدوات الدعم والإشارات اللاسلكية وأجهزة التحكم. ماهذا الجحيم الذي ينتظر من يدخل إلى مجال الفضاء كمبادرة فردية. هذه المبادرات هي من أكبر ممولي ناسا بسبب ما يحتاجه المبادر من أدوات ومعدات بمئات الآلاف من الدولارات. ولقد حصلنا على كل ما نحتاجه لعمل مركبتنا قبل عطلة نهاية الأسبوع و واتفقنا على تسمية مركبتنا الفضائية "آلان بين" تكريما لرابع أمريكي يمشي على سطح القمر ضمن طاقم أبوللو12، والوحيد الذي قابلته في هيوستن بمطعم مكسيكي عام 1986. لقد كان يدفع للكاشير كأي شخص مجهول أصلع الرأس ولا شئ أكثر من ذلك. عندها صحت به: يا إلهي، انت آل بين! ولقد اعطاني حينها أوتوجراف ورسم لي رائد فضاء صغير فوق اسمه.



عندما نكون حول القمر، لن يكون لدينا مهمة تحكم، ولهذا مزقت كل وسائل الاتصال. ولقد أبدلت كل ترباس، مسمار، مفصل، موصل، بشرائط لاصقة!! كما أننا جلبنا ستارة حمام من أجل الخصوصية. لقد سمعت من مصدر خبير أن السفر تحت جاذبية مقدارها صفر سوف يجعل ملابسك ترتفع من فوق جسمك في الهواء مما قد يتسبب بالتأكيد في أن تتعرى. ولهذا ربما كان الاهتمام بفكرة الخصوصية أمر مهم للغاية. ولقد استبدلت الفتحات الخارجية بسبائك من الصلب ذات نافذة كبيرة. وفي فراغ الفضاء، سوف يجبر الضغط داخل "آلان بين" النافذة على أن تنغلق بإحكام. إنها قاعدة فيزيائية بسيطة. 



إعلان أننا سوف نسافر إلى القمر جعل كل من يستمع إلى هذا الخبر يظن أننا سنهبط عليه ونجمع بعض الأحجار ونعود إلى المنزل. لا شئ من هذا سوف يحدث. سوف ندور حول القمر وفقط، أما الهبوط فهو أمر مختلف تماما. 



ولقد احتجنا إلى يومين لتجميع سفينة "آلان بين" الفضائية، وقد نجحنا في أتمام هذا على ثلاث مراحل. في البداية عبئنا المياة في زجاجات ضغط عالي، ثم تم ضخها مع الأكسجين السائل من أجل اتمام مرحلتي تعزيز الاشتعال التلقائي بالإضافة إلى المواد الكيميائية التي سوف نحتاج إليها لإطلاق المركبة. ومن شأن هذا الصاروخ الصغير الذي يحتوي على كل هذه التركيبات أن يذهب بنا إلى مدار القمر في الموعد الذي حددناه. الكثيرين من أوكسنارد أتوا ليلقوا نظرة على "آلان بين". لا أحد منهم كان يعلم من هو آلان بين أو لماذا أطلقنا اسمه على مركبتنا الفضائية. ووجدنا الأطفال يتوسلون إلينا من أجل إلقاء نظرة على السفينة من الدخل ولكننا كنا مترددين بشأن ذلك الأمر. كانوا متعجبين لما نحن خائفين إلى هذه الدرجة، ولكننا آثرنا الاحتياط. ولقد طلبت من كل الحضور أن ينصتون جيدا، ثم شرحت مسارات الإطلاق التي سنتخذها عن طريق تطبيق "MoonFaze" المجاني، وكيف يمكن أن نتقاطع مع جاذبية القمر في لحظة بعينها لكي نتمكن من الدوران حوله. 



هانحن على وشك إطلاق وبعد أقل من اثنان وأربعين ثانية ستبدأ أول مرحلة من مراحل الإطلاق بحرق كافة ماسكي المزالج والتي أخبرنا تطبيق "Max_Qapp" بـ 0.99 دولار أنها تساوي 11.8 مرة من وزننا عند سطح البحر. في الحقيقة لم نكن في حاجة إلى الآيفون ليقول لنا هذا. لقد كنا نقاتل من أجل التنفس أثناء عملية الإطلاق وقد أخذت "آنا" تصرخ وقد شعرت وكأن هناك من يقبع فوق صدرها، ولكن في حقيقة الأمر هي من كانت تجلس فوقي وتصدمني. لقد تأكد "داش" من أن مفرقعات الديناميت مهيئة للإنفجار ومن ثم بدأت المرحلة الثانية كما كان مخططا لها. وبعد ذلك بدقيقة، الغبار، فك الزوائد عن جسد المركبة، وجدنا أقلام الحبر سابحة في الهواء، لقد نجحنا ووصلنا إلى مدارنا حول الأرض!!



لقد وجدنا أن حالة انعدام الوزن هذه ممتعة للغاية ومرحة لأقصى قدر ممكن أن تتخيله. ولكنها مربكة أيضا لمن يمر بها للمرة الأولى، فغالبا يقضي معظمنا الوقت في البداية ملتصقا بالسقف. وبعد أن استقرت الأمور شيئا فشيئا، جلس ستيف ونج إلى مقعد القيادة المشترك، في مكان ما فوق أفريقيا، فتحنا صمامات المحرك وبدأ عمل المركبات الكيميائية وبدأت المرحلة الثالثة من المراحل التي خططنا لها، وها نحن نفلت من مدارنا حول الأرض وبسرعة سبعة أميال في الثانية. وفي هذه اللحظات أخذت الأرض تبدو أصغر فأصغر من نافذة المركبة. 



الأمريكيين الذين ذهبوا إلى القمر من قبل كان لديهم حواسب بدائية للغاية. ولهذا لم يكن يستطيعون استقبال رسائل على بريدهم الإلكتروني أو يتمكنوا من استخدام جوجل لتحديد إتجاهاتهم. والآيباد الذي كان معنا به سعة تخزينية تساوي سبعة ملايين من التي كانت لدى رواد الفضاء في حقبة أبوللو. لقد استخدمه م.داش ليشاهد الجزء الرابع من "Breaking Bad". ولقد أخذنا المئات من صور السيلفي مع الأرض من نافذة المركبة. كما لعبنا البينج بونج وكانت "آنا" دائما ما تفوز في هذه اللعبة من بيننا جميعا. 



أما الحدث الأكثر الأهمية فقد كان في تخطينا لخط غير مرئي افتراضي يحدد مدى جاذبية الأرض عبر الفضاء. ولقد كانت الأرض حتى هذه اللحظة تجذبنا وتؤخر من مهمتنا وكأنها تريد منا العودة إليها من جديد حيث الماء والهواء ومجال الجاذبية. وما إن تخطينا هذا الخط، حتى شعرت أن جاذبية القمر تأخذنا إليها وكأنه يهمس إلينا: هرولوا إلي أسرع فأسرع. 



بعد اللحظة التي وصلنا فيها إلى مجال جاذبية القمر، واحتفالا بهذه المناسبة العظيمة، أهدتنا "آنا" رافعات عملت عليها على طريقة "الأوريجامي" وقد شكلّتها من رقائق الألومنيوم، فوضعنا هذه الرافعات على قمصاننا وكأنها أجنحة. ثم وضعت "آلان بين" على وضع تحكم الطاقة السلبي، ثم اطفئنا الاضاءات كما أننا أغلقنا النوافذ حتى لا يتسلل ضوء الشمس إلى الكابينة، ومن ثم نمنا بارتياح لأول مرة منذ أن انطلقت رحلتنا. 



عندما أخبر الناس أننا رأينا الجانب الآخر من القمر ربما يظنون أننا رأينا الجانب المظلم منه. ولكن في الحقيقة كلا الجانبين يحصلان على نفس القدر من ضوء الشمس، ولكن الأمر يحدث في دورات متتابعة، هذا هو كل شئ. وفي هذه الظلمة، حيث لا ضوء آتي من الشمس، كما أن القمر يمنع انعكاس الضوء الآتي من الأرض، كنا نرى المجرة باتساعها وألوانها الخفية "الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، الأزرق" كانت المجرة تمتد أمامنا إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه أعيننا. وقد كان هذا مشهدا ليس من السهل نسيانه على أيّ منا. 



بعد ذلك ظهر شئ من الضوء، حتى ظننت أن م.داش قد فعل شيئا ما، ولكن عندما نظرت إلى أسفل رأيت سطح القمر. واو!! رائع، لقد أخبرنا تطبيق "LinaTicket" بـ 0.99 دولار أن مسارنا يتحول من الجنوب إلى الشمال، ولكننا كنا نشعر وكأننا ضعنا في الفضاء. لقد كان سطح القمر فوضويا، به خليج رمادي مغطى بشئ لم نتبينه، هذا هو القمر إذن. لقد تحركت "آلان بين" بسرعة زيادة عن المعدل الطبيعي قدرها 95 ميل، وقد كانت هذه السرعة هي أكبر من سرعة إطلاق رصاصة. وكنا نشعر أن القمر يقترب منا بسرعة كبيرة للغاية وكأننا ننجرف اتجاهه. ثم وجدنا أنفسنا نهبط في منطقة مليئة بالعواصف كما كان الحال قبل ما يزيد عن أربعة عقود ونصف. ولقد قضينا مع "آلان بين" يومين لجمع الصخور والمشي والتقاط الصور، إنني حقا رجل محظوظ!



لقد كانت عقولنا مأخوذة للغاية بما نشاهده فتركنا هواتف الأيفون الخاصة بنا تسجل كل شئ. ولقد وضع ستيف ونج بعض الموسيقى في المشغل ليضفي شيئا من المرح على الرحلة، وبعدها أخذنا نتجادل حول الأغاني التي نود الاستماع إليها متذكرين كل الأغاني التي كانت تؤثر فينا ونحن على الأرض حتى وجدنا أعيننا تذرف الدموع دون أن نتمكن من منعها. جميعنا بكى وقد احتضنتني "آنا" بقوة، فدلل لي هذا العناق على أنني مازلت رفيقها الحميم. 



لقد كنا نرغب في العودة من جديد إلى الأرض واستعادة ذكريات هذه الرحلة ونشاهد صورنا من على هواتف الآيفون والآيباد، ولكن ظل سؤال يلحّ علينا جميعا، ماذا سنفعل بعد عودتنا إلى الأرض من جديد. هل فقط سنضع صورنا على انستجرام؟ هل سوف نذهب في رحلة أخرى على متن "آلان بين"؟ ثم بدأت رحلة عودتنا من على القمر. ها نحن نخترق الغلاف الجوي للأرض، وفجأة قالت آنا: آواه!! لقد كان الدرع الواقي الخاص بنا قد أكد فعاليته بحمايته لنا ضد الكثير من المذنبات الصغيرة للغاية، ولكن يبدو أن الأمر أخذ يسوء ونحن فوق الدائرة القطبية الشمالية، والجاذبية تأخذنا من جديد مرة أخرى إلى الأرض. وبسبب تصادم المركبة مع الغلاف الجوي، أخذت المركبة ترتج بشدة ففقد داش توازنه وجُرِح في رأسه جرحا ونزف دماءا كثيرة، وبمضي بعض الوقت وجدنا أنفسنا فوق أوهاوا والدماء على جبهة داش وهناك جرح صعب للغاية بين حاجبيه، فحاوت "آنا" تضميد الجرح بمنديل، ولكن بشكل عام، كان هذا أقل المساوئ المتوقعة من رحلة ذهاب إلى وعودة من القمر. 



وهانحن وجدنا أنفسنا في النهاية مستقرين في مركبتنا على سطح المحيط الهادي، بعد أن نفذنا هبوطا بالمظلة، ولقد اطلقنا الكثير من المشاعل لكي يمكن لأي شخص أن يستدل علينا، ثم نزعنا خزانات الوقود لنحرر الكابينة من ثقلها، وبعدها رفع ستيف ونج الغطاء الزجاجي للكابينة الرئيسية، وفجأة شعرنا بنسيم المحيط وكأنه قبلة الأرض وكأنها تعيد إحيائنا من جديد. 



بعد يوم في كبينتنا والتي كنا نستعملها مثل قارب، وصلنا إلى فندق هيلتون في كهالا، هذه الجزيرة التي كان ممتلئة بالسباحيين الغرباء الذين ما إن رأونا في الماء حتى انسحبوا ليسهلوا علينا عملية خروجنا من الماء. وقد قال المتحدثين بالإنجليزية أن رائحتنا بشعة، بينما أفسح الأجانب مساحة واسعة لنا من أجل أن نلتقط أنفاسنا. 



بعد الاستحمام وتغيير الملابس تناولت سلطة الفواكه التي كانت على طاولة البوفيه في الفندق، حينها سألتني سيدة إن كنت ضمن المجموعة الذي كانت على متن هذا الشئ الذي هبط من السماء، فقلت: نعم، لقد قطعنا المسافة إلى القمر وعدنا إلى الأرض سالمين مثل آلان بين. 



فقالت: مثل من ؟؟!!

الاثنين، 24 نوفمبر 2014

هاروكي موراكامي .. لا أعرف لم أنا مشهور!


هاروكي موراكامي .. لا أعرف لم أنا مشهور!






في سبتمبر الماضي، وبعد أن قابلت هاروكي موراكامي بلندن، أخذت جولة بداية من بيكاديلي إلى واتر ستون، حيث يمكنك أن ترى عاصفة الشهرة التي تلاحق أعمال موراكامي بمكتبات في هذه المناطق العريقة. بالطبع أنا أعرف أن موراكامي اسم كبير في اليابان. فلقد تهافت معجبيه وقراءه على اقتناء ما يزيد عن المليون نسخة من آخر أعماله "تاسكورو تزاكي عديم اللون وسنوات حجه"، وهي روايته الثالثة عشر في أول أسبوعين فور صدورها. ولكن حتى في لندن، فالأثر الذي يتركه يبدو أنه ليس ببعيد عن الحال في اليابان. فالمئات من القراء اصطفوا في طوابير من المساء منتظرين أن تفتح المكتبات أبوابها صباح اليوم الذي أعلن أنه ستتاح فيه الترجمة الإنجليزية لعمله الجديد بكافة مكتبات لندن. وباستثناء ج.ك.رولينج، قال أحد أصحاب المكتبات: أنه لم يكن هناك زحام بهذا القدر من قبل سوى عندما جاء كتاب "ديفيد بيكهام". ربما هذا يوضح لنا حجم الدهشة التي اعتلت أوجه الكثير من البريطانيين الذين راهنوا على فوز موراكامي بنوبل هذا العام ولكنهم في النهاية خسروا رهانهم.


إنه لمن الصعب حصر شعبية هذا الأديب الذي أصبح بمثابة نجم، في الوقت الذي يتحلى فيه بالكثير من التواضع وعدم الادعاء وهو في الخامسة والستين من العمر، عندما قابلته في غرفة اجتماعات مجلس إدارة دار النشر الوكيلة عنه. في رأيي، يبدو موراكامي أصغر بعقد من سنه الحقيقي. هذا الأمر نتيجة النظام اليومي الصارم الذي يضعه لنفسه حيث يبدأ اليوم بفترتين للجري والسباحة. يقول "لأكثر من ثلاثين عام أجري كل يوم نفس المسافة تقريبا التي كنت أجريها وأنا أصغر، ولكن الأحوال اليوم تبدو أنها آخذة في السوء". هو شخص اجتماعي ومهذب كما أنه يميل للصمت، يبدو هذا عليه بشكل واضح. والأمر هنا مختلف عن المقاطع المثير للعاطفة التي تتضح بسهولة في أعماله الروائية. يقول "كل شئ عبارة عن سيرة، ولكن في الوقت نفسه فأنا أغير كل التفاصيل عندما أكتب عمل روائي. من ناحية أخرى، فأنا أتطلع دائما لمعرفة ما سيحدث في الكتاب القادم، هذا الامر يساعدني على إيجاد إجابة على السؤال الذي يؤرقني حول سبب وجودي هنا في هذه الحياة". الشئ المقلق بشكل أكبر ربما يكون الحديث معه حول أن انطباعات القراء عن أعماله تنحصر في تصنيف أعماله على أنها ماورائية، غرائبية. يقول وهو يهز كتفيه مستهجنا "الأمر ليس كذلك، إنها عفوية للغاية، أنا أكتب ما أود أن أكتب. وسوف أكتشف ما أود أن أكتب أثناء عملية الكتابة".


آخر أعمال موراكامي التي ترجمت إلى الإنجليزية هي "المكتبة الغريبة". وهو كتاب ساخر ظهر لأول مرة كقصة قصيرة في مجلة يابانية منذ ثلاثين عاما، وقد تمت مراجعته عام 2008، والآن يتم العمل على طباعة ترجمته إلى الإنجليزية ليكون متاحا في الأسواق، ليظل اسم موراكامي موجودا على أرفف المكتبات. وقد أضيف إلى الكتاب رسومات مستوحاة من كتب قديمة بمكتبات لندن العريقة. ومثل الكثير من أعمال موراكامي، "المكتبة الغريبة" غرائبية ولاذعة السخرية وبها شئ من روح شريرة. كما أن مسارات الأحداث فيها غير واضحة، ومن الممكن القول أنها قصة سريالية موجهة إلى الشباب ولكن عبر أحداث بها الكثير من الوحشية والفقد. حدث هذا عندما كان يزور طفل مكتبة ما ليبحث عن كتاب عن الضرائب في العهد العثماني. هذا الطفل الذي لم يذكر اسمه طوال القصة يتم اختطافه وحبسه في مخازن المكتبة من قبل رجل عجوز غاشم وكلب مريع. ليظهر بعد فترة من الوقت، شخصية غريبة وغامضة تدعى "راعي الغنم" وهو شخصية تكررت أكثر من مرة في أعمال أخرى لموراكامي. يأتي هذا الرجل لزيارة الطفل وعمل كعك الدونتس من أجله، كما تظهر فتاة بكماء يتم التواصل معها بإشارات اليد. وفجأة ينتهي كل شئ وسط أجواء من العزلة والحزن.


وبشكل بسيط كما هي طبيعتها، تتشارك "المكتبة الغريبة" مع باقي أعمال موراكامي مجموعة من ملامح والخواص المميزة. ليس فقط "راعي الغنم" الذي يظهر في القصة. ولكن أيضا فكرة بطل الروية الذي يجد نفسه فجأة في عالم كافكائي(درامي)، كما تجد أيضا المرأة ذات الروح الغامضة التي تسعى للإيقاع بالبطل. بالإضافة إلى ولع موراكامي الدائم بعوالم ما تحت الأرض. الأمر الذي يُظهر ثيمة استكشافية محببة لمعجبين وقراء موراكامي، حيث تتجلى اللمحات الماورائية المخترقة لحجاب الزمن لتُحدث أثرا في الهواجس المتكررة لشخصيات رواياته المختلفة. وبالطبع يخرج القارئ من العمل بقوائم من موسيقى الجاز، وأنواع متعددة من الاسباجيتي.


ولكن موراكامي باعترافه يقول "أنا لست الرجل الأمثل الذي يأتي من أجل تنوير أوروبا وأمريكا، الناس يقولون عن كتاباتي أنها نوع من كتابات ما بعد الحداثة، أو أنها تنتمي للواقعية السحرية. ولكنني لست مهتما بمثل هذه الأشياء أو التعريفات. فأنا لا أعد نفسه قارئ عتيد لتوماس بينشون أو أي من كتاب ما بعد الحداثة المعروفين".


أسئله: أي أنك لا تتفق مع من يقول أنك تنتمي لعالم الواقعية السحرية؟ فيقول "ربما، أنا أحب ماركيز، ولكنني لا أظن أن أسلوبه في الكتابة هو ما يدعى "واقعية سحرية". أتعلم، إنه مجرد أسلوب في الكتابة. بالنسبة لي، أتوقع أن ماركيز كان يكتب عن واقعيته هو، وأعتقد أنني أقوم بالشئ نفسه. فأنا أكتب عن واقعيتي، عالمي الحقيقي. لو حدث شئ ما غير متوقع، يبرهن ذلك على أنني أقوم بعمل جيد، شئ يستحق أن نعتبره عمل حقيقي. لذلك، لو أن "راعي الغنم" ظهر في عمل لي، يكون هذا الأمر قد حدث بحق معي. أتعلم، لا رمزية هنا، لا مجازات، فقط أنا وهو".


ولكن الشخصيات الرمزية التي تأتي من عالم الموت حقا رائعة. منذ وقت قريب، وقبل أن نتقابل، أخبر موراكامي مستمعيه في احتفال بأحد كتبه أن حلم حياته أن يجلس في قاع بئر. يقول وهو يهز رأسه موافقا"نعم، لقد أخبرتهم بذلك، دائما ما اعتدت على أن أشعر أنني أذهب إلى أماكن مظلمة عندما أشرع في الكتابة. فقط في الظلام استطيع أن أرى حكايتي. لا أظن أن لدي موهبة خاصة أو استثنائية. لا أفكر في الأمر على هذا النحو. ولكنني أذهب أسفل في الظلام واتسائل: أممم.. وماذا بعد !! .. أه .. وهكذا .. "


يسكت قليلا ثم يقول وعلى وجهه إشراقة "الأمر يشبه الولوج إلى بدروم منزل ما، ولكن في حالتي أدخل إلى بدروم داخل بدروم. الكثير من الناس تستطيع أن تمكث في بدروم منزل، ولكن في حالتي فأنا أذهب إلى بدروم بداخل هذا البدروم". ينظر إليّ وعلى وجهه شئ من الحزن ويكمل "إنه مكان مظلم للغاية، لذا عندما كتبتThe Wind Up Bird Chronicle -وهو كتاب رائع لموراكامي- كتبت عن البطل الذي يجلس في قاع بئر عميق، حيث العتمة والعزلة والصمت التام. هذ ما أفعله وأشعر به وأنا أكتب رواياتي".


تحليل وتفكيك المل في رأيه مهمة الكتاب كما هي مهمة القارئ، يقول "شعفي الأساسي هو كتابة الروايات والقصص. أفعل ذلك لكي أعرف من أنا، إنني في الخامسة والستين من العمر، ولكني ما أزال لدي فضول لمعرفة من أكون وماذا يمكن أن أجد في نفسي، وإلى أي شئ سوف أصير؟ أتعلم، أنا شخص مشهور نوعا ما، لقد بدأت مشواري مع الكتابة منذ أكثر من 35 عاما. بشكل ما أنا ناجح ولدي قراء على مستوى العالم، ولكنني لا أفهم لماذا يحدث هذ لي. إن الأمر يشبه المعجزة في وجهة نظري. فأنا لست شخص عظيم، أو ذكي أو موهوب، ولكنني أكتب، فقط أود أن أعرف لماذا يحدث هذا لي وليس لآخرين، فقط يحدث لي!"


أما قراء موراكامي ومعجبيه، فلديهم رغبة حقيقية في مساعدته على معرفة ذلك. عندما كتب رواية "كافكا على الشاطئ". تصفح موراكامي موقعه ليرى كيف وجد القراء الرواية وما هي أسئلتهم حولها، يقول "أشعر أن الأمر يكون أفضل عندما يكون ديموقراطي. لدي رغبة حقيقية في التحدث إلى قراءي، ولكنني أصبحت أشعر بالإنهاك أسرع مما مضى، فأقول: هذا يكفي. أظن أن الفهم الحقيقي هو تراكم من سوء الفهم متتالي. هذا هو ما اكتشفته. كل قارئ يرسل لي أراءه، والكثير منها ليست أراء صحيحة في وجهة نظري، هم بشكل أو آخر لم يصل إليهم ما أردت إيصاله. ولكن عندما أقرأ رسائل آلاف القراء أقول لنفسي: نعم، إنهم يفهمونني. لهذا أنا أثق في رأي مجموع القراء، ولا أثق في رأي كل قارئ على حدة".


يقول " الرواية تبدأ معي من فقرة، جملة، منظر طبيعي أو لقطات من فيديو. أجد نفسي أرى المشهد الذي علق في ذهني مئات المرات بل أحيانا آلاف المرات كل يوم. وفجأة أقول لنفسي حسنا، سأكتبها". يجد أن الكتب مثل سيمفونيات بيتهوفن التي تتكون من نغمات ذكورية عريضة وأخرى أنثوية حادة. ويجد أن القصص القصيرة تقع في منطقة ما في المنتصف بين هذين النوعين. يقول "استطيع استخدام أصوات متعددة، أشخاص، أساليب حياة، وأنا أستمتع بذلك. وفي الوقت نفسه هو نوع من التدرب بالنسبة لي".


حسنا ماذا أيضا، يقول "لا أفكر في نفسي على أنني مبدع، ولكنني أعشق الروتين المحدد وألتزم به. مهما كنت محبطا، وحيدا، أو حزينا، روتين العمل المحدد يساعدني على التخلص من كل ذلك، إنني أحب ذلك حقا. في الحقيقة، أفكر في نفسي على أنني مهندس أو بستاني، أو شئ من هذا القبيل، لا أفكر في نفسي أبدا كمبدع، يبدو هذا ثقيلا للغاية بالنسبة لي، لست هذا النوع من الناس، أنا فقط ألتزم بروتين العمل الذي وضعته لنفسي. إنني أركض كل يوم منذ أكثر من ثلاثين عاما، إن هذا الأمر أعطاني شئ ما خاص للغاية. لو فعلت الشئ نفسه لمدة ثلاثين عاما فبالتأكيد ستصل لشئ".


يقول "سأشرع في العمل على كتابي الجديد، بنهاية هذا العام، ولكني لا أعلم عن أي شئ سوف يكون، هناك بعض الأفكار في ذهني، هناك أيضا الكثير من الفقرات في درج مكتبي، ربما يكون الكتاب القادم كبير نوعا ما".
ثم أضاف بشئ من الحسم "ربما يكون كتاب مغامرات!"


رواية "تاسكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه" متاحة الآن بالمكتبات، و"المكتبة الغريبة" ستكون متاحة بداية من 2 ديسمبر 2014.


---------------------------
مقال لـ تيم مارتن بصحيفة التليجراف
ترجمة: محمود حسني نشرت الترجمة بعدد جريدة القاهرة بتاريخ 18 نوفمبر2014

الأحد، 23 نوفمبر 2014

جوانتنامو .. هل حققت حلم يوسف زيدان / مقال نقدي


جوانتنامو .. هل حققت حلم يوسف زيدان؟؟


"جاءتني فكرة جوانتنامو من إعجابي بـ "العجوز والبحر" لهيمنجواي وأنا في المرحلة الإعدادية. وحلمت بأن أكتب عملا كهذا يوما ما، حتى كتبت جوانتنامو." هذا ما قاله زيدان عن آخر أعماله. فهل حقق يوسف زيدان حلمه القديم بعد أكثر من أربعين سنة؟ 

"ما الأسر إلا استيلاء على جسم سجين ولكن لا سبيل لحبس الأرواح" 
بهذه الكلمات استشرف يوسف زيدان على لسان الشاب النوبي بطل روايته "جونتنامو" الحكي عن حياته في المعتقل على مدار سبع سنوات رأى فيها الكثير. اعتمد يوسف زيدان الحكي الجواني للبطل في جوانتنامو كأساس للعمل. وهو، كما يرى، شيئا يحدث للإنسان عندما يتعرض لظروف عيش قاسية، فيكون هذا الحديث الداخلي في نفس البطل والاستناد إلى آيات القرآن وتأملها كمساعد ومعين على البقاء –روح حي بن يقظان تظهر هنا- ولكن هل آليات البقاء هذه من الممكن أن تجعل من إنسان بسيط الفكر يتأمل ويتفكر على طريقة كبار الصوفية وبعمق رؤاهم؟ هذا ما يمكن أن يكون أحد محاور النقاش. 

كما يمكن أن يكون أصالة التعبير عن حالة المسجون محورا آخر. فهنا الكاتب يقول أنه بنى ما يشبه المجسم لمحبس البطل واعتزل فيه ولم يرد على الهاتف أو يقابل أي شخص وعاش على كسرة خبز والقليل من الطعام حتى يصل لإحساس البطل. 

فهل من الممكن لمن قرأ تلك العتمة الباهرة للطاهر بن جالون أن يتخيل أنه من الممكن على الكاتب أن تتجلى في روحه حالة المسجون ليخط قلمه سردا يبكي الأعين وهو لم تطأ قدمه سجنا؟ إنني اليوم أريد طرح أسئلة ولن أسعى وراء إجابات، اليوم أريد أن نتفكر ولا أن نتسرع في إيجاد إجابة دون تأمل.

من الممكن أن يكون يوسف زيدان باحث رائع في التراث من القبطية إلى الصوفية. وليس لأحد أن ينكر مساهماته في تحقيق العديد من المخطوطات أو الأعمال الفكرية مثل اللاهوت العربي وأصول العنف الديني. ولكن كونه روائي، يهتم بالحكي والوصف والسرد ويجعل القارئ يشغف بما هو آت في حكايته، كونه يجعل أنفاسنا تتوقف أو تتسارع، فهذه الأمور يمكن الأخذ والرد فيها. ولن أتحدث هنا عن عزازيل لأنها استثناء.

ولكنني أريد الحديث عن جوانتنامو، فبلغة يعرف قارئيه كم هي جميلة وعذبة يحكي يوسف زيدان. ولكن اللغة في النهاية هي اللبنات التي نصنع منها البناء. فمن الممكن أن تكون الغزارة اللغوية للكاتب مدهشة ولكنه لم يتمكن من تشكيل بناء روائي متماسك متناسق من خلالها. 

من الممكن أن نجد الحديث الجواني لبطل العمل يسبب الملل للقارئ لتكرار بنيوية الحكي بنفس الهيئة في أكثر من موضع. فنجد البطل ينام ويصحو ليناقش ذاته ويحاورها بنفس ذات الأفكار وتجلياتها وكما لاحظنا من قبل ليس من المفهوم أن يصبح فكر شاب سوداني بسيط في خلال سنوات قليلة قادر على تأمل تجليات وأفكار تعتمل بداخل نفسه على طريقة عبدالكريم الجيلي وابن عطاء السكندري. 

أما الغريب حقا هو ظهور شخصية المرأة في هذه الرواية على هيئتين متضادتين، وكأنه يتبع المقولة الصوفية الشهيرة: الأمور لا تعرف إلا بتضادها. ربما هذا يؤكد على أن الحكيّ الجواني لم يستطع أن يملأ قلب الرواية فاحتاج يوسف زيدان إلى علاقات خارجية مع امرأتين وإسقاطات على سياسات أمريكا حتى يحدث تنوعا وثراءً للعمل. 

ولهذا تساءلت في البداية: هل حققت جوانتنامو حلم يوسف زيدان بأن يكتب شيئا مثل العجوز والبحر التي اعتمدت بشكل شبه كلي على الحكي عن شخص واحد بلسان ذلك الشخص وهو يصف صراعه طوال رحلة سيده وبتكثيف مدهش؟ إجابة هذا السؤال لا أظنها بنفس بساطة طرحه.

هذا الإرباك الذي أحدثه العمل يدفعني لاستحضار مقولة العقاد: حتى الكتاب السىء استفيد منه، فبقراءته اعلم كيف يمكن أن تكتب كتب سيئة. فثيمة الحكاية هنا مستهلكة لأن ما تسرب عن التعذيب في سجن جوانتنامو وغيره من السجون التي يديرها الجيش الأمريكي جعل يوسف زيدان في موضع يحتم عليه أن يأتي بجديد وهو يتحدث عن سنوات الحبس لبطل العمل في جوانتنامو. فهل استطاع يوسف زيدان أن يفعل ذلك؟ لا أظن.

الاثنين، 18 أغسطس 2014

تاريخية الإبداع..عند موزارت وهيكل وتشيكوف

تاريخية الإبداع..عند موزارت وهيكل وتشيكوف
عندما تقرأ لتشيكوف والذي يعد علامة مفصلية في تاريخ القصة القصيرة، ستفهم لماذا ليس هناك اختلاف بين الأكاديميين على أهمية دوره في تطوير القصة القصيرة كشكل من أشكال الحكيّ الأدبي. فالرجل تناول شخوص وأحداث قد تبدو في الوهلة الأولى عادية وليس فيها ما يميزها، ليرتقي بها، بأسلوب أدبي هادئ، إلى مستوى أعلى من الناحية الأدبية.
والحال نفسه مع الكاتب والمفكر والأديب محمد حسين هيكل، والذي يعد أول عربي يكتب الرواية (زينب – 1914). والتي يعتبرها النقاد والمفكرين نقطة انطلاق الأدباء العرب في فن الرواية. على ناحية أخرى، تجد أن موزارت يعود له الكثير من الفضل في وضع أسس وخطوط عامة تتبعها من بعده موسيقيين جيله والأجيال التي تليه مثل بيتهوفن وغيره. ولا يختلف أحد على أن أهمية موزارت في الموسيقى لا تقل عن أهمية تشيكوف في القصة القصيرة أو أهمية هيكل في الرواية العربية.
ولكن حقيقةً الكثير من شباب القراء والكتاب والموسيقيين لا يميلوا لقراءة تشيكوف أو هيكل أو الاستماع لموزارت، حيث يجدوا أن أعمال هؤلاء العظماء يشوبها شيئا ليس هينا من الملل. وأصبح الكثير منا يتسائل عن سبب أهمية هؤلاء وكل التبجيل الواقع عليهم من الأكاديميين والنقاد.
وهنا يجب أن ننظر إلى مفهوم أهمية المبدع من زاوية مختلفة، حيث لا يقتصر الإعجاب والإشادة به من ناحية ما تحتويه أعماله وفقط، بل ومن ناحية الظرف الزمني والمكاني الذي استطاع فيه عقله أن يفرز هذه الأعمال. أي أن أهمية المبدع ليست أهمية فنية معاصرة لزمنه وفقط بل أحيانا يكون لأهميته بعدا تاريخيا لما مثله من دور في إحداث نقلة نوعية أو طفرة استثنائية في تاريخ التطور الإبداعي للعقل البشري.
ومن السهل ملاحظة أن تشيكوف وهيكل وموزارت كان لديهم غزارة في الإنتاج الإبداعي، وبالأخص عند تشيكوف وموزارت بالمقارنة مع عمرهم (موزارت 35 عاما - تشيكوف 44 عاما).  وهنا قدر قد يتبادر إلى الذهن سؤال عن غزارة الإنتاج وهل له ارتباط حتمي مع الابداع. وقد يجد البعض هذا السؤال أكثر تعقيدا من الإجابة عليه.
ولكنني أجد أنه من السهل أن نرد على هذا الاستفهام بالنفي عندما يلوح في ذهننا أعمال لأدباء وموسيقيين شحيحي الإنتاج كبيري الإبداع مثل إيرنان ريبيرا ليتيلير، وأمبرتو إيكو، وأنطونيو سكارميتا وراجح داوود. فهؤلاء المبدعين سواء كانوا أدباء أو موسيقيين، ليس لهم أعمال كثيرة كالتي قد تجدها عند الحاصلين على نوبل في الأدب، أو الموسيقيين الذين تعزف مقطوعاتهم في أكبر المسارح ودور الأوبرا في العالم. ولكن غالبية من قرأ لهم أو استمع إلى موسيقاهم لا يشك في حالتهم الإبداعية الإستثنائية.
إن المبدع صاحب الإنتاج القليل لم يفكر في شئ سوى أن يفعل مع يجد نفسه مدفوعا لفعله. ولطالما كان السؤال عن الشهرة وما يصاحبها من صخب يتردد في أعماق نفسه قائلا: هل هذا هو ما أريده حقا؟ هل هذا هو ما يجب أن أفكر فيه عند الكتابة أو تأليف الموسيقى أو الرسم أو النحت. أدعي هنا أن الإجابة كانت تخرج دائما بالنفي. فجلّ ما يفكر فيه المبدع هو الأُثر الذي سيتركه ولو في فرد واحد.
إن تشعب دروب الأإبداع لا بد أن يقودنا ليقين بفكرة أنه ليس هناك معيار بدرجات محددة علميا يمكن به قياس مدى تفرد الإنتاج الإبداعي لشخص بعينه عن باقي ما يُنتج في نفس مجاله. ليس هناك علامة على أنك تسير في طريق الإبداع وعلامة أخرى تدل على إنك انحرفت عنه.
فالمبدع يمر بمراحل صعود وهبوط فكرية، ليس تقدما حتميا للأمام كالتاريخ أو الاقتصاد في بعض مدارسه، وليس ميثولوجيا بها حقائق مطلقة. ولكنه شبكة معقدة للغاية من الطرق الملتوية والطويلة والمرهقة والتي أشبه بمتاهة، حيث من الصعب تحديد عدد طرقها أو نتاج اختيار السير في أحدهم. فقط المثابرة هي ما تجعل من المسافر في هذا الدرب من التعقيدات قادراً على اكتشاف قدره بنفسه، وهي ما تجعله قادرا على أن يقترب أكثر من النفس البشرية، ليتلمس آلامها، ولتنطبع في ذهنه، مفتتا ومعيدا تشكيل وعيه من جديد مئات المرات كي يمكن لإنائه أن ينضح بما هو إستثنائي وفريد كما يفعل المبدعين.

مقتبس باذن من الكاتب . محمود حسني كل الحقوق محفوظة .2014

السبت، 2 أغسطس 2014

الزمن والرواية .. عند ساراماجو وميسو وفوكنر

الزمن والرواية .. عند ساراماجو وميسو وفوكنر 

 محمود حسني

 



 

يعد القالب الزمني الذي تدور فيه أحداث العمل الروائي من أهم عناصر البناء الأدبي. فيمكن تخيل السير الزمني للأحداث على هيئة خط مستقيم، أو دائري أو أشكال أخرى. ولكن ليس في مقدورك التخلي عن الزمن في السرد لأن ساعتها لن نستطيع أن نطلق على العمل الأدبي مصطلح "رواية".

فالزمن جزء من الطبيعة الأبدية للرواية، فطالما وُجِد أشخاص بينهم علاقات وأحداث تدور بينهم ومواقف تحتويهم فإن هذا يعني أن هناك زمناً ما تتحرك على قضبانه مسارات الأحداث. إن كيفية استخدام الزمن بأفضل شكل ممكن لخدمة العمل الروائي يظل حتى الآن إشكالية تواجه السواد الأعظم من الأدباء. ودائما ما كان الابتكار في استخدام الزمن له أثر كبير في بنية الرواية. فالأهم دائما بالنسبة للكاتب عندما يفكر في استخدام قالب زمني بعينه هو كيف يمكن أن يخدم هذا الأسلوب طبيعة الرواية التي يكتبها.

فنجد أن الروائي البرتغالي جوزيه ساراماجو في رواية له بعنوان "العمى" يتّبِع خطا زمنيا شبه مستقيم، شبه يومي تقريبا، تنتقل فيه الأحداث من اليوم إلى الغد ومن الغد إلى بعد الغد وهكذا دون أن يعود إلى ذكريات في الماضي إلا نادرا، وإن عاد فتكون على هيئة لفتة سريعة وليس حدثا يحكيه باستفاضة قد يُوقِف من أجله مسارات الأحداث الآنية، فلا أهمية لما كان قبل أن تبدأ حيوات الشخصيات ببداية الرواية، حيث ما يجب أن يظل عالقا في ذهن القارئ بعد انتهاء الرواية هو ما تركته الاحداث اليومية وأثرها في شخوص العمل الروائي.

قد يكون هذا الأسلوب الأكثر كلاسيكية بين الأساليب الزمنية في الرواية. ولكن عملاً مثل العمى كان بحاجة لهذا القالب الزمني التقليدي كي يتمكن من احتواء موضوع شديد التعقيد، متعدد المستويات النفسية بالإضافة لأسلوب سرد ومحادثات تنتقل بين الشخصيات والمواقف بشكل قد يمثل إرباكا للقارئ مع الشعور بغموض بعض التفاصيل وضبابيتها. كان ساراماجو بحاجة لقالب زمني كلاسيكي كي تتمكن عناصر عمله المجنونة والمثيرة من الإنصهار والتشكل على هيئة بناء روائي ملئ بالإبداع والعبقرية.

أما الروائي الفرنسي غيوم ميسو نجده في رواية له بعنوان "وبعد" قد استخدم الزمن على هيئة حلقات دائرية متشابكة تتقاطع فيها ذكريات الشخصيات مع حاضرهم. فنجده يحكي موقف يحدث لإحدى شخوص العمل ثم يتوقف عن الحكي ويترك الشخصية تجتر جزء من ذكرياتها وماضيها الذي يقف أمام عينيها وهي في قلب الحدث. هذه الطريقة في الحكي تسهم بشكل كبير في جعل القارئ يفهم ماضي الشخصية.

ومن ثم يمكنه تفهم دوافع تصرفها وقراراتها على نحو معين في حاضرها، كما أن هذه الطريقة تسهم في تجنب الكثير من الإسهاب والإطالة في الحديث عن تفاصيل الماضي غير الهامة، حيث استخدام الزمن على هيئة هذه الحلقات تجعل الذكريات ذات فائدة واضحة وغرض مفهوم وليست مجرد استرسال لا داعي له. كما أن هذا القالب الزمني يناسب رواية مثل "وبعد" حيث تتشابك علاقات الشخصيات وتتعقد تفاعلاتها مع بعضها البعض ويكون للماضي أثر كبير على أحداث الحاضر ومسارات أحداثه.

ظلت الأساليب التي ذكرتها لاستخدام الزمن في الرواية سائدة لوقت طويل حتى أتى الروائي الأمريكي ويليام فوكنر في روايته "الصخب والعنف" ليرفض ما اعتاده الآخرون، ويضفي طابعه الخاص على البناء الزمني للرواية. قد يجد القارئ أن هناك شيئاً من الرتابة أو الاعتيادية في مواضيع روايات فوكنر خاصة في الصخب والعنف، فالحكاية في حد ذاتها ليست مختلفة أو فيها ما هو جديد كما في العمى مثلا. كما أنه من السهل أن تلاحظ محدودية البيئة المكانية. ولكن يبقى الزمن العنصر الأكثر إثارة في روايته، حيث فيه يكمن الأختلاف والإبداع الخاص بفوكنر.

يكتب ويليام فوكنر الصخب والعنف بدون بناء زمني متتابع سواء على هيئة حلقات أو خطوط مستقيمة. بل الزمن في روايته ومضات كضوء النجوم المتناثرة في السماء الشاسعة. تبدو ومضات فوكنر الزمنية للوهلة الأولى متشتتة ومتقاطعة بشكل عشوائي لا علاقة لها ببعضها البعض، حيث يستمر في هذه الطريقة المرهقة للقارئ والانتحارية بالنسبة للكاتب من بداية العمل حتى نهايته. فليس هناك تتابع سردي بالمعنى المعتاد، والحكي يتمركز حول تقاطعات زمنية لمواقف مختلفة تحدث في بيئات زمنية/ مكانية متعددة.

ينتقل فوكنر بين حكاياته دون أن يوضح أو يقول أي شئ للقارئ، حيث يكتفي بانتهاء جملة في حدث ما حتى ينتقل لجملة أخرى في حدث آخر دون الإنتظار لانتهاء الحدث المنتقل منه. وقد تكون هذه الطريقة في السرد صعبة على القارئ ومربكة خاصة إن كانت الحكاية كما قلنا تقليدية ليس فيها ما هو جديد، ولكنها من الناحية الإبداعية تعد طفرة، حيث أعطى فوكنر الروائيين من بعده بدائل مختلفة لكي يستخدموا قوالب زمنية متعددة في أعمالهم الروائية.
 
مقتبس عن المدونة الرسمية لمحمود حسني كل الحقوق محفوظة 2014.