‏إظهار الرسائل ذات التسميات عن الكتابة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عن الكتابة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 5 ديسمبر 2014

هذه هي عادات الكُتّاب الغريبة بحثًا عن التركيز


هذه هي عادات الكُتّاب الغريبة بحثًا عن التركيز


الكتابة ليست عملية سهلة. تتطلب، بالإضافة للكفاءة والموهبة، قدرًا كبيرًا من التركيز. لذلك، بحث أغلب الكتاب عن طقوس خاصة أو ببساطة آمنوا بخرافات أو عادات سيئة لتساعدهم على تطوير إبداعهم، بحسب موقع إسكريتورس الثقافي.

عادات الكتاب خاصة بكل فرد على حدة، فـ همينغواي كان يكتب واقفًا، وإيزابيل الليندي تبدأ رواياتها في الثامن من يناير من كل عام، أما هاروكي موراكامي فمن الذين يفضلون الكتابة عند الفجر، إذ يستيقظ في الرابعة صباحًا ويعمل مدة 6 ساعات. وعند الظهيرة يجري 10 كيلومترًا، ثم يقرأ ويسمع الموسيقى وينام في التاسعة مساءً.

في المقابل، كان بلزاك ينام عند السادسة مساءً، وكانت خادمته توقظه عند منتصف الليل. حينها، كان يرتدي ملابس الراهب(جلباب أبيض من الكاشمير) ويشرع في الكتابة بلا توقف من الثانية عشرة صباحًا ولمدة 18 ساعة متواصلة. وخلال كل هذه الفترة، لا يتوقف عن تناول القهوة فنجانًا وراء الآخر. وبهذا الإيقاع اليومي، تمكن من كتابة 100 رواية وسرديات قصيرة.

جوزيه ساراماجو كانت انضباطاته أقل، إذ كان يكتب صفحتين يوميًا، دون إضافة سطر زائد. في الصباح كان يقرأ الجرائد والإميلات، ويبدأ في الكتابة بعد الغداء.

لكن ثمة روتينات تبدو صنمية، مثل جون شتاينبيك الذي كان يعمل بالقلم الرصاص، لكن كان يشترط أن تكون أقلامًا مستديرة حتى لا تعلق بأصابع الفنانين. أما بابلو نيرودا فكان يكتب بالحبر الأخضر، وأنطونيو تابوكي كان يستخدم فقط الكراسات المدرسية، فيما يكتب أميتاف جوش بقلم جاف أسود ماركة بليكان، وعلى ورق يصنعه رجل فرنسي.

الغريب بشكل ملفت كان شيلر، حيث لم يكن يستطيع الكتابة إلا بوضع ساقيه في حوض ماء مثلج.

خوان مياس يستيقظ في الخامسة صباحًا ويبدأ يومه بقراءة الشعر لمدة ساعة ثم يمشي لمدة ساعة أخرى، وعند عودته يتناول إفطاره ويقرأ الجرائد ويكتب مقالاته الصحفية، وبعد الغداء يبدأ في كتابة الأدب.

بعض الكُتّاب يمثل لهم المكان قدس الأقداس، جان جاك روسو كان يفضل العمل في الحقل، ويا حبذا لو كانت الشمس ساطعة. أما مونتين، على العكس، فكان يكتب في مكان مغلق في برج مهجور.

ويقولون إن ماركيز كان يحتاج إلى البقاء في غرفة بدرجة حرارة محددة، مع وجود منضدة عليها زهرة صفراء، ودائمًا كان حافيًا.

المصدر : جريدة البشائر .

الجمعة، 26 سبتمبر 2014

حرية الكتابة / أورهان باموق







أورهان باموك
حرية الكتابة
ترجمة : وائل عشري
في شهر مارس 1985، قام آرثر ميلر(1) وهارولد بنتر(2)، الكاتبان الأكثر شهرة وأهمية آنذاك في المسرح العالمي، بزيارة إلي مدينة استنبول. لكن المؤسف أن الهدف من تلك الزيارة لم يكن لحضور عرض مسرحي أو ندوة أدبية، بل كان تلك القيود الثقيلة التي فرضت علي حرية التعبير في تركيا، والزج بمئات الآلاف من الأتراك في السجون، في أعقاب الانقلاب الذي شهدته تركيا في خمسينيات القرن الماضي. وكما هي العادة دائمًا تصدر العديد من الكتاب التعساء قائمة الأكثر عرضة للاضطهاد شديد الوطأة.
وفي كل مرة كنت أعود فيها إلي أرشيف الصحف و«روزنامات» ذلك الوقت، كي أذكر نفسي بما كانت عليه الحال في تلك الأيام، كانت ترتسم أمامي صورة تقدم تجسيدًا دقيقًا لتلك الحقبة ومعظم من عاصروها: الجندرما «عساكر» تحيط برجال رءوسهم محلوقة ويجلسون بوجوه عابسة تزداد عبوسًا كلما طال نظر القضية داخل غرفة المحكمة. وبين الرجال كان هناك العديد من الكتاب. وقد جاء ميلر وبنتر إلي استنبول لمساندتهم والالتقاء بهم وبعائلاتهم ولفت أنظار العالم إلي الوقت العصيب الذي يعيشونه. وكانت «الجمعية الدولية للشعراء وكتاب المسرح والمحررين وكتاب المقالة والروائيين» PEN(3) هي التي نظمت تلك الزيارة باتفاق مع Helsinki Watch Committe «لجنة هلسنكي المعنية بحقوق الإنسان. ويوم وصول ميلر وبنتر توجهت، وأحد الأصدقاء إلي المطار لاستقبالهما، وكنا قد كلفنا بمرافقتهما.
كنت قد تقدمت إلي هذه الوظيفة ليس بشغف السياسة بل لأنني روائي يجيد الإنجليزية بطلاقة. وقد سعدت بالوظيفة ليس لأنها وسيلة لمساعدة أصدقاء كتاب في محنة، بل لكي أكون، ولو لبضعة أيام، في صحبة اثنين من كبار كتاب العالم.
وبصحبة ميلر وبنتر زرنا دور نشر صغيرة تجاهد من أجل الاستمرار، صالات تحرير وبث أخبار تعيش الأزمة، ومقار مجلات صغيرة مظلمة علي حافة الإغلاق. تنقلنا من منزل إلي منزل، ومن مطعم إلي مطعم، للقاء كتاب في ورطة هم وعائلاتهم.
كنت، وإلي تلك الفترة، أقف علي هامش السياسة ولا أخطو إلي داخلها إلا مجبرًا. لكنني، وبينما كنت أستمع إلي حكايات خانقة عن الكبت، القسوة، والشر المطلق، شعرت بانجذاب مشوب بالذنب إلي هذا العالم، وأنني مشدود إليه، أيضًا بمشاعر التضامن وإن كنت قد شعرت، في الوقت نفسه، برغبة مساوية ومناقضة، تدفعني إلي أن أنأي بنفسي بعيدًا عن هذا كله وألا أفعل شيئًا في حياتي سوي تأليف الروايات الجميلة.
ونحن نتنقل داخل سيارة أجرة من موعد إلي موعد، وسط زحام المرور في استنبول، أتذكر أننا تبادلنا الأحاديث حول الباعة والعربات التي تجرها الخيول وأفيشات الأفلام السينمائية والنساء السافرات منهن والمتشحات اللاتي يثرن دائمًا اهتمام الزائر الغربي. أتذكر أيضًا، وبشكل أكثر وضوحًا صورة: أنا وصديقي المرافق نقف عند نهاية ممر طويل في «هيلتون» استنبول نتبادل همسًا مضطربًا إلي حد ما، بينما ميلر وصديقه بنتر يجلسان يتهامسان بحدة غامضة مماثلة. لقد بقيت هذه الصورة محفورة في الذاكرة المضطربة ربما لأنها ترسم في اعتقادي، تلك المسافة الشاسعة ما بين تاريخنا المعقد وتاريخهم، وتوحي في الوقت نفسه بأن التضامن العزائي بين الكتاب كان ممكنًا.
في كل اجتماع آخر مع كتاب داخل غرف معبأة بالدخان، كنت أشعر بالكبرياء المتبادل والعار المشترك. لقد أدركت ذلك وكان التعبير عنه علانية أحيانًا، وألمسه بنفسي في أحيان أخري أو أراه في تلميحات وتعبيرات الآخرين. كان معظم الكتاب، المفكرين، والصحفيين، الذين التقينا بهم، غالبًا ما يعرفون أنفسهم، في تلك الأيام، بأنهم من اليسار. لهذا يمكن القول بأن مشاكلهم كانت ذات علاقة بالحريات التي يحظي بها الديمقراطيون في الغرب الحر. بعد ذلك، وبعشرين عامًا أري ما يقارب نصف هؤلاء يقف في صف واحد مع أصحاب الاتجاهات القومية المتنازعة مع اتجاهات غربية وديمقراطية. ومن المؤكد أن هذا الأمر يشعرني بالحزن.
لقد تعلمت من تجاربي، كدليل، والتجارب المشابهة لآخرين، شيئًا نعرفه جميعًا وأرغب في انتهاز الفرصة للتأكيد عليه الآن: إن حرية التفكير وحرية التعبير هما من الحقوق الأساسية العالمية للإنسان دون النظر إلي طبيعة الدولة. وهذه الحريات التي يشتهيها الإنسان المعاصر، كما يشتهي الخبز والماء، لا يجب تقييدها باستخدام عاطفة قومية أو حساسيات أخلاقية، أو مصالح تجارية أو عسكرية. والأخيرة هي الأسوأ علي الإطلاق. وعندما يعاني العديد من الدول خارج العالم الغربي، وبخجل، من الفقر، لا يكون ذلك بسبب أنها تملك حرية التعبير، بل بسبب أنها لا تملك هذه الحرية. وبالنسبة لهؤلاء الذين يهاجرون من دولهم الفقيرة إلي دول الغرب والشمال، هربًا من صعوبات اقتصادية واضطهاد وحشي، يجدون أنفسهم، وكما نعرف، تحت وطأة وحشية أشد، بسبب عنصرية يتعرضون لها في دول غنية. نعم، يجب أن نتنبه أيضًا إلي هؤلاء الذين يشوهون سمعة المهاجرين والأقليات بسبب معتقداتهم الدينية أو أصولهم العرقية، أو بسبب آثار البطش التي تتركها ممارسات حكومات الدول التي جاءوا منها، علي مواطنيها. لكن احترام إنسانية ومعتقدات الأقليات لا يعني أننا يجب علينا تقييد حرية التفكير. واحترام حقوق ومعتقدات الأقليات العرقية لا يجب أن يكون ذريعة لانتهاك حرية القول. وعلينا، نحن الكتاب، ألا نتردد إزاء هذا الأمر مهما كانت تلك الذريعة مستفزة. إن لدي البعض منا تفهمًا أفضل للغرب. وبعضنا ينجذب أكثر إلي هؤلاء الذين يعيشون في الشرق، والبعض، وأنا منهم، يحاول أن ينفتح علي جانبي هذا التقسيم المصطنع إلي حد ما. لكن ارتباطاتنا الطبيعية ورغبتنا في فهم هؤلاء الذين يختلفون عنا، يجب ألا تقف في طريق احترامنا لحقوق الإنسان.
دائمًا ما أجد صعوبة في التعبير عن مواقفي السياسية بشكل واضح، حاسم، وقوي، إذ أشعر وكأنني مدع يقول أشياء ليست صادقة تمامًا. سبب ذلك هو علمي بعدم استطاعتي تكثيف ودمج أفكاري حول الحياة في نغمة موسيقية مفردة أو وجهة نظر وحيدة. أنا روائي في نهاية الأمر، وصنف من الروائيين الذين يجعلون عملهم هو التطابق والتماثل مع كل شخصيات رواياتهم، وخاصة الشخصيات الشريرة. والعيش، كما أعيش أنا، في عالم يستطيع فيه شخص ما، أن يتحول، وخلال فترة قصيرة، من ضحية استبداد إلي مستبد، علمني أيضًا أن الإصرار علي التمسك بمعتقدات حول طبيعة الأشياء هو في حد ذاته عمل صعب. إنني أؤمن أيضًا أن معظمنا تؤانسه، وفي وقت واحد، تلك الأفكار المتناقضة داخل روح الإرادة الطيبة والنوايا الحسنة. إن متعة كتابة الروايات تكمن في الكشف عن هذه الحالة العصرية المميزة، حيث يتناقض الناس، بشكل مستمر، مع ما في عقولهم. إن عقولنا المعاصرة غامضة إلي درجة تجعل لحرية التعبير أهمية قصوي: نحتاج «هذه الحرية» لكي نفهم أنفسنا، ونفهم أفكارنا الغامضة المتناقضة، ونحتاجها بسبب الكبرياء والعار اللذين سبق وأشرت إليهما.
دعوني أحكي لكم حكاية أخري قد تلقي بعض الضوء علي العار والكبرياء اللذين شعرت بهما قبل 20 عامًا مضت، وأنا أصطحب ميلر وبنتر في جولات حول مدينة استنبول. ففي السنوات العشر التي تلت تلك الزيارة وقعت سلسلة من مصادفات ناجمة عن نوايا حسنة، مشاعر غضب، إحساس بالذنب، وتباينات شخصية، قادتني إلي حرية التعبير، منبتة الصلة برواياتي، وقبل وقت طويل من تجسيدي لشخصية سياسية كانت أشد بأسًا إلي درجة لم أخطط لها. في ذلك الوقت كان مؤلف هندي كبير السن، أعد تقرير الأمم المتحدة حول حرية التعبير في ذلك الجزء من العالم الذي أعيش فيه، قد جاء إلي استنبول وراح يبحث عني. والذي حدث أننا التقينا في فندق هيلتون، أيضًا، وفور جلوسنا إلي المائدة بادر السيد الهندي بتوجيه سؤال لا يزال صداه يتردد بشكل غريب داخل عقلي. سألني: ما الذي يجري في بلدك وترغب في سبر أغواره في رواياتك لكنك لا تحاول الاقتراب منه بسبب محظورات شرعية؟
بعد السؤال مرت فترة صمت طالت ووجدت نفسي في خضم تفكير عميق. غرقت في تساؤل ديستو فيسكي(4) ذاتي موجع. وكان واضحًا أن السيد القادم من الأمم المتحدة يسألني عن المسكوت عنه في بلدي، نتيجة للمحرمات والمحظورات الشرعية، والسياسات القامعة. لكنه صاغ السؤال في إطار ما أكتبه من روايات لأنه مهذب. أما أنا، وفي ضوء تجربتي، فقد أخذت السؤال في إطار معناه الحرفي. ففي تركيا، وخلال عشر سنوات مضت، كان هناك العديد من الموضوعات التي أغلقت القوانين وسياسات الدولة القمعية، أبواب الحوار حولها. لكنني، وباستعراض هذه الموضوعات، الواحد تلو الآخر، لم أجد موضوعًا واحدًا أرغب في سبر أغواره في رواياتي. رغم ذلك أدركت أنني سأقدم انطباعًا خاطئًا إذا ما قلت أنه لا يوجد ما أرغب في الكتابة عنه، في رواياتي، ولا أستطيع مناقشته لأنني كنت قد بدأت بالفعل تناول كل تلك الموضوعات بشكل علني ولكني خارج رواياتي. الأكثر من ذلك أن مجرد التفكير في طرح تلك الموضوعات في رواياتي لمجرد أنها موضوعات محظورة، كان يصيبني بالغضب. وبينما كانت كل تلك الأفكار تعبر خاطري، شعرت فجأة بخجل من صمتي الذي طال واستقر في يقيني أن حرية التعبير لها جذورها المرتبطة بالكبرياء، وهي في جوهرها تعبير عن الكرامة الإنسانية. لقد عرفت علي المستوي الشخصي ، كتابًا اختاروا طرح قضايا محظورة لمجرد أنها محظورة. أظن أنني غير مختلف. لأنه، وعندما يوجد كاتب آخر، في دار آخر، ليس حرًا، فهذا معناه عدم وجود كاتب حر. هذه حقًا هي الروح التي تشكل التضامن الذي تشعر به «الجمعية الدولية للشعراء PEN، ويشعر به الكتاب في أنحاء العالم كله.
أحيانًا ما يخبرني أصدقائي بأني ما كان يجب علي صياغة أمر ما بالشكل الذي صغته به و«لو أنك صغته، هكذا، وبأسلوب لا يضير أحدًا لما كنت في مثل ما أنت فيه من ورطة». لكنك إذا ما غيرت في كلمات المرء وغلفتها بأسلوب يحظي بالقبول، من الجميع، داخل ثقافة مقموعة، وتصبح ماهرًا في هذا الميدان، فإن ذلك يشبه إلي حد ما تهريب بضائع ممنوعة عبر الجمارك. وهذا فعل مشين ومُحقر.
إن الفكرة الرئيسية لمهرجان هذا العام «للجمعية الدولية للشعراء PEN»، هي العقل والعقيدة. ولقد سردت كل تلك الحكايات بهدف تجسيد حقيقة واحدة هي أن بهجة التعبير الحر عما نشاء قوله ترتبط بالكرامة الإنسانية رابطة لا انفصام لها. لذا دعونا نسأل أنفسنا الآن عن مدي معقولية تشويه الثقافات والديانات، بل وقصف دولة بالقنابل، وبلا رحمة، تحت اسم الديمقراطية وحرية التعبير. إن الجزء الذي أعيش فيه، في هذا العالم، لم يعد أكثر ديمقراطية بعد سقوط كل هؤلاء القتلي. إن اضطهاد وقتل آلاف الناس بلا رحمة في الحرب علي العراق، لم يحقق سلامًا ولا ديمقراطية. لقد أصبحت الأوضاع أكثر صعوبة بالنسبة لأقلية صغيرة تقاوم من أجل الديمقراطية والعلمانية في الشرق الأوسط. وهذه الحرب الوحشية القاسية هي عار أمريكا والغرب. أما المنظمات مثل PEN، والكتاب مثل هارولد 
بنتر وآرثر ميلر، فهم الكبرياء.


هوامش للمترجم
(1) Arther Miller (1915 2005) كاتب مسرحي أمريكي له العديد من الأعمال ذائعة الصيت، من بينها «كل أبنائي»، و«موت بائع متجول» التي فازت بجائزة بوليتزر للأدب.
(2) Harold Penter شاعر وكاتب وممثل بريطاني فاز بجائزة نوبل للآداب لعام 2005.
(3) International Association for Poets, Playwriters, Editors, and Novelists
(4) نسبة إلي Fyodor Dostoevsky (1881 - 1821) الأديب والروائي الروسي العالمي الذي من أشهر أعماله: الجريمة والعقاب، الإخوة كرامازوف، والسكير

الأحد، 24 أغسطس 2014

تشارلز بوكوفيسكي: حتى أصل الى طريقة سخية للموت


ماريا بوبوفا
ترجمة: ميادة خليل




رسالة امتنان من بوكوفسكي الى الرجل الذي ساعده على الهرب من الوظيفة التي مصّت روحه ليصبح كاتب بدوام كامل.

"كي لا تضيع حياة أحدهم بالكامل، تبدو إنجازًا يستحق، إذا كانت من أجلي."

"ما لم تأتِ من تلقاء نفسها، من قلبك وعقلك وفمك وأمعاءك" يكتب تشارلز بوكوفسكي في قصيدته الشهيرة (ما الذي يجعلك كاتباً): "لا تفعلها". 

لكن بوكوفسكي نفسه كان مذنبًا متأخرًا في رحلته لإيجاد هدف واحد، وحتى امتلكه ــ دافع الأبداع لا يمكن كبته ــ تطلّب ذلك منه عقودًا قبل أن يلتحم بموهبة. مثل العديد من الكتّاب المشهورين الذين يعملون بوظائف يومية عادية، بوكوفسكي عمل في مجموعة مختلفة من مهن ذوي الياقات الزرقاء قبل أن يصبح كاتبًا بدوام كامل ويتفرغ الى روتين الكتابة الشهير. 

في منتصف الثلاثينات من عمره شغل وظيفة ساعي بريد (تعبئة الرسائل) في الخدمة البريدية في الولايات المتحدة، لكن على الرغم من حماسه فيما بعد في القول بأن لا يوم عمل أو حد عملي يمكنه الوقوف في طريق الإبداع الحقيقي، وجد نفسه مختنقًا من العمل كتابع. 

في أواخر الأربعينات من عمره، ظل يعمل كعامل بريد، ويكتب مقالًا لصحيفة قطار الأنفاق "اوبن سيتي" في لوس أنجلوس في أوقات فراغه، وتعاون لفترة قصيرة جداً مع شاعر آخر في تحرير مجلة أدبية.

في 1969، سنة قبل عيد ميلاد بوكوفيسكي الخمسين، لفت انتباه جون مارتن صاحب دار نشر بلاك سبارو، الذي عرض على بوكوفيسكي راتباً شهرياً قدره 100 دولار ليترك عمله ويكرس نفسه تماماً للكتابة. (كانت على أية حال فكرة رواية ــ ملك بولندا قام أساساً بالشيء نفسه حسبما ذكر الفلكي العظيم يوهانس هيفليوس قبل خمسة قرون). وافق بوكوفسكي على العرض بكل سرور. بعد أقل من عامين، أصدرت بلاك سبارو روايته الأولى بعنوان مناسب "مكتب البريد".

لكن تقديرنا لهؤلاء الأبطال الأوائل غالباً ما يضيء باشتعال بطيء. بعد سبعة عشر عاماً، في أغسطس 1986، أرسل بوكوفيسكي لعرابه الأول رسالة امتنان متأخرة لكنها جميلة. موجودة في كتاب (الوصول الى الشمس: رسائل مختارة 1978-1994) إصدار المكتبة العامة. الرسالة الرسمية تُظهر مزاج بوكوفسكي: مزيج من هرج وانفعال، خطأ سياسي وحساسية عميقة، سخرية وجدية الوعي الذاتي. 

12 أغسطس 1986،

مرحبا جون، 

شكراً على الرسالة الجميلة. أعتقد أنه ليس من الخطأ أن تتذكر أحياناً من أين أتيت. أنت تعرف المكان الذي أتيت أنا منه. حتى الناس الذين يحاولون الكتابة عن ذلك أو صناعة فيلم عنه، لا يصيبون الحقيقة. يسمونه 9 الى 5. لم يكن 9 الى 5. لم يكن هناك استراحة للغداء في تلك الأماكن، في الحقيقة، في كثير من الأحيان لا تتناول الغداء حتى تحافظ على وظيفتك. ثم هناك عمل إضافي وكتب تبّين حق العمل الإضافي وإذا كنت تشكو، فهناك مغفل آخر سوف يأخذ مكانك. 

أنت تعرف مقولتي القديمة: "الرِق لم يُلغ، لكنه اتسع ليضم جميع الألوان."

وما يؤلم هو التناقض الإنساني المستمر للذين يقاتلون من أجل الحفاظ على وظائفهم ولا يريدون ذلك، لكنه الخوف من بديل أسوأ. الناس يتم تفريغهم ببساطة. هم أجساد مع خوف وعقول مذعنة. اللون ترك العين. الصوت أصبح قبيحاً، والجسد، الشعر، الأظافر، الأحذية، كل شيء ينتهي. 

عندما كنت شاباً لم أستطع تصديق أن الناس قد يخسرون حياتهم نتيجة تلك الظروف، وكرجل عجوز، لازلت لا أستطيع تصديق ذلك. ما يفعلونه يفعلونه لأجل ماذا؟ الجنس؟ التلفزيون؟ سيارة على دفعات شهرية؟ أم من أجل الأطفال؟ الأطفال الذين سيفعلون الأشياء نفسها التي فعلوها هم. 

في فترة مبكرة. عندما كنت شاباً جداً وأتنقل من وظيفة الى أخرى، كنت أحمق بما يكفي لأقول مع زملائي في العمل أحياناً: “هَيه، أنتم، الرئيس يمكن أن يأتي الى هنا بأية لحظة ويفصلنا جميعاً، تماماً هكذا. ألا تدركون ذلك؟ "
كانوا ينظرون لي فقط. كنت أتظاهر بشيء لا يريدون إدخاله في عقولهم.

الآن في الصناعة، هناك عمليات إقالة واسعة (مصانع الصلب الميت، تغييرات تقنية في عوامل أخرى من مكان العمل) يفصلون مئات اللآلاف من العمل ووجوههم في حالة ذهول:

- "عملت لــ 35 عاماً..."
- "ليس من الحق أن ..."
- "أنا لا أعرف ما يجب القيام به..."

لا يدفعون راتبا كافيا للعبيد على الأطلاق ولهذا يمكنهم الحصول عليهم مجاناً، يدفعون لهم فقط ما يكفي ليتمكنوا من البقاء على قيد الحياة والعودة الى العمل. كنت أرى كل هذا. لماذا لا يمكنهم ذلك؟ أتخيل مقعد الحديقة، كان جيداً أو كان جيداً لزير حانات مثلي. لماذا أصل الى هناك أولاً قبل أن يضعوني هناك؟ لماذا الانتظار؟

كتبت اشمئزازا من كل ذلك، كانت الكتابة مصدر ارتياح للخروج المقرف من نظامي. والآن أنا هنا، ما يسمى بكاتب محترف، بعد ضياع الخمسين سنة الأولى، وجدت أن هناك أشمئزاز آخر خارج النظام.

أتذكر ذات مرة، العمل كعتال في شركة التجهيزات المضاءة تلك، واحداً من العتالين قال فجأة: "لن أكون حراً أبداً!" أحد الرؤساء كان يمشي بالقرب منا (كان اسمه موري) ترك هذه الثرثرة اللذيذة من الضحك مستمتعاً بحقيقة أن هذا الزميل كان محاصراً بالحياة.

لذلك، كان لي الحظ أخيراً في الخروج من تلك الأماكن، لا يهم كم استغرقت من الوقت، لكنه أعطاني نوعا من الفرح، فرحا وبهجة المعجزة. أكتب الآن من عقل عجوز، وجسم عجوز، منذ زمن بعيد خارج الزمن عندما كان معظم الرجال لا يفكرون على الأطلاق باستمرار شيء مثل هذا، لكن منذ أن بدأت متأخراً وأنا مدين لنفسي بالاستمرار، وعندما تبدأ الكلمات بالتعثر يجب عليّ مساعدتها على صعود الدرج ولا يمكنني قص طائر أزرق من مشبك الورق، ما زلت أشعر أن هناك شيء في داخلي سوف يتذكر (بغض النظر عن المسافة التي سأقطعها) كيف وصلت من خلال القتل والفوضى والكدح، حتى، على الأقل، أصل الى طريقة سخية للموت.

كي لا تضيع حياة أحدهم بالكامل تبدو إنجاز يستحق، إذا كانت من أجلي.

ولدك،
هانك*


المصدر: Brain Pickings - See more at: http://www.araa.com/article/98422#sthash.mbliLIbI.dpuf

الأحد، 17 أغسطس 2014

الكتابة: موهبة الاحتيال على الصمت

(١)

أعرف أصدقاء لا أشكُّ في امتلاكهم موهبة الكتابة والقدرة على الإبداع فيها، لكنهم لا يكتبون ولا يَعُدُّون أنفسهم كتَّابًا. وأعرف من بدأ خطواتٍ قليلةً في رحلة الكتابة، ثم توقف بعدها دون أسبابٍ واضحة. وأعرف من تقلُّ حماسته للبدء مع مرور الوقت؛ لأنه يرى أنه تأخر. ولأني أعرفهم، أفكر أن أسباب عدم إنجازهم في هذا المجال لا تتعلق بنقصٍ في الموهبة على الإطلاق، لكنَّ الأسباب تكمن في مناطق أخرى؛ ربما تتعلق بعادات الكتابة لديهم، أو أفكارهم عنها. وحين أفكر فيهم أتأكد أن الموهبةَ أو القدرة على الكتابة وحدها ليست كافية للإنجاز فيها؛ الأمر يتطلب أيضًا طريقة تفكير خاصة، وعادات عملية تسهِّل الإنجاز، وتحمِّس الكاتب.

(٢)

في بداية الكتابة نستكشف ذواتنا، نحاول تطوير بضعة سطور إلى نصٍّ (قصة، قصيدة …) فتواجهنا عقبات ما: البحث عن كلمة مناسبة دون جدوى، عدم الرضا، عدم القدرة على بلورة أفكارنا … إلخ. لكن مَن لا تواجهه عقبات في الكتابة — خصوصًا في بدايات الكتابة — غالبًا ما يكتب بعد ذلك كتابة رديئة. هذه العقبات قد تصيب البعض باليأس أو عدم الرغبة في المواصلة، لكن هذه العقبات تحديدًا هي التي تصقل موهبتنا، وتصنع أسلوبنا. حين نحاول نقل أفكارنا إلى قصص نفكر: كيف نحوِّلها إلى نصٍّ؟ كيف نخلق إيقاعًا قصصيًّا في هذه الحدوتة الأولية؟ ما الذي ستقوله وما الذي ستُغفله؟ وما الذي ستلمح إليه من بعيد، وما الذي ستذكره صراحة؟ ما هي زوايا النظر التي ستستخدمها في رسم نَصِّك؟ وبالمثل في النصوص الشعرية، نختار الشكل الأنسب، ونعدِّل في الجمل والكلمات والفقرات عدة مرات إلى أن نصل إلى شكلٍ ما يرضينا.
بداية طريق الكتابة الاحترافية يبدأ غالبًا من الوعي بالتقنية، والتركيز عليها، ومحاولة امتلاكها والتجريب فيها. لا يُعدُّ هذا انحيازًا إلى الشكل بقدر ما يكون بمنزلة قوة معادلة تدفعك ككاتب في الاتجاه المضاد لما اعتدته من الانحياز الساحق للمضمون على حساب الشكل. أساسًا، التفريق بين الشكل والمضمون كقسمين يمكن دائمًا التفريق بينهما، غير دقيق، لكنه يظلُّ أحيانًا مفيدًا للتوضيح.

(٣)

أحيانًا يكون العائق الأكبر أمام استمرار الكتابة هو الرضا السريع؛ قد تكونُ قادرًا على الاستمرار في كتابة صفحات عديدة لكنَّك ترضى بما أنجزته بعد صفحة أو أقل، تسرع في إنهائه كنصٍّ، وتبحث عن إعجاب الآخرين كجائزة سريعة. وهكذا لا تفقد فقط بقية ما كان يمكن أن تكتبه في هذه الليلة، بل تفقد كذلك — في الغالب — الأيام التالية التي تظلُّ فيها راضيًا عما كتبت في انتظار ردود أفعال الآخرين.

(٤)

الاستمرار في الكتابة يحتاج لتجديد طريقتك في التعامل معها، يحتاج لألعاب جديدة؛ لتحديث مفهومك للكتابة، لإيجاد دافعٍ ما للاستمرار. أتحدث هنا ببساطة عن جعل الكتابة ممتعةً لك؛ كي لا تتحول إلى مجرد واجب ثقيل، أو لمحة إلهام طارئة تزورك من فترة لأخرى. منذ فترة مثلًا كنتُ أحمِّل بعض الخطوط من الإنترنت، وهنا خطرت لي فكرة: لن أجرِّب هذه الخطوط بكلام بلا معنى، بدأت أحمِّلها خطًّا خطًّا، وبعد تركيب كلِّ خطٍّ أجرِّبه بكتابة فقرةٍ دون تفكيرٍ مسبق، فقرة بسيطة دون تكلُّف، وكانت النتيجة ثريةً للغاية، ونتج عنها عددٌ من النصوص الجيدة. في أوقات سابقة كتبت من وحي: لوحات، صور فوتوغرافية، أفلام. أستفيدُ أيضًا من الأحلام كموادَّ خامٍ تحمل داخلها طاقةً وجنونًا قد لا تدركه ذواتنا الواعية في أوقات كثيرة.
اكتبْ، المهم ليس المنتج النهائي، المهم هو أن تكتب أفكارك أولًا بأول، وأن تتعوَّد على هذا. كثيرًا ما مرَّت بداخلي أفكارٌ ما، رأيتها مهمةً ولم أسجِّلها، ثم لا أتمكن من ذلك بعدها. أحيانًا تكون الأفكار والجمل سريعة التطاير. لهذا انتبه؛ فالأفكار السريعة التي تقابلها حين تقرأ كتابًا، أو تفاجئك دون سببٍ وأنت تمشي، هي أفكارٌ تعبِّر عنك، أفكارٌ تُغَيِّرُك، قد تكون سببًا في تغيير طريقتك في التعامل مع أمور وأشياء بسيطة، وقد يؤدي هذا إلى سلسلة من التفاعلات الجيدة والمشوِّقة؛ لهذا هي مهمة، لأنها جزءٌ من نموِّك كإنسانٍ وككاتب، ولأنك قد لا تمر بنفس الحالة أو الفكرة مرة أخرى بنفس الشكل، سجِّلها.

(٥)

في أيِّ عُمْرٍ تزدهر الموهبة؟ الإجابة ليست موحَّدةً على هذا السؤال. «بيتهوفن» مثلًا ظهرت بواكير موهبته قبل أن يُكمل سنواته العشر. «رامبو» الشاعر الكبير الذي أثَّر في الشعر من بعده بشكلٍ مدهش، بدأ رحلته في الكتابة وأنهاها قبل أن يكمل العشرين. «الماركيز دو ساد» في المقابل كتب روايته الأولى حين كان في عامه الحادي والخمسين. «ساراماجو» كتب رواية وحيدة في مقتبل حياته، ثم توقف قرابة العشرين عامًا ليعود بعدها بديوان شعري، لكن روائع رواياته التي كانت سببًا في حصوله على جائزة نوبل للأدب كُتبت بعد الخمسين.
باختصار: كما توجد أمثلة معروفة لمواهب تزدهر بشكل مبكر بدرجة قد تصيبنا بالإحباط أحيانًا، هناك نماذج أخرى في الفن، والأدب، والمجالات الإبداعية المختلفة تنضج وتتفتح متأخرًا لتقدِّم أفضل إنتاجها في منتصف العمر، أو حتى في خريفه.