‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال نقدي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال نقدي. إظهار كافة الرسائل

السبت، 31 يناير 2015

أجمل قراءة حول رواية حفلة التفاهة اخر روايات المبدع التشيكي ميلان كونديرا

قراءة عميقة مفيدة ومثمرة جدا من طارق عثمان .

نقلت عن موقع التقرير


كونديرا في حفلة التفاهة 

        

بينما كان ميلان كونديرا يتناول طعامه مع صديقه البروفيسور أفيناريوس (ذاك الذي يتأبط سكينًا ويخرج كل ليلة ليمزق إطارات السيارات)، تطرق بهما الحديث إلى فن الرواية، وتحديدًا إلى طبيعة الكتابة الروائية، فقال كونديرا لصديقه: “لا ينبغي أن تشبه الرواية سباق درجات، بل مأدبة نتذوق فيها ألوانًا من الأطباق” (كونديرا 2014: 279).

ماذا يقصد صاحب الخلود بهذه الاستعارة المرحة؟ 

من جماليات الرواية الكونديرية أنها غير قابلة للحكي، فهي ليست قصة بالمعنى الحرفي للكلمة، بحيث يمكن للمرء أن يقرأها ثم يسردها ببساطة لواحد من أصدقائه؛ إن كونديرا يرى أن خضوع الرواية لقاعدة “وحدة الحدث” (بمعنى أن تكون كل أحداث الرواية خاضعة لتسلسل سببي واضح، هو الذي يجعل منها دراما يمكن أن تحكى) هو لعنة قد حلت بفن الرواية، إنه يجعل الرواية شبيهة بـ”زقاق ضيق نطارد فيه الشخصيات ونحن نجلدها” (المرجع نفسه). إذ إنها تحول الرواية إلى خاتمة ما، وكل أحداث الرواية من أول صفحة مجرد مراحل تقودنا إلى هذه الخاتمة، بحيث يكون علينا أن نجتاز هذه المراحل بأقصى سرعة لنصل إلى خط النهاية (تمامًا كما هو الحال في سباق الدرجات). والحال أن كونديرا قد عزم من أول يوم على “تطهير” الرواية من هذه اللعنة؛ إنه يريد أن يجعل من كل حدث من أحداث الرواية، وكل موقف، قيمة في حد ذاته وليس مجرد خادم للخاتمة. إنه يريدنا أن نتذوق جماليات كل مشهد والأفكار المبحوثة في كل موقف أو حدث على حدة: (إن الرواية تتحول هنا إلى مأدبة كبيرة، وكل موقف فيها يمثل طبقًا علينا تذوقه بمفرده).


هذه السمة الجوهرية في مُبدَع كونديرا، هي أول ما يصطدم به من يريد تقديم قراءة لأي رواية من رواياته؛ إن كل محاولة لتجريد قصة ما من رواية لكونديرا، بمثابة تدمير لها، إن قارئ كونديرا يشعر طوال القراءة بكثافة وأهمية ما هو مكتوب في كل صفحة، ولكنه بعدما ينتهي ويغلق الكتاب، لن يستطيع أبدًا أن يسرد قصة متماسكة، بالرغم من كونه مقتنعًا تمامًا أنه للتو قد انتهى من قراءة رواية! علينا إذن أن نقرأ الرواية الكونديرية بالطريقة التي تليق بها، قراءتها ككتاب في الأنطولوجيا البشرية، لا كقصة درامية نتسلى بها في وقت الفراغ.

أحاول في هذه المقالة أن أقدم قراءة لرواية كونديرا الأخيرة la fete de l’insignifiance أو حفلة التفاهة، والتي صدرت بفرنسا عن غاليمار في 2014، وعن المركز الثقافي العربي بالمغرب في نفس العام، بترجمة معن عاقل (مترجم رواية الجهل). وهي رواية صغيرة الحجم (110 صفحة) تنتمي لقائمة روايات كونديرا الصغيرة (الجهل، الهوية، البطء). وبالرغم من صغر حجمها فقد قسمها لسبعة أجزاء، وكل جزء مثقل بالعناوين الفرعية.

سأحاول أن أبرز الثيمات الرئيسة التي تنبني عليها هذه الرواية، التي كتبها كونديرا بعدما توقف 14 عامًا عن الكتابة. (كانت آخر رواية له هي الجهل، والتي صدرت في عام 2000).

عصر ما بعد الِمزاح.. أو في رثاء الفكاهة


ما علاقة الرواية كفن بالفكاهة؟ لنحدد أولًا المعنى الدقيق الذي يقصده كونديرا بالفكاهة: واقع الأمر أن المقصود بالفكاهة عند صاحب كتاب الضحك والنسيان، ليس هو مجرد السخرية المثيرة للضحك، وإنما الفكاهة هي شيء أكثر عمقًا، ربما كانت إثارة الضحك هي ظاهره، إنها وكما يقول أوكتافيو باز (الشاعر المكسيكي الشهير المحبب كثيرًا لكونديرا): “ضرب خاص من الهزلي تجعل من كل شيء تتناوله غامضًا“، (كونديرا 2007: 173). الفكاهة إذن، تُكسب الشيء الذي تتعرض له غموضًا رهيبًا بحيث يمنعنا من إصدار أية أحكام عليه، إن الفكاهة هي تعليق أبدي للحكم، “الفكاهة هي البرق الإلهي الذي يكشف عن الغموض الأخلاقي لهذا العالم، وعن عدم اختصاص الإنسان العميق في الحكم على الآخرين. إنها ثَمل نسبية الأشياء الإنسانية، السعادة الغريبة الناتجة عن اليقين بعدم وجود اليقين” (نفسه: 195).

إذا كانت هذه هي الفكاهة، فما علاقتها بفن الرواية؟ ما يؤمن به كونديرا أن الفكاهة هي ابتكار خاص بالرواية، ولادة الفكاهة قد حايثت ولادة الرواية مع رابلييه وسرفانتس.

وعليه؛ فإن الفكاهة بهذا المعنى هي جزء من ماهية الرواية وجوهرها، الرواية فكاهية أو لا تكون. يضرب لنا كونديرا هذا المثال من رواية جارجانتويا للروائي المؤسس فرانسوا رابلييه: عندما يريد البطل بانورج أن ينتقم لنفسه من تاجر الخراف، الذي سخر منه، وهم على متن السفينة في عرض البحر، فيقوم بالآتي: “يشتري منه خروفًا ويلقي به إلى البحر، وبما أن الخراف معتادة على اتباع أولها، فإنها عمدت جميعًا إلى القفز إلى الماء. يُجن التجار وهم يمسكون بها تارة من صوفها وتارة من قرونها ويُجَرّون هم أيضًا إلى البحر. كان بانروج يمسك مجدافًا بيده، لا لإنقاذهم، بل ليمنعهم من التسلق إلى السفينة، وهو يعظهم بفصاحة مبيّنًا لهم بؤس هذا العالم وخير الحياة الآخرة وسعادتها، مؤكدًا لهم أن الموتى أسعد من الأحياء. على أنه يتمنى لهم في حال أرادوا الاستمرار في العيش بين البشر، أن يلتقوا حوتًا ما على شاكلة ما جرى للنبي يونس” (نفسه: 172).

ما الذي علينا فعله ككقراء أمام هذا المشهد؟ هل نجتهد في تأويل تصرف بانورج الرهيب هذا؟ لا، لا ينبغي، إنه مشهد مستحيل، ولا يمكن أن يكون ثمة حكم ما واضح ووحيد، يمكن أن نطلقه على بانورج، إن الحكم معلق هنا للأبد، وهذه هي عين الفكاهة. علينا فقط أن نتذوق جمالية هذا المشهد، وأن لا نحمله على محمل الجد مهما بدا لنا رهيبًا.

في حفلة التفاهة، اختارَ كونديرا للقسم الرابع هذا العنوان: “الجميع يبحثون عن الفكاهة“. إنه ينعي روح الفكاهة التي ولدت مع رابلييه، ويرى أنها قد رحلت عن فن الرواية، وعن هذا العالم برمته: “صديقي العزيز: ثمة شيء واحد أفتقده: روح الفكاهة” (كنونديرا 2014: 77). يقول رامون لصديقه كاليبان. “روح الفكاهة! هذا هو المراد ولا شيء آخر” (ص 56)، يقول رامون أيضًا، ولكن لصديقه كاكوليك هذه المرة.

للتدليل على انصرام عصر الفكاهة، ابتكر كونديرا مشهدًا لا يقل أبدا ًفتنة عن مشهد بانورج وهو يصد تجار الخراف عن الصعود إلى السفينة. إنها حكاية ستالين ورفاقه وطيور الحجل: فلقد قص ستالين على رفاقه يومًا ما، أنه خرج مرة للصيد، وسار مسافة 13 كيلو مترًا، فوجد شجرة عليها 24 من طيور الحجل، ولكنه لسوء الحظ لم يكن يملك في جعبته سوى 12 طلقة، فماذا يفعل؟ لقد أطلق طلقاته عليهم فاصطاد 12 طائرًا، ثم قفل عائدًا لبيته وأحضر 12 طلقة أخرى واجتاز الـ13 كيلو مترًا مرة ثانية، ليجد باقي طيور الحجل جاثمة في مكانها على نفس الغصن من الشجرة، فيصطادها جميعًا ويعود. فماذا كان رد فعل رفاق ستالين على هذه الحكاية؟ لم يضحك أحد منهم أبدًا، فقط اشمأزوا من كذب ستالين عليهم، وراحوا يصرخون في الحمامات، ظنًّا منهم أنه المكان الوحيد الذي لا يراقبهم فيه الزعيم: “ونحن نغسل أيدينا في صالة الحمامات، رحنا نقذف بالشتائم: إنه يكذب إنه يكذب” (ص 23)، يحكي لنا خروتشوف عنه هو ورفاقه.

إن المثير بالنسبة لكونديرا في هذه الحكاية، هو أنه لا أحد من رجال ستالين تصور أنه يمزح معهم، لقد أخذوا كلامه على محمل الجد تمامًا، رأوه كذبًا فجًّا لا يليق بالزعيم، لم يجرؤا على الاعتراض عليه في حضرته، فقط راحوا يصرخون في الحمامات كالمجانين بشتمه وتكذيبه، وهو يتلصص عليهم بدوره ويسمع صراخ أبطال المكتب السياسي ويقهقه كالمجنون. لقد صارحهم بعد ذلك قائلًا: “كنت أتسلى كثيرًا في الممر وأنا أصغي إليكم تصرخون، لكنني كنت أقول في سري في الوقت ذاته: ألأجل هؤلاء المغفلين بدّدتُ كل قواي؟ ألأجلهم عشت؟ ألأجل هؤلاء الرثين؟ لأجل هؤلاء المخبولين المبتذلين؟ لأجل فلاسفة المباول؟” (ص 90).

إن هذه اللحظة بالنسبة لكونديرا، اللحظة التي لم يعد فيها أي من رجال ستالين “يعرف ما هو المزاح، وما هي المزحة” (ص 23). هي لحظة تأبين لروح الفكاهة، وتدشين لعصر جديد تمامًا؛ “عصر أفول الفكاهات، عصر ما بعد المزحات” (ص 76).

في مديح التفاهة

ما علاقة الرواية كفن بالتفاهة؟ إذا كانت الرواية بما هي كذلك هي بحث في الوجود، فعليها إذن أن تهتم بالتافه وتبجله، لماذا؟ لأن التفاهة ليست شيئًا عرضيًا في هذا العالم، وإنما هي على العكس شيء جوهري تمامًا: “التفاهة يا صديقي هي جوهر الوجود. إنها معنا على الدوام وفي كل مكان. إنها حاضرة حتى في المكان الذي لا يرغب أحد برؤيتها فيه: في الفظائع، في المعارك الدامية، وفي أسوأ المصائب. وهذا غالبًا ما يتطلب شجاعة للتعرف عليها في ظروف درامية للغاية ولتسميتها باسمها. لكن ليس المقصود التعرف عليها فقط، وإنما يجب أن نحبها، يجب أن نتعلم حب التفاهة” (ص 108).

إن كونديرا يدعونا ألا نخجل من تفاهتنا؛ فهي “ليست استثناءً، صدفة، عيبًا، إنها ليست ظاهرة كمية إن صح القول، نقصًا في معدل الذكاء، يمكن شفاؤه بالتعلم، إنها لا تُشفى، وهي حاضرة في كل مكان، في فكر الحمقى مثلما هي في فكر العباقرة، إنها جزء لا يتجزأ من الطبيعة الإنسانية” (كونديرا 2007: 524).

من هنا كان على الرواية أن تهتم بالتافه كما يليق به، لننظر مثلًا إلى ما فعله فولبير مع تفاصيل حياة السيدة بوفاري، أو إلى ما فعله بشكل أعظم جيمس جويس في عوليس؛ عدد مهول من الصفحات في فحص أكثر الأشياء ابتذالًا في يوم من أيام بطله بلوم، تسجيل لكل خاطرة تجول برأسه مع كل التفاتة وكل فعل تافه.

أو لننظر إلى كونديرا في حفلة التفاهة وهو يعنون فصل فيها بـ”ريشة تحلق تحت السقف“، إنه يفحص تفاعل المدعوين في حفلة دارديلو (الذي كان قاب قوسين من أن يشهد عيدًا مزدوجًا؛ ذكرى ميلاده التي صارت بعيدة وذكرى موته الذي أصبح وشيكًا، ولكن الموت ألغى دعوته في آخر لحظة)، مع ريشة تتسكع في الهواء، كيف وقف شارل متجمدًا كصنم يأس من أن يُعبد يحدق فيها، وكيف كانت فرانك (التي كانت في غاية المرح يوم مات زوجها الذي كانت تحبه بحق)، “ترفع ذراعها إلى أعلى ما يمكن، كقائدة أوركسترا تقود الإيقاعات الأخيرة لسمفونية عظيمة” (كونديرا 2014: 78)؛ طمعًا في أن ترسو الريشة بين إصبعيها.

مغرقًا في مديح التفاهة، يكمل لنا كونديرا حكايته عن ستالين ورفاقه (فلاسفة المباول)، حكاية هي تجسيد فاتن لـ”روح الفكاهة اللانهائية” التي تحدث عنها هيجل: لماذا سُميت كونجسبرج (تلك المدينة الألمانية التي عاش فيها كانط عمره بأكمله) باسم كالينينجراد؟ يتعلق الأمر ببساطة في رغبة الروس في أن يظل أثرهم في هذا العالم باقيًا إلى الأبد؛ إذ أصابتهم حمى تغيير أسماء المدن التي يسيطرون عليها بأسماء روسية، “ولكن ليس أي اسم! لا بد أن أن تستند التسمية الجديدة إلى اسم مشهور في أرجاء الكوكب وأن يُخرس ألقه الأعداء. ولدى الروس وفرة من مثل هذه الأسماء العظيمة، بوشكين، تشايكوفيسكي، تولوستوي” (ص 31). ولكن الواقع أن ستالين لم يختر لبلد كانط أي اسم من هذه الأسماء الفخمة، وإنما اختار اسم شخص عديم الأهمية: كالينين، فلماذا اختار ستالين، هذا الرفيق، التافهة تحديدًا ليخلد اسمه؟

يحكي لنا كونديرا أن ستالين كان مفتونًا بتكرار قصته مع طيور الحجل على رفاقه، ولكن لماذا؟ إنه كالينين؛ فلقد كان هذا الأخير مصابًا بتضخم البروستاتا، ومن ثم كان مرغمًا على التبول في أغلب الأحيان، ولكنه عندما يكون جالسًا على المائدة أمام ستالين، لم يكن يجرؤ أن يزعجه ويذهب للمرحاض ويعود مرارًا. وكان ستالين يعلم ذلك جيدًا، وكان وهو يروي حكايته في كل مرة: “يركز نظره عليه، وعلى وجهه الذي يزداد شحوبًا وتعلوه تكشيرة متشنجة، وهذا ما كان يحرض ستالين على التمهل في سرده، وعلى إضافة أوصاف واستطرادات وإرجاء الخاتمة إلى اللحظة التي يسترخي فيها فجأة وجه كالينين المتوتر… فيعرف أنه قد فقد مقاومته مرة أخرى، فينتقل بسرعة إلى الخاتمة، وينهي الجلسة” (ص 29).

إنه مشهد مستحيل، خفيف، عبثي، فكاهي، تمامًا كحكاية رابلييه عن بانورج وهو يسوق الخراف إلى الماء. حكاية مرحة، علينا أن نتذوقها ونضحك لا أن نجتهد في إيجاد تأويل لقسوة ستالين غير المبررة بالمرة، أو لخنوع كالينين المذل للزعيم الروسي. ولكن مهلًا، فلم تقف شاعرية (جمالية) كونديرا عند هذا الحد، لنتساءل مرة ثانية: لماذا اختار ستالين رفيقه البائس هذا ليظل اسم كانط مرتبطًا باسمه إلى الأبد؟ إنه الحنان! نعم لقد كان ستالين “إبليس القرن” هذا يكنّ حنانًا استثنائياً لكالينين؛ فمن بين كل الآلام التي تسبب فيها على هذه الأرض، كان ألم كالينين وهو يضبط نفسه أمامه (وتعلو وجهه التكشيرة المتشنجة) “ألمًا مختلفًا تمامًا، ألمًا ضئيلًا، ملموسًا، فريدًا، مفهومًا. كان ينظر إلى رفيقه المتألم، وبدهشة عذبه، يحس أن شعورًا باهتًا ومتواضعًا وحتى مجهولًا ومنسيًا على أية حال يستيقظ فيه: حب لإنسان يتألم. كانت هذه اللحظة في حياته العنيفة (المترعة بالمؤامرات والخيانات والمجازر) بمثابة راحة. لقد كان الحنان يزداد في قلب ستالين بمعدل ازدياد ضغط البول على مثانة كالينين” (ص 31).

لقد اعطى ستالين لكونجسبرج اسم رفيقه إذن؛ لأنه “كان يشعر بالحنان حيال رجل تألم لأجله، وأمام ناظريه. هو يريد أن يشكره على وفائه، وأن يسعده لقاء تفانيه وإخلاصه” (ص 32).

لماذا خُلد اسم كالينين “شهيد النظافة” هذا إذن؟ إنها التفاهة، إنه لم يصبح مشهورًا بفضل طموحه السياسي وغروره وصلفه، وإنما “وحده من سيظل اسمه بالذاكرة، يُذّكر بمعاناة اختبرها كل كائن إنساني، ويذكر بمعركة يائسة لم تسبب البؤس لأحد إلا لنفسه” (ص 32، 33).

كذلك هو كاكوليك، صديق رامون، كيف كان يفوز بالنساء؟ إنها التفاهة، هو لم يكن يحاول أن يكون شخصًا لامعًا كدارديلو الذي “لم يزل حتى اليوم لا يفهم شيئًا عن قيمة التفاهة” (ص 17)، وإنما هو على العكس، شخص حريص كل الحرص على ألا يلفت الانتباه إليه. فهو يعلم أنه من غير المجدي أن يكون المرء لامعًا، في هذا السياق تحديدًا؛ “فحين يحاول رجل لامع إغواء امرأة، يتولد لديها انطباع أنها تدخل في منافسة، وتضطر هي أيضًا للتألق، ولا تمنح نفسها دون مقاومة. بينما التفاهة تحررها، تجردها من حذرها. لا تتطلب أي حضور للنباهة، تجعلها لا مبالية ومن ثم سهلة المنال” (ص 18).

ما الذي كان يشغل فكر بطل روايتنا ألان؟ إنّه شيء تافه ولا شك، إنه السرة، السرة العارية للحسنوات اللواتي يتجولن من حوله في الشوارع وفي حديقة اللكسومبورج. يبتدأ كونديرا حفلة التفاهة بتساؤل ألان العميق عن الدلالة الأيروتيكية لسرة المرأة وينهي الرواية بالإجابة عليه. لقد “ظل هذا اللغز يشغله، كما ينشغل بالكم أنتم أيضًا (نحن القراء يقصد)، شهورًا، إن لم يكن سنوات، بمشاكلكم ذاتها، والتي هي بالتأكيد أتفه بكثير من المشكلة التي تستحوذ على تفكير ألان” (ص 37).

ذلك الفخ الذي يُسمى العالم

ربما كانت هذه الرواية، هي الرواية الأولى لكونديرا، التي تغيب عنها التشيك، إنها رواية فرنسية تمامًا. أشخاصها وأحداثها (أو لا أحداثها إن شئنا الدقة). هل نسي كونديرا العجوز مآسي بلده الأم، وصار لا يرى في نفسه إلا رجلًا فرنسيًّا؟ من غير المرجح حدوث ذلك، ما يبدو لي أنه لما كانت التفاهة واللامعنى هي ثيمة هذه الرواية الأساسية، أراد أن يجعلها رواية متساوقة مع موضوعها، لقد أرادها فارغة من كل القضايا الكبرى. ربما كانت تشيكية كونديرا أعمق من أن توجد في قلب حفلة للتفاهة. فقط هو لم يغفل عن جعل أبطال روسيا الستالينية مسخرة لكل العصور.

إذا كانت حفلة التفاهة بمثابة تكثيف لهذه الثيمة “جوهرية التفاهة “، والتي هي مبحوثة بدرجات متفاوتة في مجمل مُبدعًه، فما هي الوصفة التي يقدمها لنا كونديرا للتعاطي مع هذه “الحقيقة”؟ لا شيء في واقع الأمر، فلقد “أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام. لم يكن هناك سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألا نأخذه على محمل الجد” (ص 75).

إن كونديرا يبدو في هذا العمل “سيورانيًا” أكثر من سيوران نفسه، الذي لم يكل من التحسر على كون البشر قد جاءوا إلى هذا العالم، العالم هنا بوصفه فخًا قد علقنا فيه. يقول على لسان خيال أم ألان: “ما تمنيته هو الاختفاء الكلي للبشر مع مستقبلهم وماضيهم، مع بدايتهم ونهايتهم، مع كل فترة وجودهم، مع ذاكرتهم برمتها، مع نيرون ونابليون، مع بوذا والمسيح. تمنيت الفناء الكلي لشجرة متجذرة في بطن صغير بلا سرة لأول امرأة حمقاء لم تكن تعرف ما تفعله، وأي أهوال كلفنا جماعها البائس الذي لم يمنحها أية متعة بالتأكيد…” (ص 80).

جوهرية التفاهة، ورثاء الفكاهة، هما الثيمتان اللتان تُبنى عليهما هذه الرواية. إنها موعظة كونديرا المحببة لديه: فلنتوقف ولو قليلًا عن النظر بجدية إلى جدية البشر.



المراجع:
1- كونديرا، ميلان، 2014، الخلود، ت: محمد التهامي العماري، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
2- كونديرا، ميلان، 2014، حفلة التفاهة، ت: معن عاقل، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

3- كونديرا، ميلان، 2007، ثلاثية حول الرواية، ت: بدر الدين عرودكي، القاهرة: المركز القومي للترجمة.

الاثنين، 24 نوفمبر 2014

اجمل دواوين الشعر

اجمل دواوين الشعر



بسم الله الرحمن الرحيم 


منذ زمن مضى شاركت في موضوع احدهم عن اجمل دواوين الشعر العربي ، فأحببت ان اثبت مشاركتي هنا لغرض الارشفة. 
شخصيا ارى من الصعب اختيار اجمل ديوان شعر قراته و لكن سأحاول ان اختار افضل ثلاثة دواوين قراتهم و هم : 
1- ديوان حبيب بن اوس الطائي ( المعروف بأبي تمام ): 
و هو ديوان غني عن التعريف ذائع الصيت ، اما سبب اختياري له فلأنه لم ار قصيدة في ديوانه الا اعجبتني بخلاف اكثر الدواوين الاخرى التي قد تعجب بقصيدة او عدد معين من القصائد فقط .. و من بديعه قوله في مطلع القصيدة الاستثنائية التي مدحها ابن المعتز بكلامه المشهور : 
ديمة سمحة القياد سكــوب 
مستغيث بها الثرى المكـروب 
لو سعت بقعة لاعظام اخرى 
لسعى نحوها المكان الجديب 
و باختصار فقصائده تتميز بالمعاني العميقة المبتكرة مع المحافظة على النبرة الموسيقية الجميلة و الكثير من المحسنات البديعية . 
و نختم كلامنا الموجز عن هذا الديوان بابيات من رائيته الخالدة : 
أظبية حيث استنت الكتب العفر ؟! رويدك لا يغتالك اللوم و الزجر! 
اسري حذارا لم تقيدك ردة فيحسر ماء من محاسنك الهــذر 
اراك غداة الامر و النهي بوة عداك الردى ما انت و النهي و الامر ؟

2- ديوان الحسن بن هانيء ( المعروف بأبي نواس ): 
اولا لنستمع الى بعض المشاهير يتحدثون عن شعر ابي نواس : 
* من طلب الادب فلم يرو شعر ابي نواس فليس بتام الادب .(عبد الله بن عائشة ) 
*اذا رايت الرجل يحفظ شعر ابي نواس علمت ان ذلك عنوان ادبه و رائد ظرفه ( ابراهيم بن العباس ) 
* ابو نواس و مسلم بن الوليد اللات و العزى و انا اعبدهما . ( ابو تمام ) 
* اشعر الناس عندي ابو نواس ( العتبي) 
*ما رايت احدا اعلم باللغة من ابي نواس و لا افصح منه لهجة مع حلاوة و مجانبة لاستكراه (الجاحظ) 
*كانت المعاني مدفونة حتى اثارها ابو نواس ( ابوحاتم ) 

و من منا قرا ديوانه و لم يفتتن بشعره السلس العذب.. و يختلف ديوان ابي نواس عن غيره بأنه ينقسم الى ثلاثة اقسام رئيسية : 1- وصف الخمرة : و هنا يظهر ابداعه و تألقه و تقدمه على السابقين و اللاحقين في هذا الباب ، اقرا قوله : 
اسقني ان سقيتني بالكبير من لذيذ الشراب لا بالصغير 
من مدام معتق اخرسته حقبة الدهر بعد طول الهدير 
بابلي صاف مؤنثة طورا و طورا تهم بالتذكير 
في اباريق سجد كبنات السماء اقعين من حذارا الصقور 
فإذا ما الكؤوس دارت علينا قذفت في انوفنا بالعبير 

و الكثير الكثير من روائعه و ابداعاته مثل قصيدة اطلال حانة و التي مدحها الجاحظ و قال انها لم تتوفر الا للقليل من الشعراء. 
و القصيدة المشهور : 
دع عنك لومي فإن اللوم اغراء و داوني بالتي كانت هي الداء! 
صفراء لا تنزل الاحزان ساحتها لو مسـها حجر مسته سراء 
من كف ذات حر في زي ذي ذكر لها محبان لــوطي وزناء 

2- غزل المؤنث : 
و له الكثير من القصص الطريفة و الابيات الجميلة في غزل المؤنث منها قوله : 
يا قمرا ابصرت في ماتم يندب شجوا بين اتراب
يبكي فيذرى الدر من نرجس و يلطم الورد بعناب
لا تبك ميتا حل في حفرة و ابك قتيلا لك بالباب 

3- غزل المذكر : 
و نقرا الكثير من قصص المجون و الفحش و التغزل بالمذكر في ديوانه فانظر معي قوله : 
يقول الناس قد تبت و لا و الله ما تبت 
فلا اترك تقبيل خدود المرد ما عشت 
ارى المرد يميلون لمثلي حيثما ملت 

و له في الزهد شعر جميل صادق فانظر الى ابو العتاهية و هو شاعر الزهد المعروف يقول …. سبقني ابو نواس الى ثلاثة ابيات وددت اني سبقته اليها بكل ما قلته فإنه اشعر الناس فيها ،قوله: 
يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك اكبر 
و قوله: من لم يكن لله متهما لم يمس محتاجا الى احد 
و قوله : اذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق 
و انظر قوله : 
كل مستخف بسر فمن الله بمراى 
لا ارى شيئا على الله من الاشياء يخفى ! 

3- ديوان الشريف الرضي: 

ديوان طويل و يعتبر افضل الشعراء الهاشميين بلا منازع و يا حبذا لو تقرا كتاب زكي مبارك المعنون بعبقرية الشريف الرضي لكي تقف على مواطن العبقرية المفرطة لدى هذا الشاعر الفذ فانظر ابياته في الحكمة كيف تتطاول مع ابيات المتنبي في الحكمة : 
1- و ما جمعي الاموال الا غنيمة لمن عاش بعدي و اتهام لرازقي ! 
2- و ما العيش الا غمة و ارتياحة و مفترق بعد الدنو و ملتقى 
3- اراك تجزع على القوم الذين مضوا فهل امنت على القوم الذين بقوا 
4- و اذا الحليم رمى بسر صديقه عمدا فأولى بالوداد الاحمق 
5- كل شيء من الزمان طريف و الليالي مغانم و حتوف 
6- بالجد لا بالمساعي يبلغ الشرف تمشي الجدود باقوام و ان وقفوا 
و هذه قطرة من بحر عظيم الوسع …! 
و اقرا ان شئت قصديته التي مطلعها : 
يا دار ما طربت اليك النوق الا و ربعك شائق و مشوق 
و هي من روائع المدائح 
و شاعرنا هذا بخلاف سابقه ابي نواس لا يتغزل الا بالعفيف من الغزل و لكن مع ذلك نراه يأتى بعجائب منها قوله : 
و مثلك ظالمة المقلتين تلاقى الجمال عليها و تم 
لها في الحشا حافز كلما جرى الدمع دل عليه و نم 
و اقول لها و القنا شرع و يرغم من قومها من رغم 
لنا دون خدرك نجوى الزفير و مجرى الدموع و شكوى الالم 
و الا فقرع صدور القنا و وقع الظبا و صليل اللجم ! 
و يتجلى عفافه في قوله : 
يشكو المحب الي شدة شوقه و انا المشوق و ما يبين جناني 
و اذا هممت بمن احب امالني حصر يعوق و عفة تنهاني 
لله ما اغضت عليه جوانحي و الشوق تحت حجاب قلب عان 
اضف الى ذلك قصائدة المشجية في الرثاء و قد ذكرت بعضها في مقالات اخرى . 
هذا و الحمد لله رب العالمين ..

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2014

روايات طفولتنا الهندية/ نعيم عبد مهلهل





روايات طفولتنا الهندية..........!
نعيم عبد مهلهل

ليس للمبدع في تذكر موهبته سوى أن يعود الى احساس طفولته الأولى ، إذا افترضنا ان ما ينتجه بعد ذلك يشكل بوابة مفتوحة الى طفولته الثانية ، وهناك طفولة ثالثة في حياة البشر هي تلك الكهولة الهادئة والثقيلة الحركة والتي يسكنها شتات التذكر لما كان يجري على شكل رواية غير واضحة المعالم ، لكنها تُستعاد في التصرف الطفولي وتلك الخربشات العبثية والتصرف الذي يعيشه الكهول وهم يطلبون حلوى ( البوم بومب / المصاصة ) كما يطلبها طفل بعمر اربع سنوات.
تلك الازمنة لا توثق جيدا إلا من خلال المرويات التي وحدها من جعلت التاريخ شاهد العيان الاقرب توثيقا للحياة الحضارية للارض وما عليها. ومن بعضها تلك الأزمنة التي تلاصق تماما نشوء ذاكرتنا المجتمعية ويوثقها الحدث المرتهن بحواس البشر ورغبتهم في المحاكاة والتقليد والنبوغ ، وكل تلك الهواجس لاتمنو فينا وتتوثق وتبدع إلا من خلال التأمل والمتابعة والأعجاب والمحاكاة للجديد الذي نراه ونسمعهُ ونحسهُ ونعيشهُ على مستوى الواقع والحلم .
وأعتقد أن الفن السينمائي وفرَ لنا الكثير من هذه الاشتغالات التي تطور فينا لغة التعامل والارتباط والمُحاكاة لهذا العالم ، ومن بعضها الافلام الهندية التي كانت تقدمها سينما مدينتنا لروادها الذين أغلبهم من الفقراء والعشاق.
وقبل فترة توفي الممثل الهندي المعروف ( راجيش كنا ) صاحب الفيلم الرومانسي الشهير ( إنداز ) الذي شاركه فيه البطولة الفيس بريسلي السينما الهندية شامي كابور والذي توفي قبل فترة أيضا وكانت بطلة الفيلم ملكة جمال الهند وقتها هيما ميلاني.
الممثل ( راجيش كنا ) الذي ملأ طفولتنا بالأحلام وشجن الفقر والانشداد الى شاشة السينما كان يمثل لنا اقصى ما تتمناه طفولتنا الرومانسية من غرام وموسيقى والابحار الى الخيال المدهش في عوالم الموسيقى الهندية الساهرة وقصص الافلام التي كانت تبكينا وتضحكنا وتجعلنا نعوم في الأمل والعشق والدموع وهي وحدها من ملأت خيال الكثير من المبدعين رغبة البدء بنسج حكاياتهم وقصائدهم على منوال تلك الرومانسية الجميلة التي ملئت الأفلام السينمائية وموسيقى اغانيها وسيناريوهاتها التي في اغلبها تبدأ حزينة وتنتهي بالصدفة السعيدة .
مات راجيش كنا الذي كنا نعتبره ساحراً بحركاته الراقصة وأبتساماته واغانيه ليعيش معنا وسائد النوم في الليل الذي لا تضيء سماءه سوى الفوانيس وتخيل امتلاك نساء بجمال الممثلات هيما ميلاني وآشا باريخ وممتاز وفيجانتي مالا والراقصة هيلين..
هذا الموت لواحد من مؤسسي دافع صناعة لمعان الحروف على ورق دفاترنا المدرسية الأصفر أعاد الي طيفا عريضا من مشاهد الذكريات ، لحظة كان يسكننا الليل في متعة تذكر ما شاهدناه في الفيلم الهندي لتقودنا متعة التذكر الى المحاكاة ومن ثم نبدأ لنسطر أول محاولات ربط نبض قلوبنا مع هذا العالم من خلال حكاية.
حكاية تروي آمالنا الفقيرة وجرأة الشهوة فينا عندما نطابق في افتراض الروي أن كل الذي شاهدناه في الفيلم الهندي هو يقارب تماما وقائع حياتنا بذلك الفقر والجنوب الملتهب كما مناخ الهند بلهيب حرارة الصيف ورياح الشرقي الرطبة ، فيصبح هذا القرين فعالا في دافع صنع الرغبة فيما كان يتوهج داخلنا لنحوله الى شجنٍ محكي يغرق في رومانسية لاحدود لصورها ومشاعرها وفصولها من الحصول على قصر في وديان وجبال الهملايا وكشمير الساحرة الى جمع دموع اليتيم في فيلم أم الهند بأنية اجفاننا ونحن نسجل نبضات قلوبنا المتسارعة على شكل حكاية تجمع بين الحلم والغرام وتعلم كتابة الاغاني والأماني التي يود فيها كل واحد منا ان يتحول الى مهراجا.
مات راجيش كنا الذي كان من بعض ذكريات السبعينيات وجمال ايامها في جعل السينما متعة الروح والغرق في فنتازيا اخيلة زرقاء وبيضاء ومعطرة باللقطات الملونة التي تسرقنا من بيوت الطين الى شوارع دلهي وبومباي وحدائق تاج محل .
لقد كان ( راجيش كنا ) بفتنته الساحرة ورقصه المتقن وصوته الحنون يأخذنا الى اقصى ما نتمناه ونشتهيه بالرغم من الجوع الذي كان يسكن بطوننا .
هذا الهندي المبدع يبقى في خيال الأجيال التي سرحت مع عذوبة صوته ورومانسية مشاهده السينمائية صورة مستعادة في سطر حكاية أو البوم صور لصانع الحلم في اجفان طفولتنا الفقيرة التي كانت الموسيقى الهندية تغذيها بآمال لاتنتهي من أحلام السفر ومجالسة الأميرات والسكن في بيوت من الرخام وليس من الطين الذي ظل يلاصق قدريتنا منذ خليقة سومر وحتى اليوم...!
كان ثمن بطاقة السينما 40 فلسا ، وكان ذلك المبلغ كبيرا على ابائنا وحتى نحصل على متعة مشاهدة الفيلم الهندي ولم يمكن بمقدورنا أن نحصل جميعنا على ثمن البطاقة كنا نجتمع ستة اطفال ونجمع مصروفنا اليومي ليكون اربعين فلسا ونعمل قرعة فيما بيننا والذي يفوز ويذهب ليشاهد الفيلم عليه ان يعود ليقص لنا حكاية الفيلم لاكثر من عشرة مرات وهذا ما حدث لنا نحن أطفال شارع اسديناوية في المحلة الشرقية بمدينة الناصرية ( 360 كم ــ جنوب بغداد ) عندما تم عرض الفيلم الهندي الشهير ( سنكام ) بداية سبعينيات القرن الماضي وكان من بطولة الممثل والمخرج راج كابور والممثل راجندر كومار والممثلة فيجنتي مالا . وكنا نتفاعل من نال الحظ وفاز بمشاهدة الفيلم نيابة عنا وكنا نضحك حين يضحك في المواقف المضحكة ونبكي حين يبكي في المواقف المبكية وأعتقد أن هذه الحكايات وتخيلنا لمشاهدنا دون أن نرى ممثليها هي من منحتنا القدرة مستقبلا لنطالع ونكتب بحرفة بين أن يكون أحدنا شاعراً أو روائياً أو رساماً او كاتباً مسرحياً.
راجيش كنا ، وفيروز خان ، وراج كابور ، شامي كابور ، دليب كومار ، راجندر كومار ، مانوج كومار ، وآشا باريخ ، وهيما ميلاني ، ودارا مندر ، وفاجينتي مالا ..وغيرهم كانوا يمثلون أسطرة لطفولة الجنوب الذي جعلنا نعتقد أن السينما تغذي في أرواحنا الحلم والأمل مثلما يغذي الخبز في ارواحنا الصحة والحياة والأنتصار على الجوع .
مات راجيش كنا ، ومات معه اليأس من عودة ذلك العصر الذهبي لمتعة القراءة ومشاهدة الافلام السينما ، فقد كان ذلك الزمن موشوما ببراءة العيش والبساطة والقناعة .
هو زمن طفولتنا الهندية الذي رسم تحت اجفاننا اول تفاصيل لدراما الجوع والفقر والبحث عن الجمال والغنى من خلال اغنية ورقصة وقصة معذبين ينتتهي قدرهما بالنهاية السعيدة ولكن بعد أكثر من ساعتين من البكاء.
مات راجيش كنا . وسنموت نحن .ويموت الذين يأتون من بعدنا ، لكن العلامات الفارقة في ذاكرة العصور لن تموت .فهي وحدها من تؤرخ للأجيال القادمة الحياة التي كنا نعيشها نحن وسيعيشها غيرنا وحتما سيكون المؤرخ وشاهد العيان تلك الروايات التي كتبت بفطرة وحرفية وبعضها نشر والبعض بقي في ادراج الدفاتر الشخصية ، وفي المحصلة كانت تلك الأفلام من بعض تلك الشهوات التي صنعتها تلك الرومانسية المصحوبة بعطر القصور المغولية والابخرة الهندوسية والتأملات البوذية والكنارات التي تطلق الاصوات العذبة لتمرر دهشة التامل المتسمر امام شاشات السينما ونحن مأخوذين بكل التفاصيل التي كتبت لتجعل الفقير يعيش على امل الحصول على الكنز والمراة الساحرة..! 

المصدر    الحوار  المتمدن