‏إظهار الرسائل ذات التسميات السداسي السادس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السداسي السادس. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 27 نوفمبر 2012

استمارة حول التواصل الافتراضي

كأداة للبحث لإنجاز أطروحة دكتوراه فالمرجوا من كل الأحبة التكرم بالاجابة عن جميع أسئلة الاستمارة بصدق كما يمكنكم نشر الرابط خدمة منكم للبحث العلمي ومساهمة منكم في تشخيص ظاهرة التواصل الافتراضي شكرا لكم مسبقا 
https://docs.google.com/spreadsheet/viewform?formkey=dHJVMGpRYmpoNGh1UXBoeWhSd0FVUkE6MQ
استمارة حول التواصل الافتراضي
docs.google.com

الأحد، 18 نوفمبر 2012

تلخيص لبحث الاجازة: المجتمع القروي والتغير الاجتماعي المرتبط بالتخطيط التنموي.

تحث اشراف: الاستاذ عبد الرحيم عنبي

  يأتي بحثنا لمحاولة التعرف على الانعكاسات الناجمة عن البرامج التنموية في الصورة المجالية والاجتماعية لدوار أسكا، ولتحقيق هذا الهدف كان لزاما علينا السير في دراستنا وفق خطة بحث اشتملت على مقدمة ومدخل عام وفصلين أساسيين:
 فالمدخل العام تناولت فيه سياق العام للإشكالية، ثم قمنا بصياغة فرضيات الشق الميداني، وضحت فيه أهمية البحث وأهدافه، وتناولت فيه كذلك منهجية وتقنيات البحث،والتعريف كذلك بالمجال المدروس،كما عرضنا فيه للمفاهيم الرئيسية في البحث، كما قمنا بتلخيص لأهم الدراسات التي تناولت الموضوع من زوايا مختلفة..
      أما الفصل الأول تناولت فيه تحولات على مستوى صورة مجال وسكن دوار أسكا ويتكون هذا الفصل من محوريين،خصصت المحور الأول لتحولات المجال العام للسكن،تناول في هذا المحور مستويين:مستوى تنظيم المجال القروي،ومستوى طبيعة السكن، أما المحور الثاني فقد تناولت فيه الثابت والمتحول في السكن،حيث تطرقت فيه إلى مستويات التغير والثبات  في السكن.
       أما الفصل الثاني فقد تطرقت فيه إلى صورة العلاقات والأدوار الاجتماعية،وهذا الفصل يتكون من محورين عامين،تناولت في المحور الأول تحول المجال وتغير العلاقات الأسرية وعلاقة الجوار، أما المحور الثاني فقد خصصت تناولت فيه تمدين الفضاء المنزلي وتغير السلوك اليومي للمرأة القروية.
     لنصل في الختام إلى خلاصة تركيبية، لخصنا فيه أهم الخلاصات التي توصلنا إليها، ثم خلصنا إلى مجموعة من المداخل الممكنة التي تبين لنا ضرورتها بالنسبة للتنمية القروية.
خلاصة الفصل الأول:     
   استحضارا إذن  للبرامج التنموية الأساسية التي عرفتها منطقة أسكا مؤخرا، يمكن أن نفسر واقع الدوار حاليا في مستويين، لأن كل التغيرات التي يمكن معاينتها حاليا من تحول السكن في طبيعته وشكله يمكن ربطها بالبرامج التنموية، والتي كانت من نتائجها المباشرة كما رأينا في مستويين:
        في مستوى مجالي: نجد الانتقال من السكن المتجمع إلى السكن المتشتت المحادي للطريق من جهة، وبالتالي تغير شكل الدوار والسكن  وتغير كذلك مواد بنائه من جهة ثانية، وبالتالي من الشكل الهندسي يمكن قياس الدخل الأسري ومعرفة بنياتها ويتضح ذلك من خلال طبيعة والشكل الخارجي للمنزل بأسكا كما يوضح كذلك أن معظم الأسر حاليا بدوار أسكا تتجه نحول السكن المستقيل  مما يدل على أن الأسر تتجه حاليا نحو النووية.
على مستوى الشكل الداخلي للمسكن القروي هناك تحول على مستوى التصميم كما نجد تغير  وتنوع في التجهيزات المنزلية من أواني تشبيه بتلك الموجودة بالمدن، كما نجد داخل السكن الجديد غرف خاصة تستجيب لمتطلبات العصر مثلا نجد ما يسمى بغرفة التلفاز، غرفة النوم الخاصة بالأبناء والزوجين ومكان خاص بالضيوف ووجود مطبخ عصري يطلق عليه محليا ب"الكوزينة"، عوض "أنوال"  ووجود حمام خاص، بموازة مع ذلك هناك تعايش القديم والجديد أي "تغير داخل منطق الاستمرارية" بمعنى نجد هذا التجاور بين أسماء  قروية مع أسماء جديدة قد سبق ذكرها، أي أن  مستويات الثبات نجدها على مستوى تمثل الساكنة للسكن حيث نجد استمرار بعض الأسماء القروية للسكن وبعض الأماكن رغم تحول السكن من حيث شكله ومواد بنائه  مثلا نجد  "لبيت اوكرن" أي غرفة  مخصصة فقط لتخزين الدقيق مازالت مستمرة في الوقت الراهن.
خلاصة الفصل الثاني:
      نخلص في هدا الفصل إلى القول أن المجتمع القروي الافراني عرف تحولات أساسية في عدة مستويات، على المستوى المجالي وعلى المستوى الاجتماعي، وهذه التحولات أفرزت لنا عدة تغيرات  يمكن إجمالها أساسا في: تغير العلاقات الأسرية الاجتماعية: في هذا المستوى عرفت منطقة أسكا تغيرات أساسية في علاقتها الاجتماعية وخاصة في علاقاتها السرية، بفعل البرامج التنموية المنجزة بالمنطقة أثرت في السكن والمجال مما انعكس على بنيات الأسرة حيث وجدنا أن الأسر الإفرانية تتجه هي بدورها نحو الأسر النووية، وتغير كذلك العلاقات بين الأبناء المتزوجين والآباء وهذا ناتج  لعدة عوامل ومحددات سوسيولوجيا التي أدت إلى ظهور ثقافة العزيل، لكن في مستويات معينة سجلنا ووجود مل يسميه الأستاذ عبد الرحيم العطري ب" تغير بمنطق الاستمرارية" أي هناك ووظائف لم تتغير بعد داخل الأوساط الأسرية، خصوصا أثناء الخطر الخارجي هنا سجلنا مستويات الثبات في التلاحم الاجتماعي الأسري .
تغير العلاقات الجوارية الاجتماعية: كما لاحظنا أن الأسر اليوم تنحو لنفسها طريقا نحو ثقافة الانفرادية، والتدبير الشخصاني لبعض المسائل،وبالتالي اندثار لمبادئ التضامن والتآزر بين جميع شرائح  الاجتماعية بالمنطقة، رجحنا هذه التحولات والتغيرات إلى مسألة أساسية وهي تحول في المجال والسكن الذي عرف بدوره تمدين في فضائه الداخلي، بمعنى الانتقال من السكن المتجمع والممتد  إلى السكن المستقيل والمجهزة بمتطلبات العصر والاتصال مع العالم الخارجي عن طريق ووسائل الاتصال .
تغير السلوك اليومي للمرأة القروية:في هذه النقطة وجدنا أن المرأة القروية الإفرانية نحث لنفسها مسار مغايرا لذلك المسار الذي كانت تؤديه في عدة مجالات بالوسط القروي، فوضعيتها الراهن تدل على وجود نوع من الفراغ اليومي ، أصبحت اليوم تقتحم مجالات متعددة كانت في السابق لايمكن لها أن تتجاوزها، حيث ووجدنا تقتحم السوق الأسبوعي، كما وجدنا أن هناك سوق مخصص للمرأة يتم فيه بيع أنواع من الألبسة العصرية، وهذا ما يدل على انخراط المرأة القروية وخصوصا الفتاه في ثقافة الاستهلاك، ويمكن إرجاع هذه المسألة إلى وسائل الإعلام التي أثرت في ثقافة المحلية وخصوصا في على المرأة التي تقضي وقت كبير جدا في البيت بسب الفراغ اليومي، كما تغير علاقة المرأة مع الصحة.
هكذا يمكن اعتماد مؤشر البرامج التنموية نموذجا تفسيريا لمجموعة من التغيرات التي عرفتها منطقة أسكا خصوصا قي مستوياتها الاجتماعية المجالية، وبالتالي التغير الذي عاشته الأسرة القروية يحتوي على عناصر جددت في النسق الثقافي لكي يستجيب لمتطلبات الواقع.
خلاصة وتركيب:
حاولنا في هذا البحث أن نقف على طبيعة العلاقة بين البرامج التنموية التي عرفتها منطقة افران الأطلس الصغير وبالخصوص دوار أسكا خلال السنوات الأخيرة، وقد تبين لنا أن هذه العلاقة هي علاقة ضرورية، حيث ساهمت تلك البرامج وبشكل كبير في التأثير على المجال والسكن، وإيمانا  بضرورة منهجية تقتضي أن هناك عوامل أخرى مرتبطة بالهجرة و المكانة الاجتماعية لبعض الأسر، لا تعدو أن تمثل سواء جزء  ساهمت وبالتالي كان لابد لها أن تتأثر من جراء التغيرات التي عرفها المجتمع القروي المغربي عامة.
     ومن أهم الخلاصات التي توصلنا إليها في هذا البحث هو أن المجال العام للدوار عرف تغيرات كثيرة أصابت شكله بحيث لاحظنا أن هناك انتقال من سكن متجمع إلى سكن محادي للطرق وبالتالي تغير شكل الدوار  من شكل  متجمع إلى شكل  مستطيل أي محادي للطريق هذا من جهة، وتغير طبيعة السكن من جهة ثانية، حيث لاحظنا  أن السكن في بنياته الداخلية عرف تحولات هامة تمس بالأساس التجهيزات المنزلية العصرية  لكن مقابل ذلك رغم هذه التحولات وجدنا أنها تحولات لم تم بشكل تام أو كلي  حيث تبين لنا كيف أن التحول في غالب الحالات في دوار السكن نجده متجاور مع الثابت على مستوى التمثل الاجتماعي للسكن، أي مازال هناك استمرارية لنسق ثقافي متعلق بالأساس بالسكن القروي رغم التمدين الذي عرفه  المسكن بدوار أسكا.
على مستوى المجال ذلك خصوصا بدوار أسكا لاحظنا في بعض الحالات التجاور بين ما هو قديم وماهو جديد، ما هو قديم  وماهو حديث، في التجهيزات المنزلية العصرية وبين الأواني الفخرية...، كما سجلنا كذلك  معطيات ثابتة على مستوى التمثل والمخيل الاجتماعي حول السكن ووظائفه القديمة،رغم تمديد فضائه الداخلي، يعني  الحضور المزدوج للثابت والمتحول في المسكن القروي عند المجتمع الافراني.
      من الناحية الاجتماعية، يمكن أن نسجل بداية انتقال الأسرة من أسرة ممتدة إلى أسرة نووية وتغير العلاقات بين الأبناء والآباء، وتراجع التعاضد العائلي، كما سجلنا تراجع العلاقات بين الجيران بفعل التحول المجالي حيث لاحظنا أن هناك قطيعة مع الجار القديم، وتراجع تلك الزيارات وتبادل الخبرات والتجارب بين الجيران التي كانت تؤطرها ثقافة "تويزي"  ومبدأ التعاون والتكافل الاجتماعي، لكن في مستويات معينة سجلنا معطيات ثابتة رغم التحول والتغيرات التي طرأت على مستوى البنية الأسرية وظهور السكن المستقيل عن الأسرة الأصلية، هذا الثابت لمسناه على مستوى الخطر الخارجي.
وبشكل عام  فان هذه التحولات، والتغيرات التي مست دوار أسكا لا تنفصل بالمرة عن مجموع التحولات التي عرفها المجال الافراني عموما، لكن ما اشرنا قبلا انه رغم هذه التحولات تغير قاطع مع الماضي، حيث يتم تجاور القديم مع الحديث.
 وبما أن دراسة التغير الاجتماعي ليس فقط لمعرفة مستويات الثبات والتحول،بل هو أيضا مسألة ذات رؤية تنموية  مستقبلية خصوصا في العالم القروي الذي يعيش في انتظارية دائمة.
مع ذلك فمن بين المداخل الممكنة لتنمية الوسط القروي خصوصا في منطقة أسكا في نظرنا متعددة وممكنة،نظرا لغياب أي بديل للفراغ الذي تواجهه المرأة ،حيث أن البرامج التنموية خففت من الأعباء اليومية التي تعاني من المرأة، أرى  ومن خلال ما أدلت به جل المبحوثات ضرورة  خلق مشاريع مدرة للدخل خصوصا المنصبة  بالأساس نحو تثمين المنتوج المحلي حيث أن المنطقة غنية من الناحية الموارد الطبيعة، حيث نجد أشجار اللوز،النخيل، أشجار الزيتون، إلى غيرها..، وهذه المنتوجات المحلية إذا تم تثمينها يمكن أن تخلق دخل قار لبعض الأسر الفقيرة، يمكن كذلك أن تحد من هجرة الشباب إلى المدن الكبرى بحثا عن عمل مأجور، وبهذا يمكن أن نضع إستراتجية بديلة لثقافة الهجرة الداخلية من الوسط القروي إلى الوسط الحضري.
      وجدنا كذلك أن في المنطقة لم يتم تفعيل برامج التنمية البشرية، وفي هذا الإطار ينبغي إعطاء أهمية للسياسات المولدة للمشاريع الصغيرة بالوسط القروي والتي تعتمد على القروض والتسهيلات المالية، تلك في نظرنا هي المداخل الممكنة التي يمكن أن تضمن إمكانية تحقيق تنمية وازنة بمنطقة أسكا وافران خصوصا،حيث سجلنا غياب أي تعاونية  مهتمة بالتنمية الفلاحية.


الثلاثاء، 12 يونيو 2012

جاك بيرك : لمحات سوسيولوجي


جاك بيرك : لمحات سوسيولوجي

مُساهمة من طرف الحسين ابوهوش

من بين أهم السوسيولوجيين الذين كان تأثيرهم
واضحا من خلال الدراسات التي قاموا بها ، و التحاليل السوسيولوجية للظواهر
الاجتماعية البارزة في المجتمع المغربي في العقود السابقة نذكر عالم الاجتماع
الفرنسي الأصل، الجزائري المولد جاك بيرك كأحد المفكرين و العلماء الذين أبدوا
حماس كبير لفهم المجتمع المغربي . فكيف يقارب جاك بيرك المجتمع المغربي ؟ هل يمكن
القول على أن الطرح البيركي للقبيلة يوافق الطرح الكولونيالي ؟ ثم كيف تميزت
الدراسات المغربية في تناولها لهذا الموضوع ؟ هل هي مؤيدة أم معارضة ؟


بطبيعة الحال أن هذه الأسئلة تستفز
تفكيرنا ، و تضطره إلى فهم و استيعاب
نتائج هذه الأبحاث ، و هو ما قام به الكثير من المتخصصين السوسيولوجيين
منهم و المفكرين ، الغربيين و المغاربة ، على حد سواء ، على اعتبار أن معظم
طروحاتهم و نماذجهم التحليلية كانت تتعارض فيما بينها ، بل أن بعضها ينتقد الآخر و
يظهره على أنه ليس بالتفسير و التحليل الكافي و الحقيقي للبنية الاجتماعية
المغربية (المجتمع القبلي).


لقد استعمر المغرب بشكل رسمي في 30 مارس 1912
، من خلال معاهدة فاس التاريخية التي بموجبها تم إخضاع المغرب لنظام الحماية ، أو
بالمعنى الصريح للعبارة "استعمار" المغرب ، لقد استعملت الدولة
المستعمرة ، فرنسا على وجه التحديد ، مجموعة من الأساليب ليكون دخولها للمغرب
هينا و ذو تكلفة بشرية و مالية قليلة
الخسائر ، و من ضمن هذه الوسائل و الطرق ،
اتخاذ العلم كركيزة أساسية في فهم هذا المجتمع و تفسير أهم الظواهر و الأسس التي يرتكز عليها ، و البحث عن نقاط
الضعف و نقاط القوة لتدجينها حسب مقتضيات الأهداف العامة و الخاصة للإدارة
الاستعمارية، "هذه الدراسات بدأت قبل الحماية أي قبل سنة 1912- و بعد ذلك
امتدت لعشرات السنين- للتعرف على هؤلاء الناس و المجتمعات التي تريد الإمبريالية
استعمارها . كيف يفكرون ؟ ما هو منطق تفكيرهم ؟ كيف يعيشون ؟"[1] ، و
بالتالي استغلالها و الاستفادة منها بشكل
يسهل عمل الجسم الاستعماري السيطرة
و التحكم في البلاد .


لقد كان لاحتكاك بيرك بمجتمع "المغرب
الكبير" -كما يسميه هو- عن قرب تأثير كبير على إنتاجاته السوسيولوجية ، فقد
تناول الظواهر الاجتماعية التي كانت تميز مجتمعات شمال إفريقيا من كونه فرد ينتمي
لهذا المجال الجغرافي ، لذلك فقد كانت دراساته تصب في مجملها في هذا الإطار . و
انطلاقا من كون المجال القروي هو المجال المهين في تلك الفترة على حساب المجال
الحضري (المدينة) ، فإنه كان من المنطقي أن تصب معظم الأعمال التي أنتجها على
الوسط القروي .


لقد اعتمد جاك بيرك بقوة في تحليله للظواهر
الاجتماعية على التاريخ ،إنه وقبل كل شيء مؤرخ اجتماعي للعالم الإسلامي"[2] ،
"فقد حاول بيرك من خلال تركيزه هذا
على التاريخ الإلمام بكل الجوانب التي تهم حياة المجموعة التي تناولها كموضوع للدراسة"[3] "
فالتاريخ يمثل في آن
واحد المنطق و النتيجة في هذا البحث "[4](يتحدث عن البحث الذي
قام به في كتابه "البنيات الاجتماعية في الأطلس الكبير") . بطبيعة الحال
لم يكن التركيز على التاريخ فقط في مؤلفه السالف الذكر ، بل كان جوهر معظم الأعمال
التي قام بها ، من حيث تناوله للمواضيع الدينية
عند "قبيلة سكساوة" مثلا، و الزوايا ، تاريخ تطور الدولة المغربية منذ مجيء السعديين ... إلى غير ذلك من
المواضيع . لعل هذا الحضور القوي للتاريخ في الأبحاث السوسيولوجية عند بيرك له
دلالات عميقة ، و أبعاد أعمق باعتبار أن أي مجتمع أريد لنا دراسة ظواهره
الاجتماعية يكون من الأفضل فهم تاريخه ، و
التحولات التاريخية التي طرأت عليه . خاصة إذا علمنا أن هذا المجال الجغرافي "للمغرب
الكبير" الذي كان مهد الدراسات التي قام بها بيرك يولي اهتمام كبير لتاريخه .
"فالتحليل الاجتماعي التاريخي هو الذي مكن بيرك من فهم بعض مظاهر السلوك
الجماعي و الخصائص العقلية و النفسية التي مازالت تتحكم بكل وزنها في العلاقة بين
الأفراد و الجماعات ضمن جدلية الصراع الموروث عن الماضي"[5] .


تجرنا أعمال جاك بيرك و الفترة الزمنية التي
عايشها إلى الحديث عن مدى علمية إنتاجاته السوسيولوجية ، خاصة إذا علمنا أن هذه الفترة الزمنية كانت
فترة زاخرة في العطاءات السوسيولوجية و الأنثروبولوجية التي كانت غزيرة أنذاك، لكن
بقدر غزارة هذه الأعمال ، بقدر ما تطرح أسئلة كثيرة عن تجاوبها مع الدقة
الإبستيمولوجية ، والموضوعية في التحليل التي تتطلبها السوسيولوجيا في أي مقاربة اجتماعية ، وفي هذا الإطار فقد
رأى عبد الكبير الخطيبي أن الإنتاجات العلمية السوسيولوجية التي تناولت المغرب هي
في حدود 97 ، بمعنى أن باقي الإنتاجات الأخرى ليست بالعلمية . لقد تدخلت
الأيديولوجيا بقوة و تخللت معظم الأبحاث
التي قام بها هؤلاء السوسيولوجيين الذين تناولوا الظواهر الاجتماعية بالمغرب .
"إن سوء حظ المغرب الحقيقي هو أن تاريخه كتبه لمدة طويلة هواة بلا تأهيل: جغرافيون
أصحاب أفكار براقة ،وموظفون يدعون العلم،و عسكريون يتظاهرون بالثقافة ، و مؤرخو
الفن يتجاوزون إختصاصاتهم، وبكيفية أعم مؤرخون بلا تكوين لغوي أو لغويون و
أركيولوجيون بلا تأهيل تاريخي. يحيل بعضهم على الآخر ، يعتمد هؤلاء على
أولئك،وتحبك خيوط مؤامرة لتفرض الافتراضات البعيدة كحقائق مقررة "[6]. غير أن هذا ليس بمبرر للاستغناء عن هذه
الطروحات و النماذج التحليلية ، "فبالرغم من كون العلوم الاجتماعية
الكولونيالية قد قاربت المجتمعات المغاربية كلها بخلفيات إيديولوجية مستوحاة من
المشروع الاستعماري الذي كان يؤطرها ، فإنها استعملت من الناحية التحليلية
النظريات و الأدوات المفاهيمية التي كانت سائدة في وقتها"[7] ، و على غرار
ذلك يرى أندري آدم (andré adam) أن " السوسيولوجيا
الكولونيالية هي سوسيولوجيا مهمة و لا يمكن تقديرها "[8]. تبرز أهمية هذه
الدراسات السوسيولوجية كون أنه لم تكن هناك نماذج تحليلية بديلة عنها ، بالتالي
الرجوع إلى هذه الأبحاث مسألة لا غنى لنا عنها ، و هو الأمر الذي لا يعطي أي مبرر
للنزوح عن تفكيك مفاهيمها و انتقاد
النتائج التي توصلت إليها .


من الصعب علينا أن نحدد ما إذا كان جاك بيرك ينتمي إلى هذه المجموعة أو لا
، فإذا اعتبرنا موقفه من التدخل الاستعماري الفرنسي و مقاومته لهذا النظام و
المخططات التي قام بها هذا الاستعمار لزرع المعمرين و فتح الأبواب أمامهم لاستغلال
الثروات خاصة في المناطق القروية ،و استفادتهم من الأراضي الصالحة للزراعة على
حساب سكان هذه المناطق ، فإنه من المجحف
اعتبار أن إنتاجات جاك بيرك لها خلفيات استعمارية أو أفكار و تصورات سابقة أو أحكام قيمة وجاهزة كانت له حماسة في تطبيقها على المجتمع المغربي
من أجل تبرير ممارسات الإدارة الاستعمارية اتجاه
المغرب و المغاربة.يعتبر جاك بيرك مع باحثين آخرين "من الفرنسيين
الذين انتصروا للعلم ضد الاستعمار و للمغرب ضدا على فرنسا و لتأسيس معهد للعلوم
الاجتماعية يتكفل بإنتاج الأطر المغربية ضدا على استمرار التبعية الشاملة و الكلية
لفرنسا في هذا المجال"[9].


لقد انتقد جاك بيرك الإدارة الاستعمارية
كثيرا ما خلق له مشاكل في عمله كمسؤول إداري ، مما أدى به في نهاية المطاف إلى "أن
يتحول تحولا جذريا في فكره السوسيولوجي في
المغرب"[10] بمعنى أن خلفيات تحليله
للواقع الاجتماعي بالمغرب انبنت على أساس
تقدمي . فقد كان يظن في البداية أن عمل
الادارة الاستعمارية هو عمل لصالح المجتمع الذي تسيطره عليه و تتحكم فيه ، إلا أنه
و بالاحتكاك اليومي و المعايشة اليومية و الملاحظات التي كان يسجلها اتضح له أن كل
الممارسات و القوانين الاستعمارية المفروضة هي مجحفة لأفراد هذا المجتمع وقد زاد
تأثير هذا التصور بعد تقديم عريضة الاستقلال و تنامي دور الحركة الوطنية في مجابهة
هذا المد الاستعماري .


لقد
كانت أهم إنتاجات جاك بيرك هي التي
تضمنها كتابه " البنى الاجتماعية في الأطلس الكبير" دراسة قام بها على
قبيلة سكساوة ، فقد قدمت له هذه المنطقة فرصة لتعميق أبحاثه السوسيولوجية ، "لقد
اختار بيرك هذه المنطقة بالذات باعتبار أنها لم تعرف أي تدخل للسلطات الاستعمارية
إلى حدود سنة 1927"[11]، على اعتبار أن التدخل الاستعماري في مناطق أخرى قد
غير من بنيتها (نسبيا)و علاقات أفرادها ، فمثلا كان هناك تواصل و علاقات بين
القواد و الإدارة الاستعمارية أمثال لكلاوي ، القائد العيادي ....وكذلك تغير على مستوى بناء المؤسسات التقليدية و تراجعها ،
إذ لم تعد هناك استقلالية للقبائل ، فقد
تم إخضاع أغلبها إما ترغيبا أو ترهيبا أو بالقوة لمطالب الإقامة العامة . بالتالي دراسة منطقة لم يمتد إليها الاستعمار
يعد أمرا مهما بالنسبة لجاك بيرك .


بطبيعة الحال ، كانت قد سبقت دراسات جاك
بيرك دراسات أخرى تناولت مختلف المواضيع التي كانت تؤرق الفكر السوسيولوجي أنذاك ،
و كانت تطرح مجموعة من التساؤلات و الاستفهامات حول هذا المجتمع ، ولذلك فقد حاول
جاك بيرك أن يقيس مدى صحة و إجرائية أحد
أهم النظريات التي هيمنة بشكل أو بآخر على الباحثين الكولونياليين في مقاربتهم
لبنية المجتمع المغربي ، نتحدث هنا عن ظاهرة "اللف" كما قاربها روبير مونطاني .


لقد استنتج جاك بيرك مجموعة من النقاط
الأساسية و اعتبرها مهمة في دراسة مجتمع المغرب الكبير . إذ لاحظ على ارتكاز
القبيلة على الجد الأكبر كأصل مشترك بين
العشائر و العائلات المكونة للقبيلة هو مجرد وهم ، "فقد انتبه باحث حاذق أن
التسمية المشتقة من الجد المشترك تخفي تنوعا كبيرا في أصول السكان ، و من تم عبر
نفس المؤلف عن تشككه إزاء التفسير الذي يعتمد على عامل السلالة الواحدة ، فاتضح أن
الالتجاء إلى الجد الذي ينتمي إليه اسم السلالة هو في الواقع مجرد وهم"[12] .
في الواقع الارتكاز إلى اعتبار أن هناك جد مشترك يجمع مكونات القبيلة له بعد رمزي
أكثر من أي شي آخر يمكن قوله في هذا الإطار ، لأن هناك مجموعة من المحددات
الأساسية التي يجب عدم التغاضي عنها تخفض من أهمية هذا الطرح ، فالحركية
الاجتماعية للمجتمع المغربي سواء العسكرية أو الترحالية أو فيما يتعلق بالغزو ...كلها
معطيات مادية يمكن لها تؤكد ضعف نظرية وجود جد مشترك ، "هناك ظاهرة يبدو أنها
لم تثر انتباه الباحثين الآخرين(...) وهي عملية اختيار الجد ، عندما يتعلق الأمر
بقسمة قبلية تتكون من عناصر لا تنتمي إلى نفس الأصل هذه الظاهرة شديدة الانتشار
تحدث في ظروف الحرب و الغزو ، أو عندما يغير أناس لسبب أو لآخر انتماءهم على مستوى
السلالة أو القسمة القبلية أو القبيلة ، أو على المستوى الجغرافي بالنزوح من منطقة
إلى منطقة أخرى ، في كلتا الحالتين يتم دمج المجموعات المغلوبة و الدخيلة في نسب
الغزاة أو من يمنحونهم حق اللجوء و الضيافة"[13] بالتالي الحديث عن جد مشترك
للقبيلة لا يعدو أن يكون ذا بعد رمزي
يستهدف من خلاله إعلان الفرد انتماءه إلى جماعة معينة أكثر من أي شي آخر بهدف تكوين عصبية للدفاع أثناء تعرض
القبيلة لأي تهديد خارجي.


يطرح عبد الله حمودي نموذجا تاريخيا لقبيلة
آيت عطا في الفترة الممتدة منذ بداية الحماية ، إذ أن هذه القبيلة غزت مناطق و
أراضي و أشجار و واحات متاخمة لها ، و
منحت هذه المناطق (المستوطنات) أسماء هي في واقع الأمر أسماء لبرابر ينتمون إلى
قبيلة آيت عطا ، بالتالي تم دمج سكان المناطق المغزوة داخل قبيلة آيت عطا .


هناك ملاحظة أخرى لجاك بيرك ، تتأسس هذه
الملاحظة على استنتاج جوهري بالنسبة لبيرك ، لقد لاحظ على أن ما يجمع مناطق المغرب
الكبير يرتكز في سماه ب"التواترات" بمعنى هناك روابط تجمع قبائل المغرب
الكبير تنبني على الأسماء ، " تتكرر نفس أسماء المجموعات هنا و هناك عبر مجال
المغرب الكبير إنه تقاطع جغرافي تبلغ كثافته درجة يصعب معها تشخيص الظاهرة على
الخريطة ، فيكفي أن ننزل إلى مستوى العائلات لكي تبرز الأسماء في مواقع غير مرتقبة
، في بعض الحالات تعلل عودة الأسماء محليا بواسطة أحداث تاريخية : التكاثر المطرد
، و التشتت انطلاقا من جذع أصلي و الهجرات..إلخ ، لكن في معظم الأحيان ، يغيب
التفسير أو يضيع . إن نسيج المجموعة في المغرب الكبير هو عبارة عن معادلة تشمل عدة
عناصر مجهولة ، وهذه العناصر هي الأسماء و كل إسم يحيلنا إلى أسماء مماثلة"[14]
، يمكن أن نفسر هذه الظاهرة حسب بيرك انطلاقا من مجموعة من المدخلات الرئيسية
أهمها الحركية الاجتماعية المعقدة التي تميز بها هذا المجتمع طيلة القرون السابقة
، فضلا عن الترحال أو الهجرات سواء بدافع البحث عن الموارد الضرورية للحياة كالماء
أو الأكل ....أو بدافع الإخضاع و الغزو .


لقد اعتبر المنظرون الأوائل للاستعمار أن
المجتمع المغربي هو مجتمع قبلي بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى يعتمد بالأساس على
التقاليد و العادات في تسيير شؤونها الدينية و الاقتصادية و السياسية و حتى
العسكرية ، و ما تعترف به الجماعة و ما تقرره اتجاه القضايا المطروحة ، لكن جاك
بيرك يرى بأنه لا معنى لهذا الطرح طالما أن المغرب يعرف اختلافات جغرافية بالتالي
هذا الاختلاف ينعكس على أداء القبيلة والروابط الاجتماعية التي تجمع بين أفرادها ، "إذ عثر بيرك على تطابق دقيق
بين المستوى الايكولوجي و البنية الاجتماعية بحيث لا يمكن في نظره فهم طبيعة
العلاقات الاجتماعية دونما ردها إلى ما يقابلها على مستوى مورفولوجية الأرض و تبعا
لذلك فإن معالمها و محتوياتها ستعرف من التنوع و التمايز بمقدار ما تتغير التضاريس
"[15] ، بالتالي لا يمكننا الحديث عن أن القبيلة بمفهومها الواسع - بدون تحديد
- هي ما يتميز بها المجتمع المغربي في حين أن القبيلة بحد ذاتها تعني مجموعة من
المعاني ، في هذا الطرح يلتقي جاك بيرك مع عبد الله العروي الذي يرى على أن "
مؤرخي عهد الاستعمار يلد لهم أن يكتبوا أن تاريخ المغرب " تاريخ قبائل" أي
فائدة في هذا القول ما دمنا نعلم أن القبيلة تعني أشياء مختلفة جدا؟ نطلق الكلمة
على تنظيم الرحل الجمالة ، أي على نظام اجتماعي شامل يلائم وحده المحيط الصحراوي
الصرف ، و نطلقها أيضا على سكان الجبال أي على مجموعة قواعد تخص المعيشة و السلطة
و تهدف أساسا إلى ضمان التوازن بين الأسر و نطلقها أخيرا على سكان السهول و الهضاب
، أي على تنظيمة أسامي و رموز تصلح فقط لتصنيف التجمعات السكنية ...كلمة واحدة
نعبر عنها عن مضامين مختلفة ، كلمة مجردة إذن من أي مضمون محدد ، فكيف نستطيع أن
نفسر بها الأحداث ؟"[16].





Publié par Abkarinyo

"السوسيولوجيا بالمغرب: البدايات والتطورات"


الباحث السوسيولوجي المختار الهراس يصرح:
يجب تكثيف البحث العلمي لتشخيص الواقع الاجتماعي.
حاوره: شكري عبدالدايم
أفردت شعبة السوسيولوجيا بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة عبر طلبتها وأساتذتها وعلى مدار هذا الموسم الدراسي2006_2007 ) مساحات للقول السوسيولوجي. انتظم في شكل ندوات، أيام دراسية كان أخرها يوما دراسيا أطره ثلة من الأساتذة الأكفاء :عمار حمداش محمد دحمان عبدالرحيم العطري عبدالرحيم عنبي محمد المرجان ادريس كرم المختار الهراس هم ضوعه "السوسيولوجيا بالمغرب: البدايات والتطورات".
على هامش هذا اليوم، اقتنصنا الباحت السوسيولوجي الهرس لنباشر معه بعضا من شقاوة السؤال السوسيولوجي فخصنا بالحوار التالي :
سؤال: كيف يمكن للسوسيولوجيا أن تسهم في التأصيل لأسئلة الاجتماعي، مع مراعات ضرورة فهم وتفهم ما يعتمد بالبنيات العميقة للمجتمع من تحولات متتالية لم تأخذ بعد شكلها النهائي؟ وما الذي تمنحه الأدوات والمناهج السوسيولوجية من إمكانيات لقراءة هذه التحولات وتفكيكها؟
جواب: أولا يجب العمل على تكثيف البحث العلمي لتشخيص الواقع الاجتماعي والتغيرات التي تجري الآن في واقع المجتمع المغربي. طبعا لمعرفة السيرورات التي تجري حاليا في مجتمعنا وآلياتها، ينبغي في نظري اعتماد مقاربة منهجية شاملة تستند إلى تقنيات كمية وكيفية في آن واحد. يعني استعمال الاستمارة لدراسة الواقع، وفي نفس الوقت تنويع التقنيات المنهجية وتنويع المصادر أي أن تكون هناك معرفة بالمجتمع صادرة عن الإحصائيات توظيف الصحافة (المقالات الصحفية، البحث الوثائقي).
إلى جانب العمل على إنتاج معطيات جديدة عن طريق العمل الميداني بشقيه الكمي والكيفي.

سؤال: هل يمكن أن نتحدث عن تراكم سوسيولوجي مقعد لمدرسة مغربية في علم الاجتماع؟ وهل تمكنت هذه الأخيرة إن وجدت من خلق قطائع ابستومولوجية من داخلها في مقاربة الجسد الاجتماعي المغربي؟
جواب : أنا لا أرى لحد الآن مدرسة سوسيولوجية مغربية. ما يوجد لحد الآن مساهمات سوسيولوجية هامة؟ تأخذ في اعتبارها السياق الاجتماعي والثقافي، التاريخي المغربي. فالسوسيولوجين المغاربة لم يعودوا يسقطون نماذج نظرية ومنهجية أجنبية على مجتمعهم بل نجحوا إلى حد بعيد في تكيف هذه المقاربات النظرية والمنهجية مع الخصوصيات الاجتماعية والثقافية لمجتمعاتهم، إنه لا يمكن الحديث عن مدرسة بقدر ما يمكن الحديث عن توجه نحو بناء هذه المدرسة بخصوصياتها الدالة عليها.
سؤال: ما الذي يمنح للسوسيولوجيا جدواها الآن؟
جواب: أنا في نظري المساهمة الفعلية في تسليط الضوء على المجتمع وحل مشاكله. فالمجتمع والدولة والمجتمع المدني سيحسون جميعا بأن السوسيولوجيا لابد من وجودها وضرورية بالنسبة لهذا المجتمع، كلما اقتنعت هذه الأطراف بجدوى هذا العلم وذلك بإجراء بحوث ميدانية ذات جودة عالية، سيسهم ذلك في لا محالة في خروجهم من العمى إزاء ما يوجد في مجتمعهم. بحيث أن السوسيولوجيا تمكن من التعريف بالمجتمع والمساهمة والفعل في حل مشاكله، إنها تقدم حلول لبعض المشاكل التي يعاني منها المجتمع.
سؤال: كيف يمكن للجامعة الآن، أن تسهم في تعميق تواصل علمي/معرفي مع المجتمع؟
جواب: يجب بناء شراكات مع المجتمع المدني والمؤسسات الدولية، الجامعات الدولية حيث أن الجامعة إذ لم تنفتح ستموت ، تقوقعها على ذاتها معناه التأخر ، فتطور الجامعة يستدعي الانفتاح على الشركاء بمختلف أصنافهم.
سؤال: هل يمكن للأستاذ الهراس أن يشركنا معه في أخر ما يعتمل بذهنه من أسئلة تهم واقع الحال والمآل بالمغرب؟
الجواب: المجتمع المغربي يتغير بسرعة، وهذا التغير يستدعي تكثيف البحث لمعرفة ما ينتج عن هذه التغيرات من آثار وانعكاسات ونتائج.
أعتقد أن الآفاق بالنسبة للمجتمع المغربي واعدة، لأن لا يمكن الحديث عن تنمية هذا المجتمع دون اعتماد تنمية بشرية تتناول الإنسان في كل أبعاده الاجتماعية والاقتصادية، أعتقد أنه كلما أصبح الإنسان في مركز السياسة التنموية في المغرب، فإن ذلك سيدعوا إلى الكثير من التفاؤل بخصوص المستقبل

الأربعاء، 6 يونيو 2012

عبد الله حمودي منتقدا الانقسامية




(الانقسامية من بين النظريات التي تمارس إغراء كبيرا على الباحثين في ميدان المجتمع القروي بالمغرب)
عبد الله حمودي.
(ومن الواضح أن الروابط العرفية، والدينية (الزوايا) والحرفية قابلة لقسط من حرية اختيار الانتماء، كما يمكن بطقوس خاصة تغيير الانتماء القبلي، والخروج من زاوية والدخول في أخرى. وباستثناء حرية العقيدة، فقد كان هناك مجال للاختيار، وحتى العقيدة لا يمكن أن نقول بأن اعتناقها كان يتم عند جميع الأفراد والفئات بشكل يمنع النقاش والتساؤل منعا كليا. وكل هذا يفند النظرية الانقسامية من حيث نظرتها إلى الأفراد والفئات، وكأن سلوكاتهم مسيرة من طرف ميكانيكية عمياء.)
عبد الله حمودي
بعد تناولنا للنقد الذي صوبه عبد الله العروي باتجاه الأطروحة الانقسامية، يمكن أن نسجل في هذا السياق أن من أبرز نقاد النظرية الانقسامية يمكن ذكر: عبد الله حمودي، هنري منسون، ديل أيكلمان، جاك بيرك، عبد الكبير الخطيبي، فجميعهم يسجلون افتراضية النموذج الانقسامي وجهوزية أفكاره وأحكامه.
يعد عبد الله حمودي من أوائل منتقدي النظرية الانقسامية، إذ ظهرت أولى مقالاته بهذا الخصوص سنة 1974(المقصود هنا مقالته: “القداسة والسلطة والمجتمع”). ويعيد أسباب ذلك النقد إلى كون الانقسامية تفسر السلوك الإنساني بإرجاعه إلى التأثير اللاشعوري لعوامل بنيوية، فيما تبين التجربة الميدانية أن المجتمع يعتمد أنماطا ومداخل متعددة للتعاطي مع محيطه وظروفه وحاضره ومستقبله. فالمجتمع البدوي ليس بالضرورة رهين التقليد الآلي، إنه مجتمع يتصرف وفق قواعد تواصلية تعتمد التاريخ والذاكرة والمعرفة والحوار. فيما كانت المقاربة الانقسامية مقيدة برؤية بنيوية جامدة لا تعترف للتاريخ بأهميته.
ركز عبد الله حمودي في تناوله للانقسامية على مناقشة غلنر حول ثلاث نقط رئيسية وردت في كتابه الأخير المعروف ب”صلحاء الأطلس”:
أولا: مسألة النسب ودوره في تحديد هوية الفئات الاجتماعية.
ثانيا: التراتبية الاجتماعية وإشكالية السلطة السياسية، (حيث تبنى غلنر موقفا نظريا حال دون إدراكه لتمظهرات التراتب الاجتماعي وتأثير ذلك على الجانب السياسي).
ثالثا: وظائف الصلحاء وأدوارهم السلمية والسياسية (الصلحاء الذين لا ينحدرون من نسب شريف).
السؤال المركزي في كتاب غلنر يتعلق بكيفية الحفاظ على الأمن والاستقرار في المجتمع الانقسامي؟
بالنسبة إلى غلنر، فإن الاستقرار والأمن يتم تحصيلهما من خلال توازن العنف وما تفرضه آلية التحكيم التي يمارسها الصلحاء بنوع من الاعتدال.
كما تتميز قبائل الأطلس بغياب التراتب الاجتماعي وانعدام تقسيم العمل وضعف القيادة بسبب البنية الانقسامية وهيمنة الصلحاء.
نظرية غلنر برأي عبد الله حمودي تموقع الأولياء خارج السياق المجتمعي، وهو من ثم لا يميز بين هامشية معيارية وهامشية اجتماعية. الأولياء يوجدون في صلب البنية الاجتماعية وليسوا كيانا هامشيا.
كما يفند عبد الله حمودي أطروحة غلنر حول مسألة التراتبية الاجتماعية بتقديم نماذج قبلية تمارس الكثير من الهيمنة من خلال دمج الغير في تنظيم اجتماعي “غير منصف”. إن هناك هرمية لا يمكن التغاضي عن ملاحظتها في القسمات الاجتماعية، وإن الصلحاء جزء من ذلك التراتب الهرمي. كما أن ما يصفه إرنست غلنر انتخابا لزعامة القبيلة يعتبره عبد الله حمودي “تعيينا”، فيما هذا التعيين يقوم على أساس الجاه والنفوذ (النسب والثروة) الذي لا يتأتى إلا للنواة المؤسسة للقبيلة، وبالتالي هناك إقصاء لبقية الشرائح بعكس ما يدعيه كلنر.
بينما يعلق حمودي على فكرة غلنر حول وظيفة الصلحاء في ربط القبيلة بالمجتمع الإسلامي بحكم موقعهم ونفوذهم الديني، إذ يعتبر أن الأولياء يتجاوزون تلك الوظيفة الإيديولوجية والدينية، حيث يساهمون في الدمج السياسي على مستوى الرهانات المحلية من جهة وعلى المستوى المركزي في علاقة بالمخزن من جهة ثانية.
من جهة أخرى تساءل حمودي حول الوظيفة السلمية والحيادية للأولياء، إذ من خلال الوقائع والروايات تبين أن لهؤلاء عبر التاريخ أدوارا عسكرية يصعب تفسيرها وتحليلها في ضوء النظرية الانقسامية. إن الولي يستغل الالتباس القائم بين القداسة والسياسة لينخرط في معركة السعي إلى الحكم. ويزيد على ذلك الاستشهاد ببعض الوثائق والرسائل والمخطوطات التي تكشف عن طبيعة العلاقة المعقدة بين الولي والمخزن. ولذلك يعتبر حمودي أن من الأفضل تتبع الحركية التي تقود الولي من الوظيفة السلمية إلى النشاط السياسي، ومن ثم إلى الاستيلاء على السلطة.
ينطلق غلنر من نظرية التوازنات الانقسامية في التنظير ليس فقط للمجتمع المغربي بل لمجتمعات العالم العربي والإسلامي ككل. ويصف غلنر تلك التوازنات التي تبسط الأمن بكونها آليات من نمط هوبزي (نسبة ل: هوبز). مع أن غلنر يغفل عن مفعول الفروقات الاجتماعية التي يحدثها انضمام الغرباء لسبب من الأسباب، ثم تعود للانسحاب فتتعرض في إثر ذلك فكرة الانقسامية للارتباك والتناقض لأن آلية التوازنات تتعرض للاختلال.
منطلقا من اعتبار القبيلة لا تعدو كونها مجرد لغة يتم تداولها، ينتقد عبد الله حمودي اعتبار القبيلة الوحدة الأساسية في المعاملات، حيث حولت الانقسامية بطريقة ميكانيكية وظائفها (يمكن الرجوع إلى الاجتهادات النظرية التي توصل إليها كليفورد غيرتز لتمييز الفارق بينها وبين الانقسامية من خلال نظام المبادلات الاقتصادية). يتفق عبد الله حمودي مع رأي عبد الله العروي عندما يعتبر أن غلنر ضمن مقاربته مفارقة أضرت بالتحليل الانقسامي، عندما همش معطيات التاريخ.
ويمكن أن نلخص انتقادات عبد الله حمودي للانقسامية عند غلنر في العناصر التالية:
عدم الاعتناء بتفاصيل الحياة اليومية للمجتمع (يعود ذلك بحسب تحريات حمودي إلى عدم استقرار غلنر المتواصل بالمنطقة المدروسة، وتنطبق هذه الملاحظة على أغلب الباحثين الانقساميين الذين لا يدققون في مصادرهم ولا يعملون على تنويعها).
إغفال تعدد الروابط واختزالها في البنية العشائرية للقبيلة.
توصيف ميكانيكي للممارسات والمؤسسات.
توصيف أحادي وسكوني للنظام القبلي لا ينتبه للتحولات العميقة التي طرأت على هذا النظام.
إغفال معطيات النظرة القبلية ل: النسب والمساواة والتحالفات التي تتبدل أحجامها وفقا لظهور أو اختفاء التناقضات الداخلية.
إغفال سيرورات العلاقة بين المخزن والقبيلة.
دور الأولياء يتعدى وظيفة الوساطة ولا يكتفي بها.
اندراج القبيلة في سيرورة التاريخ ما قد ينتج من صلبها الدولة والمخزن في بعض الحالات.
* باحث في السوسيولوجيا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.

السوسيولوجيا الكولونيالية : مساهمة في أصولها واتجاهاتها


المحاور الكبرى للعرض
السوسيولوجيا الكولونيالية : مساهمة في أصولها واتجاهاتها.
نقد السوسيولوجيا الكولونيالية والتأسيس العلمي للانتروبولوجية
الأطروحة الانقسامية
العائلة الفاسية بالمغرب في بداية القرن20 نموذجا

السوسيولوجيا الكولونيالية : مساهمة في أصولها واتجاهاتها:
لقد استهدفت الدراسة السوسيولوجية الكولونيالية في شمال إفريقيا المجتمعات المغاربية في لحظات مبكرة من التاريخ وكان في ما لحقته المجتمع المغربي، بحيث شكلت مقاربة جديدة في ربوع بلاد المغرب، فلإرث السوسيولوجي يكشف لنا اقتران ظهور البوادر والإرهاصات الأولى للسوسيولوجية الكلونيالية في مهد أطماع الدول الأوروبية، وخاصة المعسكر الفرنسي الذي رصد مجمل الظواهر الاجتماعية على جميع المستويات بما في ذلك الروابط الاجتماعية ولأسرية والقبلية، وكذلك علاقة الدولة بالمجتمع وأدوار القبيلة والعلاقات النسبية ودور بعض الفئات الاجتماعية كالفلاحين، المرأة، الشباب، كما كان الاهتمام منصبا على الظاهرة الدينية .
إن ما تم ذكره آنفا شكل أهمية كبيرة في دراسة المجتمعات المغاربية والمجتمع المغربي على وجه الخصوص، فبفضل الحركات الأوروبية نحو شمال إفريقيا في أواسط القرن 19 وقبلها في الجزائر بعقدين من الزمن ساعدها ذلك على تحصيل تراكم معرفي كمي ونوعي مهدا الطريق نحو السوسيولوجيا الكولونيالية إلى جانب الأبحاث والدراسات التي أنجزتها البعثات العلمية التي تمثلت في بعض الرحالة والقادة العسكريين والسوسيولوجيين، ونستحضر في هذا الجانب احتلال الجزائر كما سبق وأشرنا إلى ذلك واحتلال تطوان والتطور العلمي خاصة في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، "فقد مكن احتلال الجزائر فرنسا بالفعل من تطوير وتعميق معرفتها بالبلدان التي ستحتلها، وقد ساهم في تبسيط ذلك الشبه البليغ بين البنيات الاجتماعية للبلدان المغربية حينئذ، كما أتاحت المعطيات المستخلصة بالجزائر للسوسيولوجيين والمؤرخين تكوين جهاز نظري قابل للنقاش بلا شك لكنه سهل معطيات مهمة حول المغرب" .
وقد جاء تعميق وتأكيد الأطماع الاستعمارية وانشغال السوسيولوجية في تأسيس مدرسة للأدب بالعاصمة الجزائر سنة 1879 تحت إدارة renne basset المخبر الرئيسي للمفكر الكولونيالي حول المغرب العربي ولعبت السنوات الأولى من القرن 20 تأسيس بعثة علمية* خاصة بالمغرب، بعد اقل من ثلاثين سنة من تأسيس مدرسة الجزائر وكان ذلك تحديدا سنة 1904 دورا هاما في السوسيولوجية الكولونيالية ويقول في هذا الصدد المكي بنطاهر والتباري بوعسلة، "كان لتأسيس هذه البعثة العلمية تحولا مؤسساتيا في الدراسة السوسيولوجية والاثنولوجية بالمغرب حيث تراكمت المعرفة المؤسساتية في واقع استعماري محض بهدف الاهتمام بمآل المجتمع المستعمَر فمنذ 1904 تعمقت القناعة الوضعية بمساهمة للعلوم الاجتماعية في توجيه السياسة الأهلية أو ما يطلق عليه P. Indigène فتعرف مركز السوسيولوجيا .
ولعل قبل ذلك بقليل بدأت عمليات الاكتشاف المغرب عن طريق استعمال المعرفة إذ يعد في هذا الجانب كتاب المغرب المجهول لمولييراس الذي ظهر منه الجزء الأول سنة 1895 أول بحث إتنولوجي يتناول جزءا كبيرا من العادات والتقاليد التي كانت سائدة في المجتمع المغربي، كتاب يأتي ضمن سياسة أشرف على توجيهات الحاكم العام في الجزائر كامبون والذي عرف عنه الميل إلى استقلال العلوم الاجتماعية في تنفيذ سياسات الاحتلال مستفيدا من التجربة الفرنسية في الجزائر كما يقول الباحث السوسيولوجي محمد الغيلاني .
كما لا يمكن تجاهل دراسة شارل دوفوكو بعنوان Reconnaissance au Maroc خاصة ما تعلق منها بيهود المغرب إذ يعدها بيرك أهم إنجاز ولو بالمقارنة مع ما تلاها، ودراسة لوبلاي لحياة حرفيي طنجة 1877 وغيرها... ولوشاتولي حول قبائل الجنوب الغربي للمغرب .
وعموما يتضح بأن حياة السوسيولوجيا الكولونيالية انطلقت من احتلال الجزائر مرورا بمجموعة من الأبحاث والدراسات وتأسيس مدرسة الأدب بالجزائر سيتم بتأسيس البعثة العلمية 1904 التابعة للبحث السوسيولوجي الكولونيالي لينطلق مسلسل التغلغل في المجتمع، فما هي إذن توجهات البحث لهذه البعثة العلمية؟.
لعل أبرز ما يمكن أن نشير إليه هو أن تجربة البعثة العلمية هي تلك التي دشنها ميشوبلير (1930/1853) الذي تحمل مسؤولية إدارة البعثة سنة 1907 حيث كانت جهوده الشخصية ذات قيمة جوهرية على المشروع الكولونيالي خصوصا على مستوى إعداد المونوغرافيات، بحيث عرفت البعثة تحت إدارته على الإنتاج ويتعلق الأمر هنا بإعداد جملة من المصنفات والمحفوظات من قبيل مدن وقبائل المغرب، الأرشيفات المغربية، الأرشيفات البربرية ، ويذكر عبد الكبير الخطيبي أن كما كبيرا من تلك الوثائق والأرشيفات تم ترحيلها قبيل خروج الفرنسيين من المغرب ما يحرم المؤرخ المغربي من كتابة تاريخ حقيقي عن بلده .
لقد كان ميشوبلير إضافة إلى ذلك أول ما انتبه ودعا إلى توظيف الثنائية العرب /البربر وهي الثنائية التي استندت عليها الحماية لتغلغلها، وتلك الأطروحة عرفت أوج تبلورها مع صدور الظهير البربري سنة 1930 كوسيلة للهيمنة الكلولونيالية، هذه الثنائية ذات البعد العرقي ستأخذ أبعاد أخرى في أبحاث ميشوبلير وغيره من الباحثين الكولونيالية لما لها من نتائج عميقة ومؤثرة عندما بدأ الحديث عن بلاد السيبة، وبلاد المخزن والدعوة إلى المحافظة على هذه الثنائية في السياسة الكولونيالية لما لها من نتائج عميقة ومؤثرة في عمليات السيطرة الفرنسية على المجتمع واضعا في الدولة وإنهاك قواها .
وقد انطلق روبير مونطاني بناء على هذه الثنائيات التي تتحكم بالنظام الاجتماعي السياسي بالمغرب (1952/1893) والذي كان مشرفا على القسم السابع المتخصص في الاتنولوجيا والسوسيولوجيا المغربية التابع لمعهد الدراسات العليا المغربية الذي حل محل البعثة العلمية سنة 1925 وقبله تحت مسمى شعبة سوسيولوجيا الشؤون الأهلية.
لقد كلف روبير منوطاني من طرف الجينرال اليوطي بدراسة أصول السلطة عند القياد الكبار ودراسة القبائل المتمردة في الجنوب المغربي وهي قبائل معروفة بتنظيماتها المميزة والمحكمة، "لكن روبير مونطاني* بخبرته اهتم بدراسة القبائل البربرية في منطقة سوس بالجنوب المغربي، وأعطانا صورة حول مسألة تداول السلطة داخل القبائل وسبل الهيمنة للحصول على الحظوة داخل المنطق القبلي التي تقود بدورها إلى التمثيل المزدوج "لأمغار" كزعيم للقبيلة و"كقايد" يحوز على ثقة المخزن" .
وعموما يتضح بأن مساهمة السوسيولوجيا الكولونيالية بالمجتمع المغربي يتداخل فيها الفضول العلمي، والنكهة الأيديولوجية لتشكيل مميزات علوم اجتماعية في خدمة السياسة. ولم تكن معرفة مكونات المجتمع المغربي تنطلق من موضوعية علمية تستهدف معرفة جيدة للمجتمعات غير الأوروبية فحسب، بل من أجل غاية سياسية تغير أحيانا بعض مميزات الواقع الاجتماعي لصالح التصورات الاستعمارية، وتنساق أحيانا أخرى مع التبسيط والتمركز الإثني.

نقد السوسيولوجيا الكولونيالية والتأسيس العلمي للانتروبولوجية:
تعتبر الدراسة التي قام بها جاك بيرك (1995-1910) تحت عنوان" البنيات الاجتماعية في الأطلس الكبير" من بين الدرسات التطهيرية التي انتقدت السوسيولوجيا الكولونيالية، حيث اعتبر هذا الأخير أن الأبحاث الكولونيالية دنست السوسيولوجيا مما دفعه إلى إعادة النظر في روابط العلاقة بين الشرع والعرف مبرزا طبيعتها التجاذبية وعجز السوسيولوجيا الكولونيالية عن استيعاب وفهم تلك الطبيعة. حيث حاول جاك بيرك التشكيك في كل خلاصات وفرضيات السوسيولوجيا الكولونيالية إنطلاقا من إعادة صياغة مفهوم القبيلة وانتماءاتها القرابية ( مفهوم الجد المشترك مفهوم وهمي)، وانطلاقا أيضا من علاقة الإقتصادي بالإجتماعي نافيا بذلك مركزية السياسي كما كانت تدعي السوسيولوجيا الكولونيالية.
وهكذا حاول جاك بيرك أن يمارس نقدا ذاتيا للسوسيولوجيا الكولونيالية وأن يدشن البدايات الأولى لتقويم وتقيم النماذج التحليلية لذلك الإرث السوسيسولوجي المرتبط بمرحلة تاريخية .
وتجدر الإشارة هنا أن الدراسة الانتروبولوجية كعلم لم تتأسس إلا منذ اللحظة التي ألغى فيها الباحتون المقاومة التي يبدونها لسماع الاخر ودراسته لغته وأعرافه وأنماط حياته، وهكذا انتقد "بواس"Boas مفهوم العرق واستقلاليته كعامل مفسر للظواهر الثقافية، كما اقتنع "رادكليف براون" و"مالينوفسكي" بأنه من الضروري أن يمر البحث الإثنولوجي بمعرفة لغة الغير وأعرافه، وأولى لحظة نقدية في هذا الإتجاه مثلها رفض الدراسات الأنتروبولوجية التقافية في القرن العشرين لفكرة العرق والتمييز العرقي بين الجماعات الإثنية على أسس الخاصيات العرقية والفيزيولوجية، فلا وجود لتفوق عرق على آخر على أساس بيولوجي أما فيما يخص الاختلافات الملاحظة بين المجتمعات فترجع أساسا إلى معطيات تاريخية وبدل الاتجاهات السوسيولوجيا الكولونيالية صاغت الانتروبولوجيا الاجتماعية والتقافية لنفسها بديلا علميا أساسه :
1ـ أن كل ثقافة هي استجابة لحاجيات بيولوجية خاصة بمجموعة إثنية أو قبلية أومجتمع معين، ولأجل ذلك يكون البحث في الأسس البيولوجيا للتقافة أهم شيء كما أكد مالينوفسكي. 2ـ لا وجود لفكرة المجتمع البسيط أو البارد أو المتوحش إلا في ذهن الإيديولوجيا الإستعمارية أو العنصرية وفي هذا الصدد يقول: "كلود ليفي ستروس" نعرف أن كلمة "بدائي" تدل على مجموعة واسعة من الأهالي لم يعرفوا الكتابة وأزيحوا من مجال الدراسات التي يقوم بها المؤرخ فلم يصلهم توسع الحضارة التقنية إلا في عهد قريب، هم إذن أهالي بعيدون كل البعد بفعل بيئتهم الإجتماعية وتمثلهم للعالم عن المفاهيم التي يعتبرها الاقتصاد والفلسفة السياسيين كمفاهيم أساسية عند دراسة المجتمعات.
ويضيف منتقدا هذا الرأي بقوله : أن الشعب البدائي ليس شعبا متخلفا أو متأخرا لكونه قد يكون شاهدا على وجود فكر يتميز بالإبداع والإختراع يتجاوز ما يبدعه الإنسان المتحضر اليوم. ومن جهة أخرى ليس الشعب البدائي مفتقدا للتاريخ رغم أننا نجهل عن هذا التاريخ كل شيء وذلك بسبب غياب الوثائق...
3 ـ أن كل تقافة تشكل عالما أو منظومة نسقية من المعايير والقيم والتمثلات والانشطة والعلاقات الإجتماعية... ومعنى هذا أن وراء كل ثقافة توجد أنساق إجتماعية وبنيات تقافية معقدة تدل على خصوصية الحياة البشرية في هذه المستويات وتتجلى هذه الخصوصية لتلك المجتمعات في : المستوى الإجتماعي الذي تتحكم فيه الأنساق الإجتماعية القاعدية لقيام هذه المجتمعات أهمها الأسرة ونظم القرابة والتربية وأنظمة السلطة الدينية والسياسية وأنظمة الإعتقاد والتمثل والتخيل... ثم مستوى بناء الشخصية أو الهوية التقافية للفرد وهنا تتفاعل كل أنظمة المجتمع في عملية التنشئة الإجتماعية للفرد.
بالإضافة إلى المستوى السياسي ويهم أنشطة السلطة والتراتبية والعنف الرمزي داخل هذه المجتمعات. وأخيرا المستوى الديني الميتولوجي ويعطى ثقافة شاملة لتمثل هذه المجتمعات للعالم .
ومن المار ذكره يمكن القول أن الظاهرة الإجتماعية لاتكتسب قيمتها من ذاتها بل قياسا إلى باقي ظواهر النسق الجمعي ككل وهذا ما يؤكده العالم الأنتروبولوجي "إيفانزبريتشارد" حيث اعتبر أن الانتروبولوجي يدرس المجتمعات باعتبارها شاملة لكيانات أو أنساق جزئية تتداخل فيما بينها كالبيئة والاقتصاد والمؤسسات السياسية...
وهكذا سوف تبدأ السوسيولوجيا الأنجلوساكسونية في الفترة 1960 في اكتشاف المجتمع المغربي من خلال فرضيات وأطر تحليلية تنتمي إلى الأطروحة الانقسامية وهذا ما سيتم التطرق إليه في مداخلة لاحقة.
عن النماذج النظرية والمناهج العلمية التي حاول من خلالها الباحثون والدارسون الأنتروبولوجيون دراسة المجتمعات الغير الأوربية أو التي أسمتها بدائية ظل شبه غائب إن لم يكن منعدما في فترة سادت فيها النزعة المركزية حول الذات – الذات الأوربية- إننا إزاء خطاب مهووس


الثلاثاء، 5 يونيو 2012

كرنفال في المغرب العربي حول كتاب «الضحية وأقنعتها

كرنفال في المغرب العربي

حول كتاب «الضحية وأقنعتها»

ةترجمة: محمد أسليـم



نشر العرض الحالي بلغته الأصلية في La quizaine littéraire, n° 534, 16-30 juin 1989، ونشرت ترجمته إلى العربية في الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي، الأحد 9 يوليوز 1989، العدد: 285.



من سوء حظ الإثنوغرافيين المتمسكين دوما بإنتاج خطاب حول المجتمع الذي يلاحظونه أنهم لا يعثرون دوما على خطاب يكونه هذا المجتمع عن نفسه ويرفقه بشرحه (ص. 24). ويعد الكتاب الذي نشره مؤخرا الأنثروبولوجي المغربي عبد الله حمودي نموذجا متميزا على قدرة ثقافة من الثقافات على صياغة خطاب في منتهى الجلاء عن نفسها وتقديمه لمن أراد الإنصات إليها.

في إحدى القرى الأمازيغية المغربية اسمها إيمين تاسانت، لكن أيضا في العديد من مناطق المغرب العربي، يتم تخليد احتفال سنوي ذي مظهرين متناقضين في الظاهر: يوم عيد الأضحى يذبح القرويون أضحيتهم مثلما يفعل مسلمو العالم بأسره في هذا اليوم، لكن ما أن يحل الزوال حتى ينطلق تقنع (mascarade) جامح سغير لمدة عدة أيام جميع القواعد السائدة والمعتادة. أي صلة تربط عيد الأضحى بالتقنع؟ ! يقوم مشروع الكتاب على إظهار كيف أن هذين المظهرين المتناقضين ظاهريا إنما هما متلاحمان في العمق تحت علامة التناقض الوجداني (l’ambivalence).

يبدأ هذا التناقض من تاريخ الاحتفال نفسه؛ ففيما يندرج العيد الإسلامي في التقويم القمري ويتنقل في السنة الشمسية يتأصل التقنع في إيقاع شمسي، وبالضبط في وقت نضج الذرة، وهذا طبيعي لأنه يستدعي الخصوبة الطبيعية. إلا أنه بالتحامه مع العيد الأضحى سيجد نفسه قد انتقل إلى التقويم القمري.

يصف الكتاب الاحتفال بالعيد الأضحى بعناية متناهية، التحاق جماعة المصلين بالمصلى، إلقاء خطبة العيد، إقامة الصلاة، ثم قفول الجماعة إلى القرية وأخيرا ذبح الأضحية في كل منزل. كما لم يفت الكتاب تسجيل، وبعناية كبيرة أيضا، خصوصيات العادة الأمازيغية وكذا عدة نقط متعالقة مع التفسير الذي سيسوقه لاحقا. غير أن الأمر هنا لا يتعلق سوى بالجانب الكوني في ممارسة إسلامية. أما الموضوع المركزي في الكتاب، فهو أساسا مزاوجة هذه الممارسة بتقنع، هذه المزاوجة التي ستتخذ كمواد أولية فراء الحيوانات التي تمت التضحية بها في الصباح.

كم هي كثيرة حقا الممارسة التي ستلي احتفال العيد، والتي أعاد المؤلف بناءها بعناية موظفا أداتين دفعة واحدة: الملاحظة المباشرة، ثم شهادات الإثنوغرافيين القدماء (مولييراس، دوتيه، لاووست، ووسترماك) الذين لم تفتهم ملاحظة هذه الممارسة وتفسيرها، كما سنعود على ذلك بعد قليل. لنحاو لالآن أن نلخص الخطوط الكبرى لهذا التقنع الذي ستحرَمُ الأجيال المقبلة دون شك من الاستمتاع بمشاهدته.

أودع المؤلف وصفه للتقنع ف يأربع «علب» ليفي ستروسية (نسبة إلى ليفي ستروس). تتضمن العلبة الأولى التي، تحمل اسم «تحركات في الكواليس»، وقائع الاستعداد للاحتفال التي تجري في ملحقة المسجد، حيث يتم تعيين شخصيات التقنع الأساسية وتنكيرها. ويعد بلماون، وهو شبه حيوان فاحش ذو قائمتين، الشخصية الرئيسية. يتنكر بفراء الحيوانات المنحورة في الصباح، ويتقمصه عادة رجل من القرية: «يتجرد من جميع ملابسه باستثناء السروال القصير، ثم يرتيرتدي الفراء مباشرة على لحمه دون أن تغسَلَ أو تنظف، تخاط عليه أولا الفراء التي ستشكل سرواله.

ثم يلصق وراءه جيبا خصيتي الحيوان وقضيبه، بحيث يتدليان فوق عجيزته. وبعد ذلك، يُخاط على أعلى جسمه فرون آخران يغطيان نصفه العلوي ويتصلان بالسروال على امتداد القامة. كما تغطى ذراعاه ويداه أيضا. ويشد إلى يده اليمنى عنزا بواسطة حبل متين ووسط صدر بلماون يتدلى نهد واحد ضخم... (ص. 112-113). أما رأسه، فهو رأس أضحية ذات قرنين. ونظرا للطبيعة الفاحشة لهذه الشخصية، فإنها ستشدد طوال مراحل التقنع على تعرية الأوصاف الجنسية. أما باقي الشخصيات، فتتكون من أربعة يهود، ضمنهم حبر واحد، يحملون أقنعة مشنقية ويرتدون بذلات متجانسة، ثم عبد الواحد. وستشكل هذه الشخصيات حرَس بلماون.

أما العلبة الثانية، ويسميها المؤلف «تطواف»، فتتضمن تسكعا احتفاليا في طرقات القرية، حيث تضاعف الشخصيات مناوشاتا وإثاراتها الجنسية للمارة عن طريق الكلمات والحركات. وبذلك يضطر الجميع إلى الدخول في اللعبة. يلج موكب بلماون المنازل (مجال النساء) التي يكون الرجال قد غادروها قسرا بهذه المناسبة، ثم يتعاطى فيها لإثارات كلامية (على شاكلة: «اسفري يابنة العاهرة»، «أترغبين في أن أضاجعك؟ !» (ص. 119)، ويستلم من النساء هبات طعامية كمقابل. وفوق سطوح المنازل تحاكى مشاهد الجماع...

وتوازي المرحلة المركزية في العلبة الثالثة، المسماة «الأشكال والايام»، بين عرض الإعداد للحرث (تحديد سكة المحراث) وعرض كاريكاتور لزواج بلماون – امرأة حيث يتم الاحتفال بالخصوبة في سخرية. تنشد متتالية تتخللها اللازمة: «اللهم اجعل العام جيدا». أما العلبة الرابعة، وتحمل اسم «المجلة»، فهي تحاكي الوقائع المحلية التي شكلت أحدوثة سكان القرية في السنة المنصرمة.

لا يمكن استنفاد مختلف جوانب كتاب كهذا في مجرد عرض. ومن المؤكد أن مؤلفه قد وجهه إلى زملائه الأنثروبولوجيين قبل كل شيء، وقراءته من قبل قارئ عادي تعد مجازفة، إذ قد ينال همة قراءته فتور، بل وحتى تيه وسط الجهاز المعرفي الذي يعرضه المؤلف (لكن هذا هو ما سيبتهج له أهل المهنة). من ذلك، لكي ندخل في صلب الموضوع، هذا العناد لدى المؤلف في نقض تحليلات سابقيه للعادة التي يصفها. فهؤلاء، سواء تعلق الأمر بدوتيه أو لاووست أو ووسترماك، يميلون إلى التمييز داخل هذه الممارسة بين تقليدين متعارضين: تقليد إسلامي أورتذكسي ممثلا في الأضحية وبقية أو مخلفة (survivance) تقليد وثني سابق عن الإسلام، يرجع إلى عبادات طبيعية، عبادات الخصوبة تحديدا. هكذا، فبعدما يؤدي هؤلاء البربر الطيبون م تستوجبه إحدى قواعد الإسلام، ينصرفون إلى إحياء شياطينهم القديمة، شياطين الجاهلية، الذين لازالت فعاليتهم في الطبيعة على الأقل مضمونة، معتقدين أنه من المسموح لهم بذلك. ضد هذا المنظور، يحتج عبد الله حمودي بقوة، ومن هذا المكان بالضبط يشيد مشروعه البنيوي الكبير. ووجهة نظره هي أن التقنع والأضحية يشكلان جزءا من كل واحد، وبذلك يجب تناولهما مجتمعين. أما طبيعتهما المتناقضة، فهي بالعكس مدعاة للتأمل والتفكير. إنها تدل على التعارض الوجداني الذي يميز كبريات الظواهر الإنسانية، كما تدل على أن ما هو مطروح في الممارستين معا هو مشاكل أساسية. وهن اتكمن خصوبة التحليل وطابعه التجديدي.

بتناول الأضحية والتقنع مجتمعين يتضح أنهما يطرحان في الواقع مسالة تعايش القاعدة والانتهاك (ص. 9). بناء على ذلك يظهر المؤلف بالملموس كيف أن كلا المصطلحين ليس «واحدا»، وإنما ينطبع هو نفسه بالتعارض الوجداني العام. فالأضحية رسميا هي احتفال إسلامي ذكوري، لكنها تتضمن طقوسا (حشو خليط من الشعير والملح والحناء في فم الكبش قبيل نحره، ثم جمع دمه بعد النحر) تتم بتدخلات أنثوية. والتقنع وإن كان يسخر الرجال والكهول وسط احتدام جنسي لتهييج النساء والشباب، فإنه لا يفلت في كل لحظة من مراقبة أولئك الذين يتحدى مكانتهم ووضعهم الاعتباري.

إنه خطاب يكونه المجتمع عن نفسه، وتمثل بقيمه عن واقعه كما يحاول استخدامه. كيف يضمن إعادة إنتاج النسب مع الإبقاء على النظام الأبوي؟ كيف يفهم تعايش الأضحية عند الرجل والهبة عند المرأة؟ كيف يكون الفرد نفسه وآخرا غيره؟ كيف يستخدم تقويما قمريا وآخر شمسيا؟ كيف يحترم القانون الإلهي مع ضمان حماية الجن؟ إن هذا التوفيق الصعب هو ما تخرجه الأسطورة والشعيرة عبر لغة تتكون من عناصر ملموسة كالشعير والحناء والملح والدم، والتي يحلل المؤلف رمزيتها على نحو عجيب.

وفي حقل الدعابة، كدرجة لسمو الفكر، يزهر هذا التعارض الوجداني، كيف لا يمكن للمرء أن يندهش أمام أحد مشاهد تقنع كهذا؟ ! «في غمرة ابتهاج عام، ووسط صراخ سكان القرية وتشجيعاتهم، يطأ الثور البقرة، وفي اللحظة التي يلجها يأخذ اليهود في قراءة سورة الفاتحة...» (ص. 131). إلا أن هذه الدعابة لم تعد مطلقا ترضي في عين المكان نفسه المسلمين النقائيين ولا الحداثيين... أما في مجتمعاتنا المعاصرة، فإنها أصبحت تبدو يوما عن آخر غائية بشكل تراجيدي، سواء تعلق الأمر فيها بمجتمعات آيات الله المتشددين أو بمجتمعات إداريي اللياقة والأدب.


[*] Abdellah Hammoudi, La victime et ses masques, ed. du Seuil, 1988, 254 p.

http://aslimnet.free.fr/traductions/...s/carnaval.htm


النظرية الكينزية بحث شامل


نظرية كينز
أولاً: مقدمة:  بدايةً نظرية كينز في أداء الاقتصاد الرأسمالي في الزمن القصير هدفت إلى فهم الأداء بقصد التوصل إلى سياسة اقتصادية تمكن من إنقاذ الاقتصاد الرأسمالي من الأزمة و ضمان تجدد الآلة الإنتاجية له فترة بعد فترة على أساس الهيكل القائم لهذا الاقتصاد .

إن الطبيعة الإسعافية لنظرية كينز حققت رواجا كبيرا في الأوساط الأكاديمية في المجتمعات الغربية، أمام عجز النظرية الكلاسيكية التي كانت سائدة قبل كينز عن تفسير الكساد الكبير وعن تزويد الدولة بأفكار تمكن من رسم سياسة اقتصادية تخرج الاقتصاد الرأسمالي من هذا الكساد وتضمن بالتالي تجدد إنتاج هياكله .
وقد امتد هذا البريق لنظرية كينز في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية لينتقل إلى الأجزاء المختلفة من الاقتصاد الرأسمالي الدولي ، فبدأ تفسير أداء الاقتصاديات المتخلفة بنفس الأدوات الفكرية الكينزية ، كما تم تزويد الدولة في هذه الاقتصاديات بأنظمة محاسبة قومية تقوم على النظرية الكينزية دون إدراك لاختلاف الوضع الهيكلي في الأجزاء المتخلفة من الاقتصاد الرأسمالي عنه في الأجزاء المتقدمة ،رغم انتماء الاثنين إلى الاقتصاد الدولي وارتباطهما عضويا عن طريق نمط تفسير العمل الرأسمالي السائد .
لكن مع نهاية الستينات بدأت النظرية تفقد بريقها مع تجدد التقلبات والأزمات في العالم الرأسمالي معلنة في ذات الوقت عن أزمة السياسة الكينزية إزاء هذا الوضع ... يجب أن نأخذ من النظرية الكينزية موقفا ناقدا بالبحث عن أسباب عجزها عن السيطرة على استقرار الاقتصاديات الرأسمالية رغم محاولات تعديلها ( أو تطويرها )
1- الاتجاهات العامة للنقد الذي يمكن أن يوجه لنظرية كينز :
أولاً : على مستوى الفروض التي تبين أن كينز أخذ هيكل الاقتصاد القومي في مجموعه كمعطى واقتصر في التحليل على دائرة التداول، ولكن من الممكن أن يثور بالنسبة لبعض الفروض أسئلة تثير مدى إمكانية الالتجاء إلى النظرية لفهم أداء الاقتصاد الرأسمالي فهماً دقيقا كما تثير بعض الآثار العملية العامة التي تخفيه الفروض على مستوى التحليل النظري .
1. يرى كينز أن تناقص ميل الاستهلاك سمة من سمات المجتمع المقدم، ومع ذلك فقد دلت الأبحاث الإحصائية على أن كينز كان مبالغا في تقديره للميل للاستهلاك، لقد بين كوزنيتس عند تحليله للإحصاءات الأمريكية بين سنتي (1879 ( 1983 - أن الدخل القومي الأمريكي قد زاد زيادة كبيرة أثناء تلك الفترة، وأن الجزء الأكبر من هذا الدخل كان موجهاً للاستهلاك على أن الادخار قد ظل نسبة ثابتة تقريبا من الدخل القومي .
كذلك توصل كولين كلارك عند تحليله للإحصاءات البريطانية قبل الحرب العالمية الثانية أنه كلما زاد الدخل يزيد الادخار بنسبة متناقصة, ومعنى ذلك أن الاستهلاك أهم مما كان يعتقد كينز، بل كثيرا ما يكون أكثر أهمية من الاستثمار .
2. يأخذ كينز نمط توزيع الدخل القومي السائد والعوامل المؤسسية المحددة له كمعطيات، أي يأخذ علاقات الإنتاج الرأسمالي كمعطيات، وبدونها لا يمكن تفسير كيفية توزيع الدخل، والذي بدونه لا يمكن تفسير لماذا لا يستطيع النظام في مجموعه تحقيق التشغيل الكامل لكل القوى المتاحة بصياغة أخرى لماذا يستحيل أداء النظام دون عدد كبير من العاطلين عن العمل .

3. يبني كينز تحليله وكأن الاقتصاد الرأسمالي يسوده التنافس في وقت يسيطر فيه الاحتكار على النشاط الاقتصادي في مجموعه ( خاصة النشاط المالي )، يفترض كينز أن الزيادة في الطلب النقدي تدفع المشروعات إلى زيادة الإنتاج جريا وراء الربح وبالتالي زيادة العمالة ، وهذا في حالة تنافس المشروعات أما في وجود الاحتكار فقد تؤدي الزيادة في الطلب النقدي على السلع إلى رفع المحتكر لسعر السلعة التي يبيعها دون أن يزيد من الإنتاج ( على الأقل بنفس معدل زيادة الطلب على سلعته ) . وفي هذه الحالة يزيد ربح المحتكر دون أن يزيد الإنتاج ودون زيادة في العمالة ، أضف إلى ذلك أن بقاء الأجور النقدية على حالها مع ارتفاع الأسعار ( أو لا تزيد بنفس معدل زيادة الأسعار ) تؤدي إلى انخفاض الأجور الحقيقية وزيادة نصيب الربح ، ويكاد ذلك هو المظهر العام في ظل جو تسود فيه الاحتكارات .
4. يفترض كينز أن الأثمان والأجور تكون ثابتة في المرحلة التي يتوصل فيها إلى محددات مستوى النشاط الاقتصادي وأوضاع توازنه المختلفة ، هذا الافتراض يتجاهل ضمنيا الطبيعة الاحتكارية للهيكل الاقتصادي ، ومن ثم الطبيعة التضخمية لآداء الاقتصاد الرأسمالي في المدى الطويل ابتداء من بداية القرن العشرين ، كما أن أهداف التحليل الاقتصادي النقدي هو بيان الكيفية التي يتحدد بها المستوى العام للأسعار فكيف نصل الى هذا التحديد إذا افترض كينز مسبقا أن الأسعار بقيت ثابتة
5. يعتقد كثير من الاقتصاديين أن نظرية كينز العامة ليست عامة وذلك أن هذه النظرية لا تصلح إلا لأحوال الكساد ، لهذا فإن كينز قد أهمل في كتاباته علاقة النفقة بالأسعار ، كما أهمل تقلبات الأسعار ، وقد يمكن قبول هذا الإهمال في أحوال البطالة لكن لا يمكن قبوله في أحوال التوظيف الكامل أو بالقرب من التوظيف الكامل
ثانيا : على مستوى نتائج السياسة الكينزية من الناحية العملية تثور الكثير من الأسئلة والشكوك حول مظاهر مختلفة لأداء الاقتصاد الرأسمالي في الفترة التالية على ظهور نظرية كينز واستخدامها كمبرر نظري لممارسات الدولة الرأسمالية
1 . يثور التساؤل حول السياسات الكينزية التي ترتكز على تحويل الاستثمارات العامة وغيرها عن طريق عجز الموازنة في وضع المالية العامة تحت تصرف الاحتكارات المالية التي تسيطر على الجهاز المالي والمصرفي ( بما تحققه من أرباح عالية ) ، الأمر الذي مكن هذه الاحتكارات في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى التحول إلى شركات عابرة القارات .
2. إن سياسة كينز في مقاومته للكساد في النظام الرأسمالي عمليا تنطوي على كثير من التعقيدات والمشاكل، إذ لابد من فرض كثير من القيود على الحرية الاقتصادية للأفراد والمشروعات، لكي تؤدي السياسة الكينزية نتائجها المنشودة
3 . يثور السؤال كذلك حول ما ظلت تعرفه الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة من نسبة كبيرة للبطالة تتزايد منذ ثمانينات القرن الماضي، تبرر نظريا بالتفرقة بين البطالة المزمنة والبطالة الدورية على أن الأولى لازمة لمرونة الجهاز الإنتاجي في مجموعه في حين أن الثانية هي التي تسعى السياسة الكينية للقضاء عليها .
4 . لم تستطع السياسة الكينزية إعفاء الاقتصاديات الرأسمالية من التقلبات الدورية، فرغم أن الدولة بتدخلها قد أضعفت من حدة هذه التقلبات لمدة عقدين من الزمن ( الخمسينات والستينات من القرن الماضي ) لكن بداية من السبعينات بدأ الاقتصاد الرأسمالي الدولي يعرف أزمات مالية شبه دورية لتنتقل إلى الأجزاء المتخلفة من الاقتصاد الرأسمالي ( المكسيك 1994 – 1995 ، جنوب شرق آسيا 1996 – 1997 ، روسيا البرازيل ، الأرجنتين ...     ثالثا : غموض الفكر الكينزي في بنائه النظري على مستويين :

  المستوى الأول : يعيب بعض الاقتصاديين على كينز الغموض الذي يكتنف تحليله بشأن الادخار و الاستثمار، متسائلين عن الكيفية التي يتعادل بها الادخار مع الاستثمار دائما حسب تعريف كينز لكل منهما،في حين أن هذا التعادل باعتراف كينز نفسه قد يعني توازنا في بعض الأوقات واختلال توازن في أوقات أخرى .
المستوى الثاني : إذا نظرنا إلى النقود في التحليل الكينزي ، فإن سعر الفائدة يتحدد بعرض النقود والطلب على النقود ( تفضيل السيولة ) تأسيسا على أن سعر الفائدة ( سعر النقود ) هو ثمن التضحية بالسيولة، كما أن الطلب على النقود من جانب الأفراد أي رغبتهم في الاحتفاظ بها يرجع إلى دوافع ثلاثة : دافع المعاملات ، دافع الاحتياط ، ودافع المضاربة من هذا التحليل نتطرق إلى :
أ إذا تحققت زيادة ي عرض النقود فإن هذه الزيادة ( مع بقاء الأشياء الأخرى على حالها ) ستؤدي إلى انخفاض سعر الفائدة ، ولكن لو أمعنا النظر في الجانب الآخر من النظام الاقتصادي فإن انخفاض سعر الفائدة مع افتراض ثبات منحنى الكفاية الحدية لرأس المال ( منحنى الطلب على الاستثمار ) يؤدي إلى زيادة الإنفاق الاستثماري التي تؤدي من خلال أثر مضاعف الاستثمار إلى زيادة مضاعفة في مستوى الدخل ، وبالتالي في مستوى التوظيف .
ب - ولكن لابد أن تنطوي هذه الزيادة المضاعفة في الدخل على زيادة الطلب على النقود بدافعي المعاملات والاحتياط ( العلاقة طردية بين الطلب على النقود لأغراض المعاملات والاحتياط وبين حجم الدخل )، وإشباع هذا الطلب لا يتحقق إلا بالسحب من الأرصدة النقدية التي يحتفظ بها الأفراد لإغراض المضاربة وبالتالي ترك كمية من النقود أقل مما كانت عليه يمكن للأفراد أن يحتفظوا بها كأصل سائل, غير أن هذا الوضع يقتضي ارتفاع سعر الفائدة ليكون ذلك حافزا لتخلي الأفراد عن السيولة ودفعهم أكثر إلى شراء السندات ...ولكن ما يعنيه ارتفاع سعر الفائدة في هذه الحالة ؟ منحنى الكفاية الحدية لرأس المال ( منحنى الطلب على الاستثمار ) تحت ارتفاع الفائدة يؤدي إلى انخفاض الإنفاق الاستثماري وبالتالي انخفاض الدخل وبالتالي تخفيض مستوى العمالة .
جـ - وبالتالي يصبح مضاعف الاستثمار سلاح ذو حدين متعاكسين قد يعمل في صالح العمالة أو في صالحهما .

IIتعديلات على البناء النظري لكينز ( التصحيحات)   :
المستوى الأول : ساهم فريق من الاقتصاديين عن طريق صياغة بعض التعاريف الجديدة في إزالة الكثير من الغموض الذي يكتنف تحليل كينز للادخار والاستثمار .
· إذ نجد أن هوتري يفرق بين الاستثمار المقصود (الموجه) والاستثمار غير المقصود (غير الموجه)، الاستثمار المقصود هو الجزء من الاستثمار الكلي الذي يقبل عليه الأفراد بمحض اختيارهم لارتفاع عائد الاستثمار عن سعر الفائدة، أما الاستثمار غير المقصود فهو يتمثل في المخزون من السلع غير المباعة ( استثمار موجب غير مقصود ) أو يتمثل في نفاذ المخزون من السلع ( استثمار سالب غير مقصود )، أما الاستثمار الفعلي فهو مجموع النوعين الأول والثاني ، ويمثل الفرق بين الناتج الكلي ( من سلع الاستهلاك وسلع الاستثمار ) وبين الاستهلاك ، ولذلك فالاستثمار الفعلي يمثل الثروة المستهلكة وكذلك الادخار الفعلي يساوي الثروة غير المستهلكة ( وبالتالي فهو يساوي الاستثمار الفعلي.
· أما " أولهن " فهو يفرق بين التوقعات وبين ما يتحقق منها ، فلو فرضنا مثلا زيادة توقع رجال الأعمال للربح بدفعهم إلى زيادة استثماراتهم في حين أن الادخار المتوقع والذي يدخره الفرد لم يتغير فسوف تكون النتيجة زيادة الدخل والادخار الفعلي نتيجة لزيادة الاستثمار وبالتالي فالادخار الذي تحقق فعلا أكبر من المتوقع، وهنا يصبح الدخل المحقق أكبر من الدخل المتوقع ومن ثم يزيد الادخار زيادة تقابل الزيادة في الاستثمار، إذ يغير الأفراد من خططهم وتوقعاتهم تبعا لما يتحقق من نتائج وإذا اتفقت قرارات المستثمرين مع قرارات المدخرين حدث التوازن وبشكل عام يرى " أولهن " أن حجم الادخار الذي يتوقعه المدخرون قد يختلف عن حجم الاستثمار الذي يتوقعه المستثمرون ، غير أن الاستثمار المحقق لابد أن يساوي الادخار المحقق ... ويتفق " أولهن " مع كينز في أن قرارات رجال الأعمال هي المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي ،كما يتفق معه في أن التغيرات في الدخل الناشئة عن التغيرات في الاستثمار هي الوسيلة الوحيدة التي يتحقق بموجبها تعادل الادخار والاستثمار .
· أما " روبرتسون " يرى أن هناك فترة زمنية بين تسلم الدخل والتصرف فيه ( تحليل الفترة ) ويقسم الزمن إلى فترات قصيرة متساوية يسميها أياما ، وعلى ها الأساس فالدخل الذي يكتسبه الأفراد في يوم معين لا يمكنهم التصرف فيه في نفس اليوم ، بل في اليوم التالي له أي أن الادخار والإنفاق الفعلي الذي يتحقق اليوم هو من الدخل الذي يحصل عليه الأفراد بالأمس ومن ثم فإن ادخار اليوم يساوي الفرق بين دخل أمس وإنفاق اليوم ، فإذا زاد الدخل نتيجة لزيادة الاستثمار فإن دخل اليوم يصبح أكبر من دخل الأمس ، غير أن دخل الأمس هو الذي يمكن التصرف فيه اليوم والذي لا يكفي لتمويل الاستثمار فلا مناص من الالتجاء إلى التصرف في المكتنزات أو طلبا للحصول على الائتمان ، كما أن الزيادة في دخل اليوم المترتبة عن الزيادة في الاستثمار لا ينتج عنها زيادة في الإنفاق وفي ادخار اليوم ، كما لا يمكن التصرف فيها اليوم وعلى ذلك فإن الاستثمار اليوم قد زاد عن ادخار اليوم ، ويعتقد " روبرتسون " أن هذه الزيادة في الاستثمار عن الادخار قد تستمر لفترة من الزمن طالما أن ارتفاع مستوى الدخل يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ومعدلات الأرباح .
المستوى الثاني - لابد أن يتحقق التوازن النقدي وتوازن الدخل في آن واحد للتغلب على عدم الاستقرار الاقتصادي الناشيء عن التأثير المتعاكس لمضاعف الاستثمار ، لقد كانت هذه الفكرة التي أوحت بما هو معروف في التحليل الكلي بالشكل البياني " هيكس – هانس :.Hides Hanser Diagramme : وتقوم فكرة هذا المنحنى على التمييز بين قطاعين رئيسيين داخل النظام الاقتصادي   القطاع النقدي الذي ينطوي على العمليات النقدية المتعلقة بعرض النقود والطلب عليها وسعر الفائدة، والقطاع الحقيقي الذي ينطوي على العمليات الحقيقية المتعلقة بالادخار وبالاستثمار والدخل، ومن الواضح أن سعر الفائدة بالغ الأثر في كلا القطاعين إذ أنه يتحدد في القطاع النقدي بتفاعل قوى عرض النقود وقوى الطلب على النقود كما أن تقلبات سعر الفائدة في القطاع النقدي تؤثر على مستوى الاستثمار في القطاع الحقيقي، وبالتالي على العلاقة بين الادخار والاستثمار وتأثيرها على مستوى الدخل، وبتعادل الاستثمار والادخار (تعادل الطلب الكلي مع العرض الكلي ) يحدد مستوى الدخل القومي في وضع التوازن، وحتى إذا لم يتحقق التعادل بين الادخار المقصود والاستثمار المقصود، فتغير الدخل كفيل بإعادة التوازن بين الادخار المحقق والاستثمار المحقق ، ومن هنا نرى أن سعر الفائدة هو همزة الوصل بين القطاعين النقدي والحقيقي، وأن تلك العلاقة بين القطاعين من خلال سعر الفائدة هي التي أوحت إلى " هيكس ' و ' هانسن " بادخال منحنى الادخار والاستثمار ( (ISفي تحليل التوازن في القطاع الحقيقي، وإدخال منحنى تفضيل السيولة والنقود ( LM ) في تحليل التوازن في القطاع النقدي .

من التحليل السابق :

- منحنى الادخار ( IS ) يعبر بيانيا عن علاقة من مقتضاها أن أية نقطة متوضعة على هذا المنحنى تمثل مستوى معينا من الدخل، يناظره مستوى معين لسعر الفائدة ، كما تعكس هذه النقطة في نفس الوقت توازنا في القطاع الحقيقي حيث يتعادل الادخار والاستثمار .

- كما استخلصنا أن منحنى تفضيل السيولة وكمية النقود ( LM ) يعبر بيانيا عن علاقة نقاط من الدخل تناظرها مستويات لأسعار الفائدة، كما تعكس هذه النقطة في نفس الوقت توازن في القطاع النقدي من الاقتصاد القومي حيث يتعادل الطلب على النقود (تفضيل السيولة ) مع عرض النقود بما أن المحاور المستوية لكلا المنحنيين ( IS ) و ( LM ) هي سعر الفائدة والدخل يمكن الجمع بين المنحنيين في شكل بياني واحد بحثاً عن نقطة تقاطعهما، هذه النقطة الواقعة على كلا المنحنيين هي نقطة التوازن العام في القطاعين معا ( الحقيقي والنقدي ) محققا الاستقرار الاقتصادي المنشود.


 R   تمثل سعر الفائدة التوازني بالنسبة للقطاعين الحقيقي والنقدي

Yالمستوى التوازني في كلا القطاعين .

E تحتل نقطة تقاطع منحنى ( IS ) و ( LM ) تعبيرا عن التوازن العام في النظام الاقتصادي .


  IIIالتقلبات الاقتصادية الدورية :

يطلق اصطلاح الدورة الاقتصادية على تلك النقابات التي تنتاب العديد من الكميات الاقتصادية الكلية ، يعرف " ميتشل " الدورة الاقتصادية بأنه تغير كمي ينتاب النشاط الاقتصادي الكلي .
تميزت الاقتصاديات الرأسمالية بهذه التقلبات منذ بدايات الفكر الكلاسيكي لكنها لم تحظ بالاهتمام الكافي ربما لأن التقلبات الدورية الأولى لم تنتج عنها آثار اجتماعية واسعة ، ولقد شهد العالم إبان الكساد العظيم في الفترة من سنة 1929 إلى سنة 1932 زيادة كبيرة جدا ، عند العاطلين عن العمل ، مما كاد يعصف بالاقتصاديات الرأسمالية بل بالفكر الرأسمالي ككل ... لتظهر النظرية العامة لكينز محولة الكثير من الأفكار الرأسمالية عن اتجاهها الأول .
أولا- التقلبات الاقتصادية عند كينز : ومجمل القول فإن الدورة الاقتصادية عند كينز هي نتيجة لتقلبات في الاستثمار ، ومن هنا ندرك أن لقرارات رجال الأعمال في هذا الصدد أهمية بالغة في تحديد مستوى النشاط الاقتصادي ميولهم الخاص في مجال الاستثمار ، قد يرفع أو يهبط من مستوى الاستثمار ، غير أن سلوك رجال الأعمال الاستثماري يبنى على توقعاتهم التفاؤلية أو التشاؤمية بصدد الكفاية الحدية لرأس المال في مقارنتها بسعر الفائدة السوقي . والكفاية الحدية مرتبطة بقوة الطلب الكلي الفعال ، وما دامت توقعات رجال الأعمال قد تخيب أو تتحقق ، فهنا يجد هؤلاء أنهم ملزمون بمراجعة توقعاتهم وتغيير قراراتهم فيما يتعلق بالنشاط الاستثماري من آن لآخر ، هذا التغيير في القرارات الاستثمارية لرجال الأعمال من حين لآخر يؤدي إلى نشوء التقلبات الدورية الاقتصادية ،أضف إلى ذلك أن فرص الاستثمار حسب التحليل الكينزي قليلة نسبيا في المجتمعات المتقدمة اقتصاديا ( المجتمعات الغنية ) لأنها بلغت مرحلة البلوغ الاقتصادي ، وذلك لقلة ميلها الحدي للاستهلاك ( على عكس الدول الفقيرة بعبارة أخرى فبالإضافة إلى التقلبات في الكفاية الحدية لرأس المال التي تميز الدورة الاقتصادية في الدول الغنية المتقدمة اقتصاديا ، فتقدمها الاقتصادي يحمل بين جنباته الكساد المزمن ومن ثم يتضح أن نظرة كينز إلى مستقبل النشاط الاقتصادي كانت نظرة ملؤها التشاؤم

ثانيا - نقد هيكس للتحليل الكينزي "

ابتدأ هيكس تحليله بتوجيه النقد إلى التحليل الكينزي في فهم وتفسير ظاهرة الدورة الاقتصادية وذلك لأن كينز لم يأخذ أثر المعجل في الاعتبار وبالتالي لم يهتم بالتفرقة بين الاستثمار التلقائي (المستقل ) والاستثمار المستحفز ( التابع ) لأن كينز اهتم بالاستهلاك Indused consumption وهو ما يشكل أثرا مضاعفا ، ولم يهتم بالاستثمار المستحفز Indused bnvestment وهو ما يعرف بأثر المعجل .
كما يؤكد هيكس أن المضاعف الكينزي البسيط بأثره في الزيادات المتتالية في الاستهلاك ( أثر المضاعف ) تتجه نحو التناقص ثم الاضمحلال ثم التلاشي بمرور الوقت ، وهذا يعتبر أن المضاعف الكينزي البسيط ليس سوى عامل يأدي بالنظام الاقتصادي إلى الثبات والاستقرار في النهاية ، أي لا يفسر التقلبات الاقتصادية ، وآثار النقص في التحليل الكينزي اهتمام هيكس بالتفرقة بين الاستثمار التلقائي والاستثمار المحفز بفرض أن كلا هذين النوعين من الاستثمار يوجد داخل النظام الاقتصادي ، غير أن الاستثمار التلقائي لا يتأثر بالتغيرات في مستوى الناتج ( الدخل ) أي لا علاقة له بالنمو الاقتصادي الذي يتحدد بعوامل خارجية ، أما الاستثمار المستحفز فيتوقف على التغيرات في الناتج الكلي ، ومثل هذا الاستثمار هو دالة لمعدل نمو الناتج ، وهذا الاستثمار المستحفز يلعب دورا جوهريا في تحليل هيكس للدورة لأن حل المعجل يتوقف عليه .

ثالثا - نظرية المضاعف المركب ( نظرية هانسن   :
اعتمد هانسن في تفسير الدورة الاقتصادية على تداخل أثري المضاعف والمعجل . أي على الاستهلاك المستحفز منه ( أثر المضاعف ) وعلى الاستثمار المستحفز(أثر المعجل ) حيث يفترض هانسن حدوث زيادة أولية في الاستثمار التلقائي ( المستقل ) وهذه الزيادة تؤدي إلى زيادة في الناتج ( الدخل ) ، التي بدورها تفضي إلى زيادة مضاعفة في الاستهلاك من خلال أثر المضاعف هذا الاستهلاك يؤدي إلى الاستثمار المستحفز، مع فرض وجود طاقة فائضة في الاقتصاد القومي وذلك من خلال مبدأ المعجل ، وهكذا تستمر الحركة التراكمية عن طريق تداخل المضاعف والمعجل .
ويمكن للحركة ( بفعل المعجل ) أن تتعدى الحدود المفروضة على المضاعف وأن يتفجر عنها نمو مستمر ، إذا كانت القيمة العددية للمعجل مرتفعة ، وكان المعجل مصحوبا بميل حدي مرتفع للاستهلاك يرفع من قيمة المضاعف . وفي هذه الحالة يستمر التوسع التراكمي حتى يتحقق التوضيف الكامل لموارد المجتمع ، عند هذه النقطة يأخذ الناتج القومي في الانخفاض ، وينخفض بالتالي الاستثمار المستحفز .
وحتى لو فرضنا استمرار الاستثمار التلقائي في التزايد بمعدل ثابت كما يعتقد هيكس فإن هانسن يرى أن الزيادة في الدخل القومي تأخذ منحنى متناقص وذلك للسببين :
- أن جزءا متزايدا من كل زيادة في الدخل يدخر في الفترات المتتالية ، وهذا الجزء يؤدي إلى انخفاض الزيادة في الاستهلاك ( الاستهلاك المستحفز ينخفض ) وبالتالي إلى انخفاض الاستثمار المستحفز ، وإن حدث وكان الاستثمار المستحفز ينخفض بدرجة أكبر من الزيادة في الاستهلاك فإن الدخل القومي يبدأ بالانخفاض ، لتبدأ الحركة الانكماشية .
- أن الكفاية الحدية لرأس المال تتجه إلى الانخفاض مع تزايد حجم الاستثمار ، وهذا يعني أن افتراض استمرار الزيادة في الاستثمار التلقائي بمعدل ثابت هو افتراض غير محتمل الوقوع بعد مضي سنوات على بدء الحركة التراكمية ، إلا في حالات تغيرات كبيرة في أساليب الإنتاج أو تمكنت الزيادة السكانية من تعويض الاتجاه التنازلي في الكفاية الحدية .
في كلا السببين تعني اتجاه الكفاية الحدية لرأس المال نحو الانخفاض أن الحركة التراكمية تقضي على نفسها بنفسها ، وذلك لأن كل زيادة في الاستثمار ( تخفض الكفاية الحدية ) تقلل من فرص الاستثمارات الجديدة ، وبالتالي يكون هانسن قد وصل عبر تحليله إلى مايلي :

/1/ أن الحركة التراكمية تقضي على نفسها بنفسها (تداخل على المضاعف والمعجل معا ).

2/ /أن تفسير هانسن للدورة الاقتصادية قد ظل في الإطار الذي رسمه كينز ، وإن كان هانسن أعطى أهمية كبيرة لمبدأ المعجل .

/ 3/ سلط الضوء على ضرورة تدخل الحكومة .



وأخيرا ...رغم كل الانتقادات الموجهة للاقتصاد الكينزي فلا شك أن هذا الاقتصاد يعتبر مرحلة هامة في تطور الفكر الاقتصادي والسياسات الاقتصادية ، لا بل إن فريقا من الاقتصاديين المحدثين قد جعل أفكار كينز نقطة البدء في الدراسات الاقتصادية الحديثة ووضع من الآراء والأفكار ما يعتبر امتدادا لنظرية كينز العامة في مجال التحليل الكلي ...
  إن مشكلة الدول المتقدمة هي انخفاض الميل للاستهلاك ، أي الإفراط في الادخار ، مع قلة فرص الاستثمار ، أما مشكلة الدول الفقيرة هي زيادة الميل للاستهلاك . أي نقص في الادخار ، مع توفر فرص كبيرة للاستثمار .

  قائمة المراجع :

- الاقتصاد الكلي : أ. د . أحمد الأشتر دار الثقافة للنشر والتوزيع .

- الأسواق النقدية والمالية د . مروان عطون ديوان المطبوعات الجامعية .

- الاقتصاد النقدي د. ضياء مجيد الموسوي دار الفكر الجزائر .

- مبادئ علم الاقتصاد د . حسين عمر دار الفكر العربي .

- مبادئ الاقتصاد النقدي د . أسامة العربي دار الجامعة الجديدة . د . محمد دويدار