‏إظهار الرسائل ذات التسميات هارولد بلوم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هارولد بلوم. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 25 مايو 2014

هارولد بلوم يكتب عن جابرييل جارسيا ماركيز

الناقد الأمريكي هارولد بلوم يكتب عن جابرييل جارسيا ماركيز
عن كتاب "سلسلة بلوم – الرؤى النقدية الحديثة – جابرييل جارسيا ماركيز" 2007

ترجمة: أمير زكي

I

ماكوندو، وفقا لكارلوس فوينتس، "تبدأ في التنامي مع ثراء يوكناباتاوفا[i]الكولومبية". فوكنر - الذي يتقاطع معه كافكا - هو الأصل الأدبي لجابرييل جارسيا ماركيز. التأثير الفوكنري منتشر جدا في أوقات يسمع فيها المرء جويس وكونراد؛ أستاذا فوكنر، الذين نسمع صداهما عند جارسيا ماركيز، إلا أن فوكنر غالبا ما يتوسطهم دوما. فوكنر يغزو "خريف البطريرك"، ولكن "مائة عام من العزلة" تمتص فوكنر، كما تفعل مع كل التأثيرات الأخرى، نحو فانتازماجوريا قوية ومكتفية بذاتها جدا حتى أن القاريء لا يتشكك في سيطرة جارسيا ماركيز. ربما، كما أشار رينار آرجاس، أن كاربينتير حل محل فوكنر، وبورخيس حل محل كافكا في "مائة عام من العزلة"، بالتالي مخيلة جارسيا ماركيز تروض نفسها بلغتها. ماكوندو، المملكة المتخلية هي فعل وعي هندي وأسباني، بعيد جدا عن أوكسفورد والميسيسيبي وعن المقبرة اليهودية في براج. في عمله التالي، عاد جارسيا ماركيز إلى فوكنر وكافكا، بالتالي "مائة عام من العزلة" هي معجزة لا يمكن أن تحدث سوى مرة، حتى لو كانت أقرب لأن تكون نصا مقدسا منها لرواية، كتاب ماكوندو المقدس؛ ملكيادس الساحر، الذي يكتب بالسنسكريتية، ربما يكون قناع لبورخيس أكثر منه للكاتب نفسه، إلا أن الحكاء الغجري يربط جارسيا ماركيز أيضا بالحكاء العبري القديم، اليهوي، فهو في الوقت نفسه أعظم الواقعيين وأعظم الفانتازيين، ولكنه فوق كل شيء المنافس الحقيقي الوحيد لهوميروس وتولستوي كحكائين.

انطباعي المبدئي، أثناء إعادة قراءة "مائة عام من العزلة" هو نوع من إجهاد المعركة الاستطيقية، طالما أن كل صفحة مفعمة بحياة كاملة فيما وراء قدرة أي قاريء واحد على امتصاصها. سواء كانت السمة المترابطة لنص هذه الرواية هي في النهاية ميزة أم لا – أنا لست متأكدا - فأنا أشعر أحيانا أنني شخص مدعو لغداء لا يُقَدَّم فيه شيء سوى طبق ضخم من الملبن. إلا إنها ليست سوى قصة، كل شيء فيها - منقول وغير منقول - يحدث في الوقت نفسه، من الخلق إلى الأبوكاليبس، من الميلاد إلى الموت. مضى روبرتو جونزاليز إتشيفاريا بعيدا حتى تكهن بمعنى ما أن القاريء هو الذي يجب أن يموت في نهاية القصة، وربما الثراء الكبير للنص يساعد على تدميرنا. تَصوَّر جويس بدون جدية قارئا مثاليا مصابا بالأرق سيقضي حياته في فهم "يقظة فينيجان". القاريء لا يحتاج لترجمة "مائة عام من العزلة" وهي رواية تستحق شعبيتها طالما لا تحتوي على صعوبات ظاهرة على أي حال. إلا أن هناك بعدا جديدا مضافا للقراء بهذا الكتاب. قارئها المثالي يجب أن يشبه الشخصية المثيرة للتذكر بشكل أكبر؛ كولونيل أوريليانو بوينديا الغاضب المتعالي الذي "بكى في رحم أمه ووُلد وعينيه مفتوحتين". لا توجد جمل بلا قيمة، لا توجد مجرد انتقالات في هذه الرواية، وعليك أن تلاحظ كل شيء في اللحظة التي تقرأها. كل شيء سيتماسك، على الأقل الأسطورة والمجاز إن لم يكن دوما المعنى الأدبي.

في حضور واقع غير عادي، يأخذ الوعي مكان المخيلة؛ تلك البديهية على نمط إمرسون هي بديهية والاس ستيفنز وتستحق الرؤية لـ "ملاحظات نحو سرد راق" و"مساء عادي في نيو هافين"[ii]. ماكوندو هي سرد راق، ولا توجد أمسيات عادية بداخل حدودها. السخرية وحتى التهكم ومعظم الخيال هي أشياء من الصعب أن تكون ممكنة في الولايات المتحدة. كيف يمكن السخرية من رونالد ريجان أو جيري فالويل؟ رواية بينشون "صيحات مزاد 49" تتوقف عن أن تبدو خيالية عندما أزور كاليفورنيا الجنوبية، في عرض يأخذ شكل النموذج. بعض الجوانب في الوجود الأمريكي اللاتيني تتعالى حتى عن ابتكارات جارسيا ماركيز. قيل لي من أناس ثقات، أن دوفالييه الكبير ديكتاتور هاييتي، الشهير ببابا دوك، أمر بإبادة كل الكلاب السوداء عندما اعتقد أن عدوا أساسيا له حَوَّل نفسه إلى كلب أسود. معظم الرائع في "مائة عام من العزلة" سيكون رائعا في أي مكان، ولكن الكثير مما يبدو غريبا أمام ناقد من أمريكا الشمالية ربما سيكون تمثيلا للواقع.

أكد إمير مونيجال أن عمل جارسيا ماركيز الأساسي كان فريدا وسط روايات أمريكا اللاتينية، كونه مختلفا جذريا عن الإنجازات المتنوعة لخوليو كورتاثار، وكارلوس فويتنس، وليثاما ليما، وماريو بارجاس يوسا، وميجيل آنجل أستورياس، ومانويل بويج، وجيليرمو كابريرا إنفانتي، والعديد من الآخرين. القرابة بين بورخيس وكاربنتيير ملحوظة عن طريق مونيجال إلى جانب آريناس، ولكن يبدو أن نقطة مونيجال الديالكتيكية ترى أن جارسيا ماركيز يعتبر ممثلا فقط بمشاركته لكل زملائه في عدم كونه ممثلا. إلا أنه من الحقيقي لمعظم قراء أمريكا الشمالية الآن أن "مائة عام من العزلة" تُستدعى إلى الذهن أول شيء عندما يفكرون في الرواية الأسبانية في أمريكا. رواية آليجو كاربنتيير "انفجار في كاتدرائية" ربما تكون كتابا أقوى حتى، ولكن بورخيس وحده سيطر على المخيلة الأدبية في أمريكا الشمالية كما فعل جارسيا ماركيز بخياله العظيم. من المحتم أن قدرنا أن نطابق "مائة عام من العزلة" بثقافة كاملة، وكأنها "دون كيخوته" جديدة، هذا الأمر غير الصحيح بالتأكيد. المقارنات ببالزاك وحتى بفوكنر هي أيضا ليست عادلة بالنسبة لجارسيا ماركيز. الابتكار العظيم لبالزاك يصغِّر الرؤية اللاحقة، ولا يوجد شيء حتى في ماكوندو بقدر التعالي السلبي كالسعي المخيف لآل بوندرين في رواية "وأنا أستلقي ميتا" لفوكنر. "مائة عام من العزلة" في قامة أعلى من رواية نابوكوف "اللهب الشاحب" وبينشون "قوس قزح الجاذبية"؛ تلك الفانتازيات المتأخرة، الوارثون الأقوياء للتقاليد الذاوية.

بغض النظر عما يمكن أن تكونه الحدود أو لا تكونه، سرد جارسيا ماركيز الآن يتمتع بوضع مرجعي إلى جانب وظيفة تمثيلية. وضعه الثقافي يستمر في التدعيم، وسيكون من الحمق أن نختلف على ظاهرة كبيرة كتلك. أتمنى أن أتحدث إلى نفسي فقط عن سؤال أي مدى من الجدية يحتاجه القاريء لتلقي الجانب المقدس للكتاب. جملة الرواية الثالثة هي: "العالم حديث جدا حتى أن الأشياء كانت تنقصها الأسماء، ومن أجل الإشارة إليها كان من الضروري الإيماء". والجملة الثالثة من النهاية طويلة وجميلة:

"كانت ماكوندو بالفعل دوامة مخيفة من الغبار والحصى تدور حول غضب البركان الكتابي؛ عندما تجاهل أوريليانو 11 صفحة حتى لا يضيع الوقت مع حقائق كان يعرفها جيدا جدا، بدأ في تفسير لحظة أنه يعيش، تفسيرها كأنه عاشها، يتنبأ لنفسه وهو يفسر الصفحة الأخيرة من المخطوط، وكأنه ينظر إلى مرآة تتحدث".

مدار الزمن بين هذا التكوين والأبوكاليبس هو ستة أجيال، بالتالي خوسيه آركاديو بوينديا، مؤسس العائلة، هو جد آخر أجداد آوريليانو. جد جد دانتي، الصليبي كاساجويدا، يقول لخليفته دانتي أن الشاعر يدرك الحقيقة لأنه يحدق في تلك المرآة التي تستمع لأصوات أفكار الأشياءالصغير والكبير في الحياة قبل أن يفكروا فيها. في النهاية يقرأ أوريليانو المخطوط السنسكريتي للغجري، الساحر الشبيه ببورخيس، وينظر إلى المرآة التي تتحدث، تستمع إلى فكره قبل أن يفكر فيه. ولكن هل هو يستمع إلى الحقيقة مثل دانتي؟ هل فلورنسا مثل ماكوندو مدينة المرايا "أو السراب" بالمقارنة بوقائع الجحيم، والمطهر، والفردوس؟ هل "مائة عام من العزلة" هي مجرد مرآة تتكلم؟ أم هي تحتوي بداخلها – بشكل ما -  على جحيم ومطهر وفردوس؟

فقط الخبرة والتأملات المنضطبة للعديد من القراء الأقوياء ستساعد على إجابة تلك الأسئلة وصولا إلى أي نتيجة. الأهمية النهائية لـ "مائة عام من العزلة" تظل غير محددة حتى الآن. ما هو واضح لمعاصري الكتاب هو أن جارسيا ماركيز قدم للثقافة المعاصرة، في أمريكا الشمالية وأوربا، بقدر ما قدم لأمريكا اللاتينية، واحد من من تكويناتها المزدوجة للسرديات الضرورية، بدونها لن نفهم بعضنا ولا أنفسنا.

II

المبدأ الاستطيقي في "الحب في زمن الكوليرا" هو نسخة مشذبة قليلا لما يمكن أن يكون شعار "مائة عام من العزلة": "أي شيء يمضي" أو حتى "كل شيء يمضي". أي شيء وكل شيء يمضي إلى خليط؛ فوكنر، كافكا، بورخيس، كاربنتيير، كونراد، جويس. كل من الروايتين كتابين مقدسين: "العزلة" هي عهد قديم، و"الكوليرا" عهد جديد، على الأقل بالنسبة لجارسيا ماركيز وقرائه ونقاده الأكثر إخلاصا. أنا نفسي بدأت أُقَدِّم "الكوليرا" على "العزلة"، ولكن هذا اختيار من لديهم الكثير.

لا يمكنني التكهن بما ما كان سيفعله فوكنر – أكثر من قَدَّر الكتاب المقدس (فقط كأدب)، وشكسبير وملفيل وكونراد وجويس – مع هذه العملين الأسبانيين البارزين. كان سيدرك أن الاندفاعات الكلامية مشابهة لاندفاعاته، والفردية البطولية كانت ستثيره بالتأكيد. إلا أنه مضى بينما ينتظر اللعنة التي ستحمله، وشخصياته الأعظم – دارل بوندرين، كوينتين كومبسون، سوتبين، جو كريسماي، بوبي – ملعونة فيما وراء اللعنات. على الرغم من أن فوكنر يمكن أن يكون طريفا بشكل عظيم كديكنز، كما هو مشهود بعائلة سنوبز، التي تشكل الآن الحزب الجمهوري التكساني، الذي يقوده توم دي لي سنوبز، بينما اختار وطننا بينيتو بوش[iii]كدوتشي. كان أوسكار وايلد على حق دوما: ليس للحياة اختيار سوى محاكاة الفن.

ربما كان فوكنر سيرفض البهجة الغريبة لجارسيا ماركيز، على الأقل في حالته التراجيدية، ولكنه كان سيقبل الإنسانية النهائية التي أكد كل منهما عليها. التدهور، الخوف المهووس من زنا المحارم، غمر العزلة المبدعة بمحيط المعلومات: تلك موضوعات ومخاوف مشتركة. ما هو بالتالي الاختلاف الذي ينتظرنا، إلى جانب الروح العالية الرائعة عند جارسيا ماركيز، التي تميز الاثنين؟

آمال فوكنر نادرا ما تكون مُقنِعة: شخصياته الأعظم عدمية مثلها مثل شخصيات شكسبير. الشعبية الكبيرة لجارسيا ماركيز حصل عليها بخصوبته، التي تحجب إنذاراته الأبوكاليبسية. مثلما كان شكسبير لفوكنر، كان سيرفانتس ضروريا لجارسيا ماركيز: السلف الحقيقي. سيرفانتس، بحكمته الظلامية، ليس أقل عدمية من شكسبير، ولا أعتقد أنه في النهاية كان مسيحيا أو مؤمنا، بشكل أكبر مما يمكن أن يقال عن فوكنر أو جارسيا ماركيز.

اختلاف جارسيا ماركيز عن الثلاثة أكثر وضوحا في "الكوليرا" عن "العزلة": هو بالطبع لديه إيمان رومانسي كبير بالإيروس، على الرغم من أنه يعلم الحقيقة الفرويدية أن الحب الغزير جدا هو قناع لغريزة الموت. إلا أنني أفضل "الكوليرا" عن "العزلة" في النهاية لأن فلورينتينو آريثا شجاع، كما يتضح من الفقرة الختامية بالرواية:

"دعينا نعود نعود نعود إلى لا دورادا".

ارتعشت فرمينا داثا لأنها أدركت صوته السابق، المضاء بنعمة الروح القدس، ونظرت إلى القبطان: كان قدرهما. ولكن القبطان لم يرها لأن قوى الإلهام العظيمة لفلورنتينو آريثا خدعته.

سأل: "هل تعني ما تقول؟"

قال فلورنتينو آريثا: "من اللحظة التي ولدت فيها لم أقل أي شيء لم أعنه".

نظر القبطان لفرمينا داثا ورأى على أهدابها الوميض الأول لبرد الشتاء. ثم نظر إلى فلورنتينو آريثا، وقوته التي لا تقاوم، وحبه الشجاع، وكان مفعما بالتشكك المتأخر من أن الحياة - أكثر من الموت - هي التي لا حد لها.
سأله: "وإلى متى تعتقد أننا نستطيع أن نمضي ونعود؟"

حفظ فلورنتينو آريثا إجابته جاهزة لثلاثة وخمسين عاما، وسبعة أشهر، وإحدى عشر يوما وليلة.
قال: "إلى الأبد".



[i]  Yoknapatawpha مدينة متخيلة في أدب الكاتب الأمريكي ويليام فوكنر، وهي تقع في ولاية الميسيسيبي بالولايات المتحدة، ومعظم روايات الكاتب الأمريكي دارت فيها.
[ii]  الإشارة لأمثلة وبديهات الأمريكي رالف إميرسون Ralaph Emerson (1803-1882)، ووالاس ستيفنز Wallace Stevens (1879-1955) هو الشاعر الأمريكي، و"ملاحظات نحو سرد راق" و"مساء عادي في نيو هافين" هما قصيدتان له.
[iii]  توم ديلاي هو النائب السابق عن ولاية تكساس بمجلس النواب الأمريكي، وبلوم يمزج اسمه باسم سنوبز وهو اسم عائلة متخيلة كتب عنها فوكنر. ثم يخلط بلوم بين اسم بينيتو موسوليني وجورج بوش (الابن).

الثلاثاء، 23 يوليو 2013

مُدُن العقل - هارولد بلوم

مُدُن العقل
هارولد بلوم

مقدمة هارولد بلوم لكتاب "دبلن" لجون توميدي ضمن سلسلة "أماكن بلوم الأدبية" 2005

ترجمة: أمير زكي
يوليو 2013

***

يمكن الجدال بأن المدينة الأم للمخيلة الأدبية الغربية ليست آثينا ولا أورشليم، بل الإسكندرية القديمة؛ حيث تجلت ثمرة الاندماج بين الثقافتين الهلنستية والعبرانية. كل الكُتَّاب الغربيين ذوي التعالي الاستطيقي الأصيل سكندريون، سواء كانوا يعرفون ذلك أو لا؛ بروست وجويس وفلوبير وجوته وشكسبير ودانتي يشتركون جميعا في هذا التراث المتنوع وإن لم يكن ذلك بشكل واضح. من منتصف القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الثالث بعده، كانت الإسكندرية هي مدينة الروح والعقل ورغم أن أفلاطون وموسى لم يتصالحا فيها أبدا (هذا الشيء المستحيل) إلا أنها استثارت بشكل حاد نوعا جديدا من الحساسية تَعَلمنا أن نطلق عليها الحداثة، التي يمتد عمرها الآن إلى ستة وعشرين قرنا. الحداثي الأول كان الشاعر كاليماخوس[i]، الذي قال إن القصيدة الطويلة هي شر طويل، والذي أكد عنه أرسطارخوس[ii (أقدم ناقد أدبي حاول صياغة مجمع أدبي علماني) أنه هو ورفقائه Neoteroi (حداثيون). د. صمويل جونسون، بويلو، سانت بيف، ليسينج، كوليريدج، ي. أ. ريتشاردز، إمبسون، وكينيث بيرك[iii]كلهم أخلاف لأرسطارخوس.

ف. إ. بيترز[iv]في كتابه المستبصر "حصاد الهلينستية" يختصر إنجاز الإسكندرية الهلينستية برصد رائع: "الغنوصية، الجامعة، التعليم المسيحي المنهجي، الشعر الرعوي، الرهبانية، الرومانسية، علم النحو، صناعة المعاجم، تخطيط المدن، اللاهوت، القانون الكنسي، الهرطقة، السكولانية". أنا لا أعرف لِم استبعد بيترز الأفلاطونية الجديدة، التي بدأها أفلوطين، وأنا نفسي أضفت النقد الأدبي لما سبق، وأكثر من ذلك يمكن أن أضيف مفهوم "المكتبة". الآن نفت الإسكندرية يونانييها ويهودها، وتقريبا كل من هو ليس عربيا، وبالتالي لم تعد مدينة العقل، ولم تعد صاحبة التقليد الشعري الممتد من كاليماخوس إلى كافافي، إلا أننا لا نستطيع أن نعبر عن تقديرنا الحقيقي للمدن الأدبية بدون أن نبدأ بالإسكندرية. أنا أرشح مرشد الروائي إ.م. فورستر[v]للمدينة الذي يتأمل بعمق دلالتها الثقافية.

نحن جميعا سكندريون، حتى دانتي كان كذلك، طالما اعتمد على التفسيرات الأفلاطونية الجديدة الهلينستية لهوميروس، الذي لم يقرأ شعره قط. فيرجيل مرشد دانتي كانت هلينستي الثقافة، واتبع ثيوقريطس[vi]في المحاكاة الرعوية والسكندرية لملاحم هوميروس. ولكن على الرغم من أن ثقافتنا الأدبية تظل سكندرية (ضع في الاعتبار كل أساطيرنا الحالية عن الحداثة)، إلا أننا نتبع القديس أوغسطين في رؤية أورشليم كمدينة الله، مدينة الملك داوود وخليفته الشهيد يسوع الناصري. جامعاتنا سكندرية - بشكل لا يمكن تجاهله - في انتقائيتها البراجماتية، ورغم ذلك هي مستمرة في رفع مرتبة أثينا سقراط وأفلاطون وأرسطو كمدينة المعرفة والديمقراطية (المفترضة). أثينا بركليس الحقيقية كانت أوليجارشية وبلوتوقراطية يملك فيها السادة العبيد، هذا الذي يظل منتشرا في معظم أنحاء العالم، في السعودية أو في الكثير من الأماكن بالأمريكتين. آثينا الأدبية، في عصرها الذهبي، تأسست على يدي هوميروس وأنتجت الدراما الغربية الوحيدة التي يمكنها أن تتحدى شكسبير: أسخيلوس، يوريبيديس، سوفوكليس، وأرسطوفان الإلهي (أنا أتبع هاينريش هايني الذي لاحظ أن: "هناك إله واسمه آرسطوفان").

آثينا الآن في سبات باستثناء الألعاب الأوليمبية والسياحة، بينما أورشليم حية جدا كمركز للصراع الإسرائيلي العربي. للأسف، لقد خفت مجديهما، ولكن كذلك خفت مجد روما، حيث لا يُقرأ فيرجيل كثيرا وكذلك دانتي الفلورنسي حتى ولا يصل أحد لقاماتيهما. مدن العقل تظل ممثلة في باريس ولندن، المدينتين ربما في لحظة انهيارهما العقلي. اللغة العالمية الآن هي الإنجليزية الأمريكية، ومدينة نيويورك بالتالي هي أهم الأماكن الأدبية. هذا بالضرورة يجلب نتائج مختلطة، ولكنه يوضح مقارنتي المكررة بالإسكندرية القديمة، التي خلطت الابتكار بالانهيار الشديد في نهاية عصر. لقد تخلف وعي الإسكندرية وكذلك وعينا، على الرغم من نشوتنا المتناقضة بالجديد.

2

هل المكان الأدبي - بالتعريف البراجماتي - مدينة؟ الشعر الرعوي مثله مثل كل الأشكال الأدبية كان ابتكارا حضريا. الكتاب العبري الذي روجع في المنفي البابلي، والذي يحتوي في الأساس على أسفار التكوين والخروج والعدد، ألفه السارد باسم يهوه في قاعة أعدها سليمان بحرص في أورشليم. لا يمكننا تحديد بداية ما أصبح فيما بعد "الإلياذة" و"الأوديسة"، ولكن اليونان التي تتحدث عنها الملحمتان متركزة في أثينا وطيبة. نفت فلورنسا دانتي وكافالكنتي[vii]، إلا أنهما طورا استخدامهما الأكبر للعامية في روما وميلان. إن مال مونتيني لعزل نفسه من باريس المبتلاة بالحرب[viii]، إلا أنه كان يعرف أن قراءه ساكنين فيها. الأدب الإليزابيثي اليعقوبي استقر افتراضيا في لندن، وتركز في في مسرح جلوب الخاص بشكسبير. إن كانت النهضة الأمريكية انبعثت من كونكورد[ix]إميرسون، وثورو، وهاوثورن، فهي بشكل متساو كانت في موطنها في مدينة نيو يورك الخاصة بويتمان، وملفيل، وعائلة جيمس الصاعدة. وعلى الرغم أن فوكنر ظل في أكسفورد ميسيسيبي بقدر إمكانه، ووالاس ستيفنز في هارتفورد، فإن كان عليّ أن أرشح الكلاسيكية الكبرى في الولايات المتحدة في القرن العشرين، سأختار بدون تردد أشعار هارت كرين، وريث ويتمان الشرعي وهو الشاعر الملحمي لمدينة نيويورك. أكد لي كينيث بيرك[x] عندما رأيته بداية 1975 فصاعدا، أن قصيدة ويتمان "عبّارة بروكلين المارة"، وقصيدة هارت كرين "الجسر" هما أعظم قصيدتين أمريكيتين.

روائيونا العظام – فيليب روث – بينشون – دي لايلو – أصبحوا غير منفصلين عن روح مدينة نيويورك. فقط كورماك مكارثي المتهرب، المتنبيء صاحب "خط الطول الدامي" ظل بعيدا عن مدينة المدن، والذي استبدلها بلندن وباريس كالعواصم الأكثر إثارة للخيال.

3

بغض النظر عن عزلة أي كاتب بارز بسبب مهنته، إلا أنه (أو أنها) يميل ليجد صديقا مقربا في فنان أدبي معاصر. وربما هو انجذاب بين المتنافسين: شكسبير وبن جونسون، بايرون وشيلي، هاوثورن وملفل، همنجواي وسكوت فيتزجيرالد، إليوت وباوند، هارت كرين وآلان تيت وهؤلاء مجرد ثنائيات قليلة تبقى داخل التقليد الأنجلو أمريكي. إلا أن هذا الميل موجود في كل مكان: جوته وشيلر، ووردسوورث وكولريدج، سويفت وبوب، تولستوي وتشيكوف، هنري جيمس وإديث وارتون، وآخرين عديدين، كثيرين جدا على الحصر. الأماكن تتغير: همنجواي وفيتزجيرالد في باريس، بايرون وشيلي معا في المنفى الإيطالي، إليوت وباوند في لندن. هناك استثناءات كبيرة: سرفانتس، ميلتون، فيكتور هوجو، إميلي ديكنسون، جويس وبيكيت (على الرغم أن هذا فحسب بعد ارتباطهما المبكر).

المدن هي جوهر أساسي للعلاقات الأدبية، هذا يتضمن تلك التي يسيطر عليها رمز الأب، مجتمع أولاد بين جونسون في لندن: كاريو، لافليس، هيريك، ساكلنج، راندولف[xi]وآخرين عديدين، أو د. صمويل جونسون وناديه الذي ضم بوزويل، جولدسميث، بيكر[xii]، ضمن آخرين، أو مالارميه وتلاميذه، ومن ضمنهم فاليري، الذي كان في طريقه للتفوق على أستاذه. لندن الحداثية دوما ما تستدعي بلومزبيري[xiii]، مع فيرجينيا وولف كالرمز المتألق، الزينة في المجموعة التي كانت تعتبر إ. م فورستر البطريرك الخاص بها في حالتها التراتبية.

حتى في عصر شاشات الكمبيوتر كان القرب أساسي في الزمالة الأدبية. ولكن حتى الآن أنظر للمدينة كمكان أدبي فقط فيما يتعلق بالأدباء. ولكن كموضوع، وفي الحقيقة كـ "معطى" في الأدب، فالمدينة مسألة أكبر. الانتقال من الحديقة (الجنة) إلى المدينة كتركيز أدبي واضح بقوة في الكتاب العبري، عندما نقل يهوه بيته من جبل سيناء إلى جبل صهيون، ثم إلى هيكل سليمان، ظل جبل سيناء هو الأصل لأنه جبل العهد ولكن في حزقيال (من إصحاح 28 آية 12 إلى ما يليه) وضع (عدن، جنة الله) كهضبة على جبل صهيون، كل من الجبل الأرضي والفردوس. عندما استقر يهوة في الهيكل، كانت عدن قريبة، ولكن مع ذلك لم يكن الانتقال من الجنة إلى المدينة قد اكتمل. هذه مدينة مقدسة، ولكن بالنسبة للتخيل الأدبي فكل المدن العظيمة مقدسة. باريس ولندن ودبلن وبيترسبرج وروما ونيو يورك تقدسوا أيضا، بغض النظر عن المعاناة والظلم الصادر عن تلك المدن.

4

في الولايات المتحدة العاصمة الوطنية واشنطن دي سي هي بالكاد مدينة عقل، ليس فقط بالنسبة لمدينة نيويورك، ولكن أيضا بالنسبة لبوسطن وشيكاجو وسان فرانسيسكو. باري ولندن وروما كلها عواصم ومراكز ثقافة، ولكن واشنطن دي سي لم تضم سوى كتاب أمريكيين رئيسيين قلائل وكانت مصدر موضوعات للروائيين السياسيين فحسب مثل هنري آدامز وجور فيدال[xiv]. الرواية الأمريكية العظيمة لا تزال تحتاج لأن تُكتَب، بخلاف الأعمال العظيمة المبكرة مثل "الرسالة القرمزية" "موبي ديك"، "هكلبري فن" و"صورة سيدة"[xv]، وبضعة أعمال بارزة متأخرة مثل "بينما أرقد محتضرا"، "الصخب والعنف"، "الشمس تشرق أيضا"، "جاتسبي العظيم" إلى "قوس قزح الجاذبية" "مسرح ساباث"، "العالم السفلي" و"خط الطول الدامي".[xvi]أنا لا أعرف إن كان ذلك يتطلب أن تتحول واشنطن دي سي لموضوع للكتابة، أو أن يتم تأليف الكتاب من قبل ساكن فيها.

التصنيع في المدن العظمى في القرن التاسع عشر قدم لنا روايات فيكتور هوجو وديكنز وزولا، تلك التي أنتجت واقعية متخيلة تماما، ربما لم تعد متاحة لنا الآن. الحضرية الكمبيوترية لا يبدو أنها تميل لاستثارة الأدب المتخيل. التحديد المضاعف overdetermination المرئي يغزو العين الداخلية ويجعلنا نهجر السرد أو الجمال الشكلي للشعر والدراما. هناك شيء حزين متكرر في الاستدعاءات المتجددة للأماكن الأدبية، هنا والآن في السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين.




[i]  Callimachus  من القرن الثالث شاعر وناقد يوناني وأحد الدارسين بمكتبة الإسكندرية القديمة.
[ii]  Aristarchus of Samothrace آرسطارخوس الساموثراكي (القرنان الثاني والثالث قبل الميلاد) نحوي ومكتبي بمكتبة الإسكندرية، وصاحب نسخة منقحة من أشعار هوميروس.
[iii]  Samuel Johnson(1709-1784)، Nicolas Boileau-Despréau(1636-1711) شاعر فرنسي،Charles Augustin Sainte-Beuve(1804-1869) ناقد أدبي فرنسي، Gotthold Ephraim Lessing(1729-1781) كاتب وفيلسوف ألماني، Samuel Taylor Coleridge(1772-1834) الشاعر الإنجليزي، Ivor Armstrong Richards(1893-1979) ناقد أدبي وخطيب إنجليزي، William Empson(1906-1984) ناقد أدبي إنجليزي، Kenneth Duva Burke(1897-1993) فيلسوف وناقد أدبي إنجليزي.
[iv]  Francis Edward Peters(1927) أستاذ تاريخ بجامعة نيو يورك.
[v]  Edward Morgan Forster(1879-1970) روائي إنجليزي، الإشارة لكتابه "تاريخ الإسكندرية ومرشد إليها". 
[vi]  Theocritus (القرن الثالث قبل الميلاد) المعروف بمؤسس الشعر الرعوي.
[vii]  Guido Cavalcanti (القرن الثالث عشر الميلادي) شاعر فلورنسي وكان صديقا لدانتي.
[viii]  الحرب الأهلية الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت في فرنسا والتي امتدت من 1562 إلى 1598.
[ix]  مدينة كونكورد ماساشوتس
[x]  Kenneth Burke (1897-1993) فيلسوف وناقد أدبي أمريكي.
[xi]  Thomas Carew(1595-1640)، Ritchard Lovelace (1618-1657)، Robert Herrick (1591-1674)، John Suckling (1609-1642)، Thomas Randolph (1605-1635) شعراء إنجليز جميعهم يعتبرون تلامذة لبن جونسون ومنسوبون لمدرسة الشعراء الفرسان Cavalier poets.
[xii]  James Boswell (1740-1795) الكاتب الأسكتلندي، Oliver Goldsmith (1730-1774) كاتب أيرلندي، Edmund Burke (1729-1797) كاتب أيرلندي، جميعا كانوا أعضاء في النادي الأدبي الذي أسسه صامويل جونسون في لندن.
[xiii]  الإشارة لجماعة بلومزبري التي كانت تضم عددا من الكتاب والمثقفين الإنجليز أبرزهم فيرجينيا وولف والاقتصادي جون كينيز والروائي إ. م. فورستر.
[xiv]  Henry Adams (1838-1918)، Gore Vidal (1925-2012)
[xv]  الروايات على التوالي لناثانيل هاوثورن، هرمان ملفيل، مارك توين، هنري جيمس.
[xvi]  الروايات على التوالي لفوكنر، فوكنر، همنجواي، سكوت فتزجيرالد، توماس بينشون، فيليب روث، دون ديلايلو، كورماك مكارثي.

السبت، 3 سبتمبر 2011

سِفرى المفضل بالكتاب المقدس


سِفرى المفضل بالكتاب المقدس
مقال لهارولد بلوم

ترجمة: أمير زكى
سبتمبر 2011

***

ربما يبدو من الحمق أن أتحدث عن أفضل سفر فى الكتاب المقدس، ولكن سفرى المفضل إلى حد بعيد هو (يونان). سفر رائع وحاذق يتكون من أربعة إصحاحات قصيرة. سفر يونان ظهر فى رواية هرمان ملفيل (موبى ديك) حيث كان مضمون نص عظة الأب مابل العظيمة. السفر مختبئ مع أسفار الأنبياء الصغار[1]، مع أنبياء حادين مثل عاموس وميخا، ولكن يونان خارج هذا السياق، كان لا بد أن ينضم لكتابات مثل نشيد الأنشاد، أيوب، لأنه يملك أيضا أسلوبا أدبيا عاليا. أقرب إلى نموذج الأمثال ولكن فى ثياب القصة القصيرة. سخرية الكاتب (J)[2]تتجدد عند كاتب يونان، الذى ربما كان أيضا يتهكم على جدية النبى يوئيل. رؤيا يوئيل كانت عن دمار الطبيعة "يوم غزو الجراد"، رؤيا يونان المقابلة هى عن الحياة، والاستقلال فى مقابل النزوات الإلهية.

انجذبت ليونان لأول مرة كصبى صغير فى المعبد فى ظهيرة يوم الغفران، عندما قرئ كاملا بصوت عال. بدا لى ذا اختلاف كبير عن بقية ما قرئ فى الخدمة، من حيث شكله ومضمونه، إنه ذو تأثير كافكاوى.

مؤلف سفر يونان غالبا ألفه فى فترة متأخرة بالنسبة للتقليد النبوى، فى وقت ما أثناء القرن الثالث قبل الميلاد. هناك نبى يدعى يونان فى سفر الملوك الثانى (14-25) ولكنه لا يشبه فى شىء يونان المهمل الذى بُعث ليعلن لأهل نينوه أن الله ينوى أن يدمر مدينتهم ليعاقبهم على شرورهم. يونان المبكر هو نبى حرب، بينما يوناننا يهرب بدهاء من مهمته، ليركب سفينة تتجه لترشيش.

لا أحد يبدو مثيرا للإعجاب فى سفر يونان، سواء الله أو يونان أو قائد السفينة ورجاله، أو ملك نينوى وشعبه. حتى اليقطينة التى كانت تحمى يونان من الشمس انتهت نهاية سيئة.[3]هناك بالطبع السمكة الكبيرة (ليست حوتا للأسف)[4]التى ابتلعت يونان لثلاثة أيام قبل أن تخرجه بأمر الله. ليست مثل موبى ديك، فلا تشعرك بالخوف ولا الحسرة.

ويليام تيندل[5]، ترجم سفر يونان، مزودا نسخة الملك جيمس بنصه الأساسى، ولكن ليس بالمرح الذى يظهر من خلال المراجعات. فى مقدمة أقرب إلى أن تكون سلبية لنسخته (قطعة سرد قوية)، تيندل قارن بحقد بين اليهود الذين رفضوا المسيح وبين شعب نينوه الذى صدق يونان وتاب. هذه مقارنة ضعيفة ولكنها تذكرنى بأن تيندل الكاتب العظيم كان أيضا متعصبا.

سفر يونان يعتبر من الأدب العظيم لأنه طريف جدا. التهكم لا يمكن أن يكون أكثر بريقا حتى عند جوناثان سويفت. يونان نفسه نبى متمرد ولا يريد العمل، جبان وسىء الطباع. لا يوجد سبب فى أن يكون نبى موثوق فيه على هذه الشاكلة: إيليا وإليشع قاسيين، إرميا يعانى من اكتئاب ثنائى القطب، حزقيال رجل مجنون. البارانويا والنبوة يبدو أنهما يتحركان معا، وكاتب سفر يونان يسخر من كل من بطله ويهوه فى عودة للسخرية العظيمة للكاتب (J) صاحب الصوت الأرستقراطى الشكاك المرح، المقلل من الظهور الذكورى، الذى لا يؤمن بشىء ولا يرفض شيئا، والمهتم بشكل خاص بحقيقة الشخصيات.

النبى يونان الغارق بين أمثلة ونصوص إشعيا وإرميا ويوئيل مستاء حقا من وضعه كشخص يعانى متأخرا من قلق التأثير النبوى. فلو تجاهلته نينوه فسوف يتم تدميرها، جاعلة من مهمته بلا جدوى، ولو أخذته مأخذ الجد فسوف يثبُت أن رسالته كاذبة. فى كلتا الحالتين فمعاناته بلا جدوى، ويهوه أيضا لا يُظهر تجاهه أى اهتمام. وهو عندما يصلى من بطن السمكة يحاكى بتهكم كُتّاب المزامير بغض النظر عمن هم.

بالنسبة لنينوى المسكينة التى ارتدت – حتى حيواناتها - المسوح وتغطت بالرماد فقد أرجأ يهوى تدميرها. وترك يقطينة غريبة الأطوار كانت حياتها قصيرة جدا ودمارها حث غريزة الموت عند يونان. وما تبقى هو سؤال يهوه البليغ اللاهى:

"أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التى يوجد فيها أكثر من إثنتى عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم و بهائم كثيرة"[6]

من المحتمل أن تكون البهائم (الحيوانات فى النص العبرى) قادرة على تحديد الاتجاهات على عكس سكان نينوه أو أورشليم أو نيويورك. وضع يونان مع الأنبياء الصغار كان خطأ أدبيا ارتكبه جامعى الكتاب. أو ربما هم حكموا على السفر الصغير بشكل جيد، ولم يريدوا إخفاء الملمح السويفتى عن الأنبياء والنبوة.



[1]  أسفار الأنبياء الصغار هى اثنا عشر سفرا بالعهد القديم بالكتاب المقدس، وهى أسفار قصيرة لذلك سميت بأسفار الأنبياء الصغار. (المترجم)
[2]  وفقا لإحدى نظريات نقد الكتاب المقدس فأسفار موسى الخمسة مستقاة من كتابات العديد من الكتاب: الكاتب اليهوى أو الكاتب (J) هو كاتب جنوبى وربما يكون أيضا قد كتب فى قصر داود وسليمان. (بلوم)
[3]  يبست اليقطينة بفعل الله كما فى الإصحاح الرابع من السفر. (المترجم)
[4]  الترجمة العربية تذكر كملة (حوت)، بالإضافة إلى التنويعة القرآنية على قصة النبى يونس التى تذكر أن حوتا ابتلعه أيضا. (المترجم)
[5]  William Tyndale (تقريبا 1494-1536) مترجم إنجليزى بروتستانتى، ترجم أجزاء كبيرة من الكتاب المقدس إلى الإنجليزية (المترجم)
[6]  الترجمة العربية للكتاب المقدس، سفر يونان الإصحاح الرابع، آية 11 (المترجم)