‏إظهار الرسائل ذات التسميات خطاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خطاب. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 11 مارس 2015

نص الخطاب الذي ألقته الكاتبة الجزائرية آسيا جبار عند دخولها الأكاديمية الفرنسية / مترجم / مقالات مختارة

نص الخطاب الذي ألقته الكاتبة الجزائرية آسيا جبار عند دخولها الأكاديمية الفرنسية، يوم 22 جوان عام 2006


نص الخطاب الذي ألقته الكاتبة الجزائرية آسيا جبار عند دخولها الأكاديمية الفرنسية، يوم 22 جوان عام 2006


السيدات و السادة أعضاء الاكاديمية
         أريد أولا ذكر الشاعر جان كوكتو، الذي جرى استقباله هنا في أكتوبر 1955، في نفس التاريخ الذي دخلت فيه المدرسة العليا للأساتذة بباريس، وهو ما يتذكره إثنان أو ثلاثة من الذين درسوا معي وصديقاتي الحاضرين اليوم بيننا .
         "جان كوكتو" إذن بسمو وعذوبة غير متكلفين في كتاباته وصوره، قال في مقدمة خطابه:” يجب علي أن أتجنب كلمات المناسبات، التي يدفعنا نحوها لاشعوريا المكان التاريخي”.
          هل أتجنب كلام المناسبات بدوري؟ المجازفة بالنسبة لي أكبر: لست أملك ظرافة ولا حمية جان كوكتو، المُحتفى به طيلة حياته في المجتمعات الرفيعة ووسط الجماهير المتنوعة. على الأقل الكلمات الأولى لشاعر ألف قصيدة حقول الغناء التي ألقاها في هذه القاعة بالذات، تأتي إلي لأعبر لكم عن تشكراتي لأنكم قبلتموني إلى جانبكم . صوت كوكتو هذا يتدخل كهامس في مسرح يسمح لي بالسيطرة على تصلب ناشئ من حيائي أمامكم.
         لأن هذا المكان يسكنه الكثيرون من الذين كانوا على مدار أربعة قرون تقريبا يتناوبون في عمل دؤوب على اللغة الفرنسية، وحملتهم إلى هنا أعمالهم ذات الطبيعة العلمية، الخيالية، الشعرية أو القانونية. وسط هذا الشعب من الحاضرين/ الغائبين، الذين نسميهم إذن ” الخالدين” أختار كملاك حارس ثان، دونيس ديدرو، الذي لكم يكن مثل فولتير، أكاديميا، لكن شبحه سيكون لي وهذا ما أحسه، الظل الحارس.
         “تهيأ لي، كتب الفيلسوف سنة 1751، أنه ينبغي أن أكون بالمرة في الداخل و الخارج”. وهكذا حدد ديدرو مساره بينما هو ينهي رسالته عن الصم البكم.أستعير منه زاوية المقاربة هذه، لأضع نفسي ” في آن واحد في الخارج وفي الداخل” لأقوم بالثناء كما جرت العادة على من سبقـني في الجلوس على الكرسي رقم 5 العميد جورج فيدل.
أيتها السيدات و السادة و هي تابعة للسابقة…
         اسمحوا لي بالتحدث عنها الآن : فرنسا على مدار أكثر من نصف قرن واجهت الحركة العالمية التي لا تراجع فيها المتعلقة بتصفية استعمار الشعوب، وحدث أن جرى على الأرض التي ولدتُ بها ترك إرث كبير من حياة البشر الذين جرى سحقهم، وتضحيات خاصة وعامة لا عدّ لها، وهذا مؤلم على جانبي التمزق .
           كان الأمر يتعلق أيضا بمواجهة أكثر اتساعا لأوروبا مع كل العالم الثالث، وعلى فلاسفة التاريخ أن يقدروا لماذا أخذت الحربان العالميتان جذورهما دون شك في أن ألمانيا وهي قوة توحدت سنة 1870 وجدت نفسها مستبعدة من التقسيم الكولونيالي لأفريقيا في القرن التاسع عشر.
         أفريقيا الشمالية في زمن الإمبراطورية الفرنسية ـ كبقية أفريقيا بالنسبة لمستعمريها الإنكليز، البرتغاليين أو البلجيكيين- عانت طيلة قرن ونصف بالتمام من سلب خيراتها الطبيعية. ومن تدمير أساساتها الاجتماعية، وبالنسبة للجزائر، الإقصاء من التعليم بلغتي هويتها، البربرية الضاربة في جذور التاريخ، واللغة العربية، التي لم أتمكن حينها من ملاحظة خاصيتها الشعرية إلا في آيات القرآن التي بقت عزيزة علي . الاستعمار جرحٌ كبير عاشه أجدادي لأربعة أجيال يوما بيوم.
          السيدات و السادة، الاستعمار عاشه أجدادنا يوما بيوم على مدى أربعة أجيال على الأقل، وكان جرحا كبيرا!جرحا فتح البعض ذاكرته مؤخرا ، وبخفة من خلال مسخرة الحسابات الانتخابية. قبلها في 1950 ضمن “خطاب حول الاستعمار” بين الشاعر الكبير إيمي سيزار بنفس كلماته القوية، كيف أن الحروب الكولونيالية في أفريقيا و آسيا، وبالفعل “نزعت غطاء الحضارة” و “وحشت” كما قال أوروبا.
           في قلب حرب الجزائر من جهتي، على العكس استفدت من حوارات دافئة مع المعلمين الكبار لسنوات الخمسينات: لويس ماسينيون، دارسٌ للإسلام من نوعية نادرة، لأجل أبحاثٍ حينها حول التصوف النسوي في القرون الوسطى، المؤرخ شارل أندري جوليان الذي كان عميدا لي في جامعة الرباط في حوالي 1960، وأخيرا عالم الاجتماع المستعرب جاك بيرك الذي وقف إلى جانبي ويا للحسرة مباشرة قبل موته في قلب العنف الإسلامي خلال العشرية الماضية المسلط على المثقفين في الجزائر.
           سأضيف إلى هذه القائمة، الصديق السابق الذي لا يظهر غاستون بونور الذي من مصر جاء ليُـنهي حياته العملية كأستاذ في المغرب. كان واحدا من القلائل الذين شجعوني في بداياتي كروائية، وهو ما فعل في وقت متأخر الشاعر بيار إيمانويل الذي أخذ مكانه بينكم.
         أنتهي بالخصوص إلى ذكْــر امرأتين أعطتاني القوة لأكون ما أنا وأقصد مؤلفة تكتب بالفرنسية: احداهما السيدة بلاسي، في مدرسة البليدة، بقراءتها البسيطة لشعر بودلير- كان عمري 11 سنة-، الأخرى في باريس، الأستاذة دينا دريفوس التي مررت لي من خلال دراسة ديكارت وكانط شيئا من الصرامة، كنت في التاسعة عشر…
         أريد أن أضيف، وأنا أفكر في الكثير من الجزائريات اللاتي يكافحن اليوم من أجل حقوقهن كمواطنات، اعترافي بجميل جيرمان تيليون، التي سبقتنا جميعا، بأعمالها في الأوراس، كان ذلك في الثلاثينات، وبعملها الحواري في خضم معركة الجزائر سنة 1957، وأيضا لكتابها “الحريم وأبناء العم” الذي كان لنا منذ الستينات “الكتاب المضيء”، عمل واضح الرؤية أكثر مما هو مثير للجدل.
         مثل جورج فيدل، توجهت للفلسفة. متحمسة، كنت في الواحدة والعشرين، بالمنزلة الرفيعة لأبن رشد، ابن رشد هذا العبقري الأندلسي الذي كان أحيت جرأة تفكيره الموروث الغربي، لكن وحين تعلمت الإنكليزية، اللاتينية والإغريقية، ومثلما رغبت دون جدوى في تحسين عربيتي الكلاسيكية، كان علي أن أقلص من طموحي والقبول مكرهة لأصير مؤرخة. في هذا المنحى أحادية اللغة الفرنسية التي تم فرضها في الجزائر المستعمرة، كانت تريد تقليل قيمة اللغات الأم، وتدفعنا أكثر للبحث عن أصولنا.
        وهكذا أقول نبضت “رغبتي الملحة في اللغة”، لغة متحركة، لغة أصنع إيقاعاتها لأقول لنفسي أو لأعبر على أنني لا أحسن الحديث لنفسي، وإلا يا للأسف أحيانا في الجرح… وإلا في الصراع بين لغتين، لا بين ثلاث لغات، وفي هذا المثلث غير المتساوي الأضلاع، على مستويات قوة أو تواضيح مختلفة علي أن أجد مركز توازني أو اهتزازي لأضع كتابتي، وأجعلها تستقر بدل المخاطرة بجعلها تهرب مني.
         اللغة الفرنسية، لغتكم أيتها السيدات والسادة، صارت لغتي، على الأقل كتابة، الفرنسية إذن مكان تنقيب لأعمالي، فضاء لتأملاتي أو لأحلامي، هدف لطوباويتي ربما، ولأقول حتى أنها إيقاع تنفسي اليومي: ما أريد وضعه الآن، أو أن أبقى خيالا واقفا على عتبتكم.
         أتذكر العام الماضي في جوان 2005، اليوم الذي انتخبتموني فيه عضوا لأكاديميتكم أجبت الصحفيين الذين كانوا يريدون معرفة ردّ فعلي قائلة “كنت سعيدة لأجل الفرنكوفونية في البلاد المغاربية”.
         الرصانة تفرض نفسها، لأنه تملكني إحساس فيزيائي تقريبا أن أبوابكم لن تنفتح لي وحدي، ولا لكتبي فقط، لكن لظلال زملائي التي لا تزال حية - كتابا، صحفيين، مثقفين، نساء ورجال الجزائر الذين دفعوا في عشرية التسعينات حياتهم ثمنا للكتابة، ولعرض أفكارهم، أو فقط لأنهم مارسوا التعليم باللغة الفرنسية. منذئذ، بفضل الله بدأت بلادي شيئا فشيئا تكوي جراحها.
           سيكون ربما مفيدا أن نذكر أنه في طفولتي في الجزائر تحت الاستعمار (كانوا يسمونني حينها “فرنسية مسلمة”) بينما هم يعلموننا أن “أجدادنا الغاليين (من بلاد الغال)” في تلك الفترة تحديدا الغاليين، أفريقيا الشمالية (التي نسميها أيضا نوميديا) أرضي العريقة كانت لديها كتابة أدبية رفيعة النوعية، باللغة اللاتينية…
          سأذكر ثلاثة أسماء كبيرة: أبوليوس، المولود سنة 125 بعد المسيح في مادور (مداوروش الحالية بسوق أهراس) في شرق الجزائر، كان طالبا في قرطاج ثم في أثينا، يكتب باللاتينية، يلقي محاضرات رائعة بالإغريقية، له أعمال أدبية كثيرة، أبرزها “الحمار الذهبي أو التحولات”، وهي رواية عن التشرد، حافظت حيويتها، وحريتها و قهقهاتها على عصرنة عجيبة… يا لها من ثورة، ينبغي ترجمتها للعربية الشعبية أو الأدبية، لا يهمّ، الأكيد أن ذلك سيكون لقاحا منقذا يجب القيام به الأصوليات من كل حدب التي ظهرت اليوم.
           بينما ترتوليان الذي ولد وثنيا في قرطاج سنة 155 بعد المسيح، و الذي اعتنق المسيحية فيما بعد، فهو مؤلف لحوالي ثلاثين عملا منها دفاعاته ذات الصرامة النقية ويكفي أخذ جملتين أو ثلاثة التي برزت من القرن الثاني المسيحي واللاتيني لتبدو فجأة وكأنها كلمات خطيب منبر يبغض النساء وغير متسامح من أفريقيا. مثلا لنأخذ مقطعا من تأليفه “عن حجاب العذارى” وفيه هذا التأكيد: ” كل عذراء تكشف نفسها – يكتب ترتوليان- تتعرض لنوعٍ من الدعارة !” و في مكان آخر يقول ” منذ أن كشفتم عن رأس هذه الفتاة، لم تعد عذراء كاملة في نظرها”.
           نعم، لنترجمه بسرعة إلى العربية، لنثبت لأنفسنا، على الأقل أن الهوس بكره النساء الذي يختار دائما الجسد الأنثوي كقضية ليس فقط تخصصا “إسلاميا”.
           في منتصف القرن الرابع، مرة أخرى في الشرق الجزائري ولد أكبر أفريقي من ذاك الزمن القديم، ولا شك أنه كذلك في كل أدبنا: أوغسطين، ولد لأبوين بربريين تأثرا باللاتينية… ولا فائدة من التطرق لتفاصيل مسار معروف لأب الكنيسة هذا: تأثير أمه مونيك التي تتبعته من قرطاج حتى ميلان، ونجاحاته الفكرية والمجتمعية، ثم مشهد الحديقة الذي اهتدى إثره، وعودته إلى منزل والده في تاغاست، وبداياته كقسيس في هيبون (عنابة الحالية) وأخيرا كفاحه الطويل لما لا يقل عن عشريتين، ضد الدوناتيين، من البربر الذين اعتنقوا المسيحية، لكنهم بقوا متصلبين بشدة في انشقاقهم.
           بعد عشرين سنة من النضال ضد هؤلاء الذين كانوا بمثابة “المسيحيين الأصوليين” في وقته، والذين كانوا على اتصال مع أتباعهم الذين يتكلمون البربرية، اعتقد أوغسطين أنه هزمهم: بالتحديد تصور أنه انتصر عليهم سنة 418 في قيصرية ( شرشال) موريطانيا (مدينة عائلتي و جزء من طفولتي).
          كان مخطئا. بعد ذلك بثلاثة عشر سنة، مات سنة 431 في هيبون التي حاصرها الوندال الذين جاؤوا من إسبانيا والذين على سواحلها قاموا خلال عام واحد بتدمير كل شيء تقريبا.هكذا يشكل هؤلاء الكتاب الكبار جزءا من تراثنا، ينبغي أن تتم دراستهم في الثانويات المغاربية: باللغة الأصلية أو في ترجمات فرنسية وعربية .
          علينا التذكير أنه لقرون رافقت العربية انتشار اللاتينية والإغريقية في الغرب حتى نهاية القرون الوسطى. بعد 711 وحتى سقوط غرناطة سنة 1492 عربية الأندلسيين أنتجت أعمالا جليلة من مؤلفيها ابن بطوطة الرحالة المولود في طنجة، ابن رشد الفيلسوف الذي شرح أرسطو ليرد على الغزالي، وأخيرا المتصوف الكبير في الغرب الإسلامي ابن عربي، الذي سافر من بجاية غلى تونس ومنها عاد إلى قرطبة ثم إلى فاس.
            العربية كانت حينها أيضا لغة علوم ( طب، فلك، رياضيات و غيرها). وهكذا ففي لغة الآخر (البدو من الجزيرة العربية أدخلوا البربر في الإسلام ليغزوا معهم إسبانيا) كان أجدادي الأفارقة يكتبون ويخترعون. آخرهم وجه للحداثة يرمز للقطيعة كان ابن خلدون الذي ولد بتونس، وكتب تاريخه عن البربر في الجزائر، في منتصف القرن الرابع عشر وأنهى حياته سنة 1406 في المشرق، كما فعل تقريبا قبله بقرنين ابن عربي. بالنسبة لهذين العبقريين المتصوف الأندلسي والمتشكك مخترع علم الاجتماع كانت لغة الكتابة محركا لهما، هما ينتميان للعالم، اختارا المنفى على موطنهما على أن يتركا التأليف.
         فيم تنفعني اليوم لغتي الفرنسية ؟ أطرح السؤال على نفسي بصراحة مذ كان عمري 20 سنة، لقد اخترت تدريس التاريخ المغاربي في الجامعة.
        مثل العميد فيدل أحب في هذه المهنة حرية الفكر التي تضمنها، وكذا الاتصال بالمفكرين الشباب لنوصل لهم ما نحب، ونبقى يقظين معهم لأنهم يوجهون بوصلتنا بينما نحن نتقدم في السن. لم أفعل بعد كل شيء سوى أنني مددت في عمر نشاط والدي الذي كان معلما في الثلاثينات في قلب جبال الجزائر، وحيدا في مدرسة لا تصل إليها الطريق، يعلم الأطفال بالفرنسية، ويضيف دروسا للكبار من جيله، يضمن لهم تكوينا سريعا في الفرنسية ويهيئهم بذلك لمزاولة وظائف صغيرة في الإدارة لكي تحصل عائلاتهم على مواد منتظمة.
         منذ الخامسة عشرة انتميت إلى مفهوم ساخن للأدب.” أكتب لأتعرف على نفسي” يقول الشاعر هنري ميشو، وتبنيت بصمت هذه المقولة.
         الكتابة صارت لدي نشاطا ليليا في الغالب، بأي حال نشاطا دائما، بحث تتقطع معه الأنفاس… أكتب بحمية “الاجتهاد” يعني بالبحث المصوب نحو ماذا، نحو الذات أولا. أتساءل، مثل من ربما بعد كل شيء مثل بطل أبوليوس المتحول الذي سافر إلى تيساليا، سوى أنني لا أريد أن أحتفظ من هذا التقارب الرنان بغير حركة و تسكع لوسيوس، نظير المؤلف ابن بلدي قبل تسعة عشر قرنا…
        هل تتساءلون انني أكتب متحولة، مقنعة وهذا القناع الذي لا تريدون مع ذلك نزعه هل هو اللغة الفرنسية ؟
        منذ عقود لم تعد هذه اللغة عندي لغة للآخر- تقريبا جلدي الثاني، أو لغة متغلغلة في داخلي، نبضاتها ضد خفقات القلب، قريبة جدا من الشريان التاجي، ربما تحيط بعقبك بعقدة خيط متدلية، لتصنع إيقاع مشيتك (لأنني أكتب و أمشي، يوميا تقريبا في حي سوهو أو على جسر بروكلين)… ولا أحسّ حينها سوى بنفسي سوى عينان تنظران وسط عالم عملاق يولد. فرنسيتي تصير طاقة باقية تساعدني على تجرّع الفضاء الأزرق الرمادي، كل السماء.
         كان يمكن أن أصبح في نهاية السبعينات بالمرة سينمائية بالعربية و روائية بالفرنسية. رغم فيلمي الطويلين، الذين احتفي بهما في البندقية و برلين، لو أنني أصررت على الكفاح ضد ذكورية الممسكين بسينما الدولة في بلادي، بصورها الكاريكاتورية من الماضي، و صورها الشعبوية المثيرة للأسى، كنت سأختنق كما كان مصير العديد من السينمائيين الذين تم تكوينهم بجدية. هذا العقم الهيكلي كان ينبئ في العمق في الجزائر بموجة اللاتسامح والعنف الذين عرفتهما عشرية التسعينات. كنت إذن سأغامر بالعيش صماء و عمياء بطريقة ما، لأنني ممنوعة من الإبداع المرئي-المسموع.
         لكن من خلال استطلاعي لأخذ ذاكرة نساء الجبال في الظهرة بالعربية وأحيانا البربرية المستعملة كصمام لذكريات الذبيحة المؤلمة تلقيت صدمة نهائية. كانت عودة للمنابع، لأقل حتى أنه كان درسا أخلاقيا وجماليا من نساء من أعمار مختلفة من قبيلة أمي، كن يتذكرن حياتهن أيام حرب الجزائر، وأيضا حياتهن اليومية.
          تحررت ألسنتهن مع صور مفاجئة، نصف كتابات، مرة وغريبة، تترك إيمانا قويا أو مطمئنا كنبع ماء يغسل و يمحي الأحقاد. نساء جبل شنوة أعدن لي بصيرتي وفرنسيتي تنورت بهن تعلمت الرؤية من جديد، ومع رغبة في التوصيل بطريقة شبه فرجيلية لهذا الواقع، استعدت الوحدة الداخلية، بفضل تلك الكلمات المحفوظة من أخواتي، وحيائهن اللامعلوم، وأيضا الصوت الأصيل الذي بدأ يختمر في قلب فرنسية كتابتي، و هكذا مسلحة أو متصالحة اتجهت نحو آفاق رحبة.
           هناك على الضفة الجنوبية التي تركتها، من ينظر بعد الآن إلى كل امرأة التي لم تكن لها من قبل حقّ النظر، تمشي بخطى صغيرة مطأطئة، عيناها نحو الأسفل، تغطي وجهها، جبهتها وكل جسدها بثياب شتى، من صوف وحرير وقفاطين؟ أجساد متحركة صارت بينما كان تمدرس البنات من كل الأعمار مفروضا في أصغر قرية فيما يبدو تحت الرقابة بصورة أشد ؟
          المهندسة المعمارية الشابة في نوبة نساء جبل شنوة، تعود إلى منطقة طفولتها، نظرتها إلى القرويات تطلب تبادل الكلام، وتتداخل حواراتهن.
        هل من الصدفة أن كل أعمال النساء في السينما تضيف للصوت وللموسيقى ولنبرة الأصوات المأخوذة والمفاجأة بعدا أكثر عمقا من الصورة ذاتها ؟ كما لو أنه ينبغي الاقتراب أكثر من الشاشة، وملئها، لكن الصوت ممتلئ، حادّ كصخرة، هش وغني كقلب بشر.
        هكذا توجهت للعمل في مجال الصورة والصوت، لأنني كنت أقترب من لغة أم لا أريد رؤيتها إلا في الفضاء، أرغب في أخذ هيئتها نهائيا، لغة كضربة الشمس تصنع إيقاعا خارج أجساد المرأة الماشية، الراقصة ، التي دائما في الخارج، تحد أساسي.
      أما بالنسبة للفرنسية في نهاية أي ترحال بشري يمكن أن نصنع ظفيرة للغة تبدو واضحة في نسيج أصوات أخواتي ؟ كلمات كل لغات العالم تتلامس، تتهجأ، تطير مثل سنونوة تصنع عشها.. نعم الكلمات يمكن أن تتنفس، لكن شكل رسمها ، لا يلغي أجسادنا الحاملة للذكريات.
        القول دون تصنع إن كتابتي بالفرنسية تحمل بذور أصوات وإيقاعات الأصل، مثل الموسيقى التي جاء بيللا بارتوك ليسمعها سنة 1913 حتى في قمم الأوراس. نعم لغة كتابتي تنفتح على المختلف، تتخفف من محظورات الاختراق، تتمطط لكي لا تبدو كغطاء مائدة مملوء تشده خيوط الصمت.
          فرنسيتي تنورت منذ عشرين سنة من ليلة “نساء جبل شنوة” وبدا لي أنهن لا زلن يرقصن من أجلي في مغارات سرية، بينما يشعّ البحر المتوسط عند أقدامهن، إنهن يحيينني، يحمينني . حملت إلى ما وراء الأطلسي ضحكاتهن، صور “شفا” – نطقتها بالعربية- يعني للبرء. لأن فرنسيتي، مغلفة بالمخمل، لكن أيضا بأشواك لغات كانت مخفية، ستجعل ربما جروح الذاكرة عندي تندمل.
           السيدات و السادة، أنها رغبتي الأخيرة في “الشفاء” لنا جميعا، لنفتح واسعا “كتاب الشفاء” - نطقتها أيضا بالعربية - كتاب شفاء (الروح) لابن سينا، المسلم من اصفهان الذي كان سباقا للعلم في شتى تخصصاته، وفاجأ قبل بيك دو لا ميراندول بأربعة قرون القراء والعلماء المتابعين…
        لا يمكنني من أجل أن أختم، ألا ألتفت نحو فرانسوا رابلي ” العابر الكبير للطرقات الخطرة” كما يسمى، رابلي إذن الذي كان في مونبيليي يدرس الطب، انغمس في كتب الشفاء. وفي رسالته من غارغونتيا إلى بنتاغريال سنة 1532، أي قبل قرن من إنشاء الأكاديمية من قبل الكاردينال دوريشليو قدم النصيحة بتعلم ” أولا الإغريقية، ثانيا اللاتينية، بعدها العبرية للآداب المقدسة، والعربية لنفس السبب” وأضاف غارغونتيا سريعا للبرنامج ” القانون المدني، أريد أن تعرف عن ظهر قلب كل النصوص الجميلة”.
           ولهذا أتصور أيتها السيدات أيها السادة أنه في هذه اللحظة فوق رؤوسنا يتحاور فرنسوا رابلي في الأعالي مع ابن سينا، بينما أضحك أنا هنا تجاه العميد فيدل الذي بفضلكم أخلفه اليوم.


ترجمة عمر شابي
منشور بالكامل بالفرنسية على الموقع الرسمي للأكاديمية.