الثلاثاء، 12 يونيو 2012

جاك بيرك : لمحات سوسيولوجي


جاك بيرك : لمحات سوسيولوجي

مُساهمة من طرف الحسين ابوهوش

من بين أهم السوسيولوجيين الذين كان تأثيرهم
واضحا من خلال الدراسات التي قاموا بها ، و التحاليل السوسيولوجية للظواهر
الاجتماعية البارزة في المجتمع المغربي في العقود السابقة نذكر عالم الاجتماع
الفرنسي الأصل، الجزائري المولد جاك بيرك كأحد المفكرين و العلماء الذين أبدوا
حماس كبير لفهم المجتمع المغربي . فكيف يقارب جاك بيرك المجتمع المغربي ؟ هل يمكن
القول على أن الطرح البيركي للقبيلة يوافق الطرح الكولونيالي ؟ ثم كيف تميزت
الدراسات المغربية في تناولها لهذا الموضوع ؟ هل هي مؤيدة أم معارضة ؟


بطبيعة الحال أن هذه الأسئلة تستفز
تفكيرنا ، و تضطره إلى فهم و استيعاب
نتائج هذه الأبحاث ، و هو ما قام به الكثير من المتخصصين السوسيولوجيين
منهم و المفكرين ، الغربيين و المغاربة ، على حد سواء ، على اعتبار أن معظم
طروحاتهم و نماذجهم التحليلية كانت تتعارض فيما بينها ، بل أن بعضها ينتقد الآخر و
يظهره على أنه ليس بالتفسير و التحليل الكافي و الحقيقي للبنية الاجتماعية
المغربية (المجتمع القبلي).


لقد استعمر المغرب بشكل رسمي في 30 مارس 1912
، من خلال معاهدة فاس التاريخية التي بموجبها تم إخضاع المغرب لنظام الحماية ، أو
بالمعنى الصريح للعبارة "استعمار" المغرب ، لقد استعملت الدولة
المستعمرة ، فرنسا على وجه التحديد ، مجموعة من الأساليب ليكون دخولها للمغرب
هينا و ذو تكلفة بشرية و مالية قليلة
الخسائر ، و من ضمن هذه الوسائل و الطرق ،
اتخاذ العلم كركيزة أساسية في فهم هذا المجتمع و تفسير أهم الظواهر و الأسس التي يرتكز عليها ، و البحث عن نقاط
الضعف و نقاط القوة لتدجينها حسب مقتضيات الأهداف العامة و الخاصة للإدارة
الاستعمارية، "هذه الدراسات بدأت قبل الحماية أي قبل سنة 1912- و بعد ذلك
امتدت لعشرات السنين- للتعرف على هؤلاء الناس و المجتمعات التي تريد الإمبريالية
استعمارها . كيف يفكرون ؟ ما هو منطق تفكيرهم ؟ كيف يعيشون ؟"[1] ، و
بالتالي استغلالها و الاستفادة منها بشكل
يسهل عمل الجسم الاستعماري السيطرة
و التحكم في البلاد .


لقد كان لاحتكاك بيرك بمجتمع "المغرب
الكبير" -كما يسميه هو- عن قرب تأثير كبير على إنتاجاته السوسيولوجية ، فقد
تناول الظواهر الاجتماعية التي كانت تميز مجتمعات شمال إفريقيا من كونه فرد ينتمي
لهذا المجال الجغرافي ، لذلك فقد كانت دراساته تصب في مجملها في هذا الإطار . و
انطلاقا من كون المجال القروي هو المجال المهين في تلك الفترة على حساب المجال
الحضري (المدينة) ، فإنه كان من المنطقي أن تصب معظم الأعمال التي أنتجها على
الوسط القروي .


لقد اعتمد جاك بيرك بقوة في تحليله للظواهر
الاجتماعية على التاريخ ،إنه وقبل كل شيء مؤرخ اجتماعي للعالم الإسلامي"[2] ،
"فقد حاول بيرك من خلال تركيزه هذا
على التاريخ الإلمام بكل الجوانب التي تهم حياة المجموعة التي تناولها كموضوع للدراسة"[3] "
فالتاريخ يمثل في آن
واحد المنطق و النتيجة في هذا البحث "[4](يتحدث عن البحث الذي
قام به في كتابه "البنيات الاجتماعية في الأطلس الكبير") . بطبيعة الحال
لم يكن التركيز على التاريخ فقط في مؤلفه السالف الذكر ، بل كان جوهر معظم الأعمال
التي قام بها ، من حيث تناوله للمواضيع الدينية
عند "قبيلة سكساوة" مثلا، و الزوايا ، تاريخ تطور الدولة المغربية منذ مجيء السعديين ... إلى غير ذلك من
المواضيع . لعل هذا الحضور القوي للتاريخ في الأبحاث السوسيولوجية عند بيرك له
دلالات عميقة ، و أبعاد أعمق باعتبار أن أي مجتمع أريد لنا دراسة ظواهره
الاجتماعية يكون من الأفضل فهم تاريخه ، و
التحولات التاريخية التي طرأت عليه . خاصة إذا علمنا أن هذا المجال الجغرافي "للمغرب
الكبير" الذي كان مهد الدراسات التي قام بها بيرك يولي اهتمام كبير لتاريخه .
"فالتحليل الاجتماعي التاريخي هو الذي مكن بيرك من فهم بعض مظاهر السلوك
الجماعي و الخصائص العقلية و النفسية التي مازالت تتحكم بكل وزنها في العلاقة بين
الأفراد و الجماعات ضمن جدلية الصراع الموروث عن الماضي"[5] .


تجرنا أعمال جاك بيرك و الفترة الزمنية التي
عايشها إلى الحديث عن مدى علمية إنتاجاته السوسيولوجية ، خاصة إذا علمنا أن هذه الفترة الزمنية كانت
فترة زاخرة في العطاءات السوسيولوجية و الأنثروبولوجية التي كانت غزيرة أنذاك، لكن
بقدر غزارة هذه الأعمال ، بقدر ما تطرح أسئلة كثيرة عن تجاوبها مع الدقة
الإبستيمولوجية ، والموضوعية في التحليل التي تتطلبها السوسيولوجيا في أي مقاربة اجتماعية ، وفي هذا الإطار فقد
رأى عبد الكبير الخطيبي أن الإنتاجات العلمية السوسيولوجية التي تناولت المغرب هي
في حدود 97 ، بمعنى أن باقي الإنتاجات الأخرى ليست بالعلمية . لقد تدخلت
الأيديولوجيا بقوة و تخللت معظم الأبحاث
التي قام بها هؤلاء السوسيولوجيين الذين تناولوا الظواهر الاجتماعية بالمغرب .
"إن سوء حظ المغرب الحقيقي هو أن تاريخه كتبه لمدة طويلة هواة بلا تأهيل: جغرافيون
أصحاب أفكار براقة ،وموظفون يدعون العلم،و عسكريون يتظاهرون بالثقافة ، و مؤرخو
الفن يتجاوزون إختصاصاتهم، وبكيفية أعم مؤرخون بلا تكوين لغوي أو لغويون و
أركيولوجيون بلا تأهيل تاريخي. يحيل بعضهم على الآخر ، يعتمد هؤلاء على
أولئك،وتحبك خيوط مؤامرة لتفرض الافتراضات البعيدة كحقائق مقررة "[6]. غير أن هذا ليس بمبرر للاستغناء عن هذه
الطروحات و النماذج التحليلية ، "فبالرغم من كون العلوم الاجتماعية
الكولونيالية قد قاربت المجتمعات المغاربية كلها بخلفيات إيديولوجية مستوحاة من
المشروع الاستعماري الذي كان يؤطرها ، فإنها استعملت من الناحية التحليلية
النظريات و الأدوات المفاهيمية التي كانت سائدة في وقتها"[7] ، و على غرار
ذلك يرى أندري آدم (andré adam) أن " السوسيولوجيا
الكولونيالية هي سوسيولوجيا مهمة و لا يمكن تقديرها "[8]. تبرز أهمية هذه
الدراسات السوسيولوجية كون أنه لم تكن هناك نماذج تحليلية بديلة عنها ، بالتالي
الرجوع إلى هذه الأبحاث مسألة لا غنى لنا عنها ، و هو الأمر الذي لا يعطي أي مبرر
للنزوح عن تفكيك مفاهيمها و انتقاد
النتائج التي توصلت إليها .


من الصعب علينا أن نحدد ما إذا كان جاك بيرك ينتمي إلى هذه المجموعة أو لا
، فإذا اعتبرنا موقفه من التدخل الاستعماري الفرنسي و مقاومته لهذا النظام و
المخططات التي قام بها هذا الاستعمار لزرع المعمرين و فتح الأبواب أمامهم لاستغلال
الثروات خاصة في المناطق القروية ،و استفادتهم من الأراضي الصالحة للزراعة على
حساب سكان هذه المناطق ، فإنه من المجحف
اعتبار أن إنتاجات جاك بيرك لها خلفيات استعمارية أو أفكار و تصورات سابقة أو أحكام قيمة وجاهزة كانت له حماسة في تطبيقها على المجتمع المغربي
من أجل تبرير ممارسات الإدارة الاستعمارية اتجاه
المغرب و المغاربة.يعتبر جاك بيرك مع باحثين آخرين "من الفرنسيين
الذين انتصروا للعلم ضد الاستعمار و للمغرب ضدا على فرنسا و لتأسيس معهد للعلوم
الاجتماعية يتكفل بإنتاج الأطر المغربية ضدا على استمرار التبعية الشاملة و الكلية
لفرنسا في هذا المجال"[9].


لقد انتقد جاك بيرك الإدارة الاستعمارية
كثيرا ما خلق له مشاكل في عمله كمسؤول إداري ، مما أدى به في نهاية المطاف إلى "أن
يتحول تحولا جذريا في فكره السوسيولوجي في
المغرب"[10] بمعنى أن خلفيات تحليله
للواقع الاجتماعي بالمغرب انبنت على أساس
تقدمي . فقد كان يظن في البداية أن عمل
الادارة الاستعمارية هو عمل لصالح المجتمع الذي تسيطره عليه و تتحكم فيه ، إلا أنه
و بالاحتكاك اليومي و المعايشة اليومية و الملاحظات التي كان يسجلها اتضح له أن كل
الممارسات و القوانين الاستعمارية المفروضة هي مجحفة لأفراد هذا المجتمع وقد زاد
تأثير هذا التصور بعد تقديم عريضة الاستقلال و تنامي دور الحركة الوطنية في مجابهة
هذا المد الاستعماري .


لقد
كانت أهم إنتاجات جاك بيرك هي التي
تضمنها كتابه " البنى الاجتماعية في الأطلس الكبير" دراسة قام بها على
قبيلة سكساوة ، فقد قدمت له هذه المنطقة فرصة لتعميق أبحاثه السوسيولوجية ، "لقد
اختار بيرك هذه المنطقة بالذات باعتبار أنها لم تعرف أي تدخل للسلطات الاستعمارية
إلى حدود سنة 1927"[11]، على اعتبار أن التدخل الاستعماري في مناطق أخرى قد
غير من بنيتها (نسبيا)و علاقات أفرادها ، فمثلا كان هناك تواصل و علاقات بين
القواد و الإدارة الاستعمارية أمثال لكلاوي ، القائد العيادي ....وكذلك تغير على مستوى بناء المؤسسات التقليدية و تراجعها ،
إذ لم تعد هناك استقلالية للقبائل ، فقد
تم إخضاع أغلبها إما ترغيبا أو ترهيبا أو بالقوة لمطالب الإقامة العامة . بالتالي دراسة منطقة لم يمتد إليها الاستعمار
يعد أمرا مهما بالنسبة لجاك بيرك .


بطبيعة الحال ، كانت قد سبقت دراسات جاك
بيرك دراسات أخرى تناولت مختلف المواضيع التي كانت تؤرق الفكر السوسيولوجي أنذاك ،
و كانت تطرح مجموعة من التساؤلات و الاستفهامات حول هذا المجتمع ، ولذلك فقد حاول
جاك بيرك أن يقيس مدى صحة و إجرائية أحد
أهم النظريات التي هيمنة بشكل أو بآخر على الباحثين الكولونياليين في مقاربتهم
لبنية المجتمع المغربي ، نتحدث هنا عن ظاهرة "اللف" كما قاربها روبير مونطاني .


لقد استنتج جاك بيرك مجموعة من النقاط
الأساسية و اعتبرها مهمة في دراسة مجتمع المغرب الكبير . إذ لاحظ على ارتكاز
القبيلة على الجد الأكبر كأصل مشترك بين
العشائر و العائلات المكونة للقبيلة هو مجرد وهم ، "فقد انتبه باحث حاذق أن
التسمية المشتقة من الجد المشترك تخفي تنوعا كبيرا في أصول السكان ، و من تم عبر
نفس المؤلف عن تشككه إزاء التفسير الذي يعتمد على عامل السلالة الواحدة ، فاتضح أن
الالتجاء إلى الجد الذي ينتمي إليه اسم السلالة هو في الواقع مجرد وهم"[12] .
في الواقع الارتكاز إلى اعتبار أن هناك جد مشترك يجمع مكونات القبيلة له بعد رمزي
أكثر من أي شي آخر يمكن قوله في هذا الإطار ، لأن هناك مجموعة من المحددات
الأساسية التي يجب عدم التغاضي عنها تخفض من أهمية هذا الطرح ، فالحركية
الاجتماعية للمجتمع المغربي سواء العسكرية أو الترحالية أو فيما يتعلق بالغزو ...كلها
معطيات مادية يمكن لها تؤكد ضعف نظرية وجود جد مشترك ، "هناك ظاهرة يبدو أنها
لم تثر انتباه الباحثين الآخرين(...) وهي عملية اختيار الجد ، عندما يتعلق الأمر
بقسمة قبلية تتكون من عناصر لا تنتمي إلى نفس الأصل هذه الظاهرة شديدة الانتشار
تحدث في ظروف الحرب و الغزو ، أو عندما يغير أناس لسبب أو لآخر انتماءهم على مستوى
السلالة أو القسمة القبلية أو القبيلة ، أو على المستوى الجغرافي بالنزوح من منطقة
إلى منطقة أخرى ، في كلتا الحالتين يتم دمج المجموعات المغلوبة و الدخيلة في نسب
الغزاة أو من يمنحونهم حق اللجوء و الضيافة"[13] بالتالي الحديث عن جد مشترك
للقبيلة لا يعدو أن يكون ذا بعد رمزي
يستهدف من خلاله إعلان الفرد انتماءه إلى جماعة معينة أكثر من أي شي آخر بهدف تكوين عصبية للدفاع أثناء تعرض
القبيلة لأي تهديد خارجي.


يطرح عبد الله حمودي نموذجا تاريخيا لقبيلة
آيت عطا في الفترة الممتدة منذ بداية الحماية ، إذ أن هذه القبيلة غزت مناطق و
أراضي و أشجار و واحات متاخمة لها ، و
منحت هذه المناطق (المستوطنات) أسماء هي في واقع الأمر أسماء لبرابر ينتمون إلى
قبيلة آيت عطا ، بالتالي تم دمج سكان المناطق المغزوة داخل قبيلة آيت عطا .


هناك ملاحظة أخرى لجاك بيرك ، تتأسس هذه
الملاحظة على استنتاج جوهري بالنسبة لبيرك ، لقد لاحظ على أن ما يجمع مناطق المغرب
الكبير يرتكز في سماه ب"التواترات" بمعنى هناك روابط تجمع قبائل المغرب
الكبير تنبني على الأسماء ، " تتكرر نفس أسماء المجموعات هنا و هناك عبر مجال
المغرب الكبير إنه تقاطع جغرافي تبلغ كثافته درجة يصعب معها تشخيص الظاهرة على
الخريطة ، فيكفي أن ننزل إلى مستوى العائلات لكي تبرز الأسماء في مواقع غير مرتقبة
، في بعض الحالات تعلل عودة الأسماء محليا بواسطة أحداث تاريخية : التكاثر المطرد
، و التشتت انطلاقا من جذع أصلي و الهجرات..إلخ ، لكن في معظم الأحيان ، يغيب
التفسير أو يضيع . إن نسيج المجموعة في المغرب الكبير هو عبارة عن معادلة تشمل عدة
عناصر مجهولة ، وهذه العناصر هي الأسماء و كل إسم يحيلنا إلى أسماء مماثلة"[14]
، يمكن أن نفسر هذه الظاهرة حسب بيرك انطلاقا من مجموعة من المدخلات الرئيسية
أهمها الحركية الاجتماعية المعقدة التي تميز بها هذا المجتمع طيلة القرون السابقة
، فضلا عن الترحال أو الهجرات سواء بدافع البحث عن الموارد الضرورية للحياة كالماء
أو الأكل ....أو بدافع الإخضاع و الغزو .


لقد اعتبر المنظرون الأوائل للاستعمار أن
المجتمع المغربي هو مجتمع قبلي بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى يعتمد بالأساس على
التقاليد و العادات في تسيير شؤونها الدينية و الاقتصادية و السياسية و حتى
العسكرية ، و ما تعترف به الجماعة و ما تقرره اتجاه القضايا المطروحة ، لكن جاك
بيرك يرى بأنه لا معنى لهذا الطرح طالما أن المغرب يعرف اختلافات جغرافية بالتالي
هذا الاختلاف ينعكس على أداء القبيلة والروابط الاجتماعية التي تجمع بين أفرادها ، "إذ عثر بيرك على تطابق دقيق
بين المستوى الايكولوجي و البنية الاجتماعية بحيث لا يمكن في نظره فهم طبيعة
العلاقات الاجتماعية دونما ردها إلى ما يقابلها على مستوى مورفولوجية الأرض و تبعا
لذلك فإن معالمها و محتوياتها ستعرف من التنوع و التمايز بمقدار ما تتغير التضاريس
"[15] ، بالتالي لا يمكننا الحديث عن أن القبيلة بمفهومها الواسع - بدون تحديد
- هي ما يتميز بها المجتمع المغربي في حين أن القبيلة بحد ذاتها تعني مجموعة من
المعاني ، في هذا الطرح يلتقي جاك بيرك مع عبد الله العروي الذي يرى على أن "
مؤرخي عهد الاستعمار يلد لهم أن يكتبوا أن تاريخ المغرب " تاريخ قبائل" أي
فائدة في هذا القول ما دمنا نعلم أن القبيلة تعني أشياء مختلفة جدا؟ نطلق الكلمة
على تنظيم الرحل الجمالة ، أي على نظام اجتماعي شامل يلائم وحده المحيط الصحراوي
الصرف ، و نطلقها أيضا على سكان الجبال أي على مجموعة قواعد تخص المعيشة و السلطة
و تهدف أساسا إلى ضمان التوازن بين الأسر و نطلقها أخيرا على سكان السهول و الهضاب
، أي على تنظيمة أسامي و رموز تصلح فقط لتصنيف التجمعات السكنية ...كلمة واحدة
نعبر عنها عن مضامين مختلفة ، كلمة مجردة إذن من أي مضمون محدد ، فكيف نستطيع أن
نفسر بها الأحداث ؟"[16].





Publié par Abkarinyo

"السوسيولوجيا بالمغرب: البدايات والتطورات"


الباحث السوسيولوجي المختار الهراس يصرح:
يجب تكثيف البحث العلمي لتشخيص الواقع الاجتماعي.
حاوره: شكري عبدالدايم
أفردت شعبة السوسيولوجيا بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة عبر طلبتها وأساتذتها وعلى مدار هذا الموسم الدراسي2006_2007 ) مساحات للقول السوسيولوجي. انتظم في شكل ندوات، أيام دراسية كان أخرها يوما دراسيا أطره ثلة من الأساتذة الأكفاء :عمار حمداش محمد دحمان عبدالرحيم العطري عبدالرحيم عنبي محمد المرجان ادريس كرم المختار الهراس هم ضوعه "السوسيولوجيا بالمغرب: البدايات والتطورات".
على هامش هذا اليوم، اقتنصنا الباحت السوسيولوجي الهرس لنباشر معه بعضا من شقاوة السؤال السوسيولوجي فخصنا بالحوار التالي :
سؤال: كيف يمكن للسوسيولوجيا أن تسهم في التأصيل لأسئلة الاجتماعي، مع مراعات ضرورة فهم وتفهم ما يعتمد بالبنيات العميقة للمجتمع من تحولات متتالية لم تأخذ بعد شكلها النهائي؟ وما الذي تمنحه الأدوات والمناهج السوسيولوجية من إمكانيات لقراءة هذه التحولات وتفكيكها؟
جواب: أولا يجب العمل على تكثيف البحث العلمي لتشخيص الواقع الاجتماعي والتغيرات التي تجري الآن في واقع المجتمع المغربي. طبعا لمعرفة السيرورات التي تجري حاليا في مجتمعنا وآلياتها، ينبغي في نظري اعتماد مقاربة منهجية شاملة تستند إلى تقنيات كمية وكيفية في آن واحد. يعني استعمال الاستمارة لدراسة الواقع، وفي نفس الوقت تنويع التقنيات المنهجية وتنويع المصادر أي أن تكون هناك معرفة بالمجتمع صادرة عن الإحصائيات توظيف الصحافة (المقالات الصحفية، البحث الوثائقي).
إلى جانب العمل على إنتاج معطيات جديدة عن طريق العمل الميداني بشقيه الكمي والكيفي.

سؤال: هل يمكن أن نتحدث عن تراكم سوسيولوجي مقعد لمدرسة مغربية في علم الاجتماع؟ وهل تمكنت هذه الأخيرة إن وجدت من خلق قطائع ابستومولوجية من داخلها في مقاربة الجسد الاجتماعي المغربي؟
جواب : أنا لا أرى لحد الآن مدرسة سوسيولوجية مغربية. ما يوجد لحد الآن مساهمات سوسيولوجية هامة؟ تأخذ في اعتبارها السياق الاجتماعي والثقافي، التاريخي المغربي. فالسوسيولوجين المغاربة لم يعودوا يسقطون نماذج نظرية ومنهجية أجنبية على مجتمعهم بل نجحوا إلى حد بعيد في تكيف هذه المقاربات النظرية والمنهجية مع الخصوصيات الاجتماعية والثقافية لمجتمعاتهم، إنه لا يمكن الحديث عن مدرسة بقدر ما يمكن الحديث عن توجه نحو بناء هذه المدرسة بخصوصياتها الدالة عليها.
سؤال: ما الذي يمنح للسوسيولوجيا جدواها الآن؟
جواب: أنا في نظري المساهمة الفعلية في تسليط الضوء على المجتمع وحل مشاكله. فالمجتمع والدولة والمجتمع المدني سيحسون جميعا بأن السوسيولوجيا لابد من وجودها وضرورية بالنسبة لهذا المجتمع، كلما اقتنعت هذه الأطراف بجدوى هذا العلم وذلك بإجراء بحوث ميدانية ذات جودة عالية، سيسهم ذلك في لا محالة في خروجهم من العمى إزاء ما يوجد في مجتمعهم. بحيث أن السوسيولوجيا تمكن من التعريف بالمجتمع والمساهمة والفعل في حل مشاكله، إنها تقدم حلول لبعض المشاكل التي يعاني منها المجتمع.
سؤال: كيف يمكن للجامعة الآن، أن تسهم في تعميق تواصل علمي/معرفي مع المجتمع؟
جواب: يجب بناء شراكات مع المجتمع المدني والمؤسسات الدولية، الجامعات الدولية حيث أن الجامعة إذ لم تنفتح ستموت ، تقوقعها على ذاتها معناه التأخر ، فتطور الجامعة يستدعي الانفتاح على الشركاء بمختلف أصنافهم.
سؤال: هل يمكن للأستاذ الهراس أن يشركنا معه في أخر ما يعتمل بذهنه من أسئلة تهم واقع الحال والمآل بالمغرب؟
الجواب: المجتمع المغربي يتغير بسرعة، وهذا التغير يستدعي تكثيف البحث لمعرفة ما ينتج عن هذه التغيرات من آثار وانعكاسات ونتائج.
أعتقد أن الآفاق بالنسبة للمجتمع المغربي واعدة، لأن لا يمكن الحديث عن تنمية هذا المجتمع دون اعتماد تنمية بشرية تتناول الإنسان في كل أبعاده الاجتماعية والاقتصادية، أعتقد أنه كلما أصبح الإنسان في مركز السياسة التنموية في المغرب، فإن ذلك سيدعوا إلى الكثير من التفاؤل بخصوص المستقبل

المدينة في القصة العراقية القصيرة - رزاق إبراهيم حسن


اقرأ المزيد .. »

الاثنين، 11 يونيو 2012

مفهوم المعنى دراسة تحليلية - عزمي إسلام - حوليات كلية الآداب - الكويت



اقرأ المزيد .. »

الفصاحة مفهومها وبم تتحقق قيمها الجمالية - توفيق علي الفيل - حوليات كلية الآداب - الكويت



اقرأ المزيد .. »

نحاة القيروان - يوسف أحمد المطوع - حوليات كلية الآداب - الكويت



اقرأ المزيد .. »

نظرة في قرينة الإعراب في الدراسات النحوية القديمة والحديثة - محمد صلاح الدين بكر - حوليات كلية الآداب - الكويت



اقرأ المزيد .. »

لورنس ومحفوظ دراسة أدبية سيكولوجية مقارنة - محمد رجاء الدريني - حوليات كلية الآداب - الكويت


اقرأ المزيد .. »

كيفية رفع الملفات من الحاسوب إلى الانترنت


اقرأ المزيد .. »

''فندق ميريديان'' لؤلؤة معمارية تكرّس البعد المتوسطي لوهران

في انتظار إنجاز ملعب الغولف والمارينا

افتتاح فندق ''الميريديان''، رسميا، يطوي نهائيا صفحة الطلاق بين وهران والبحر، حسب مقولة ألبير كامو: ''وهران مدينة تدير ظهرها للبحر''، بحكم موقع الفندق المطل على البحر الذي يبدو كلؤلؤة لفظتها أمواج البحر الأبيض المتوسط، في طراز معماري فريد، يجعل منه أول فندق نموذجي في إفريقيا، منجز حسب أحدث معايير سلسلة ''الميريديان'' العالمية. 
مزيد من المعلومات »

علي أحمد باكثير شاعرا غنائيا - عبده بدوي - حوليات كلية الآداب - الكويت



اقرأ المزيد .. »

ابن قلاقس حياته وشعره - حوليات كلية الآداب - الكويت



اقرأ المزيد .. »

أمين الريحاني فجر صلته بالخارجية الأمريكية ورحلته العربية وغاياتها - محمد ثنيان الثنيان - حوليات كلية الآداب - الكويت


اقرأ المزيد .. »

مداخلات الملتقى الدولي الثاني حول الأداء المتميز للمنظمات و الحكومات جامعة ورقلة

  مداخلات الملتقى الدولي الثاني حول الأداء المتميز للمنظمات و الحكومات
الطبعة الثانية: نمو المؤسسات و الاقتصاديات بين تحقيق الأداء المالي و تحديات الأداء البيئي
  ورقلة يومي 22 و 23 نوفمبر 2011   


التحميل على الرابط التالي : 

شعر العدواني في مرايا معاصريه - نسيمة راشد الغيث - حوليات كلية الآداب - الكويت



اقرأ المزيد .. »

الاغتراب في الشعر الكويتي - سعاد عبد الوهاب العبد الرحمن - حوليات كلية الآداب - الكويت


اقرأ المزيد .. »

اللباس في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم - محمد فارس الجميل - حوليات كلية الآداب - الكويت


اقرأ المزيد .. »

كتاب رجال من المريخ




الرجال من المريخ  النساء من الزهرة
تأليف  د.جون غراى
ترجمة : د. حمود الشريف
يحتوى الكتاب على فصول منها  السيد الخبير ...ولجنة تحسين البيت ، كيف تحفز الجنس الاخر ؟ ، الرجال مثل الاحزمة المطاطية ، النساء مثل الامواج ........



مداخلات الملتقى الوطني الأول حول آفاق التنمية المستدامة في الجزائر ومتطلبات التأهيل البيئي للمؤسسة الاقتصاديةجامعة قالمة 08 ماي 1945

الشكر موصول للأخت آمال مولي وصديقتها منيرة 

مداخلات الملتقى الوطني الأول حول  آفاق التنمية المستدامة في الجزائر ومتطلبات 

التأهيل البيئي للمؤسسة الاقتصاديةجامعة قالمة 08 ماي 1945 





التحميل من الرابط التالي : 






كتاب الترجمة الى العربية



 كتاب الترجمة الى العربية قضايا واراء  - دكتور بشير العيسوى
محتويات الكتاب  منها تعددية النص المترجم الى العربية ، غياب المفهوم التاريخى فى النصوص المترجمة الى العربية ،تعريب العلوم وقضية الدولة ، عنانى وفن الترجمة ، وظيفة الترجمة ، اللغة العربية بين التصعيد والترجمة ، الترجمة الابداعية ، ترجمة المصطلح النقدى

الأحد، 10 يونيو 2012

مقدمة ابن خلدون

مقدمة ابن خلدون
 عبدالرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي

الكتاب يحتوى على عدة ابواب  وهى  الكتاب الأول في العمران البشري على الجملة و فيه مقدمات ، في العمران البدوي و الأمم الوحشية و القبائل و ما يعرض في ذلك من الأحوال و فيه فصول و تمهيدات الفصل الأول في أن أجيال البدو و الحضر طبيعية ، من الكتاب الأول في الدول العامة و الملك و الخلافة و المراتب السلطانية و ما يعرض في ذلك كله من الأحوال و فيه قواعد و متممات ، من الكتاب الأول في المعاش و وجوبه من الكسب و الصنائع و ما يعرض في ذلك كله من الأحوال و فيه مسائل ، من الكتاب الأول في البلدان و الأمصار و سائر العمران و ما يعرض في ذلك من الأحوال و فيه سوابق و لواحق ، من الكتاب الأول في المعاش و وجوبه من الكسب و الصنائع و ما يعرض في ذلك كله من الأحوال و فيه مسائل ،

النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت تمهيد وتعقيب نقدي - عبد الغفار مكاوي - حوليات كلية الآداب - الكويت


اقرأ المزيد .. »

آداب الضيافة في الشعر العربي القديم - مرزوق بن صنيتان بن تنباك - حوليات كلية الآداب - الكويت


اقرأ المزيد .. »

السبت، 9 يونيو 2012

رموز الكنوز فى تفسير الكتاب العزيز


تاليف
الامام الحافظ عز الدين عبدالرازق بن رزقة الله الرسعينى الحنبلى
دراسة وتحقيق
أ.د.عبدالملك بن عبدالله بن دهيش
وهو يتكون من 9 اجزاء

الجزء الاولالجزء الثانىالجزء الثالثالجزء الرابع - الجزء الخامس
         الجزء السادس - الجزء السابع - الجزء الثامنالجزء التاسع

التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وعوامض إعرابه ومعانيه : هشام بن أحمد الوقشي الأندلسي


اقرأ المزيد .. »

الخبز في الحضارة العربية الإسلامية - إحسان صدقي العمد - حوليات كلية الآداب - الكويت


اقرأ المزيد .. »

نهاية الأرب في شرح لامية العرب للشنفرى بن مالك الأزدي - عطاء الله بن أحمد المصري الأزهري - حوليات كلية الآداب - الكويت



اقرأ المزيد .. »

الجوار في الشعر العربي حتى العصر الأموي - مرزوق بن صنيتان بن تنباك - حوليات كلية الآداب - الكويت



اقرأ المزيد .. »

نظرات في علم دلالة الألفاظ عند أحمد بن فارس اللغوي - غازي طليمات - حوليات كلية الآداب - الكويت



اقرأ المزيد .. »

النظرية الاستبدالية للاستعارة - يوسف مسلم أبو العدوس - حوليات كلية الآداب - الكويت



اقرأ المزيد .. »

رحلات جلفر الرحلة إلى ليليبوت ( دراسة أدبية نقدية ) - محمد رجا الدريني - حوليات كلية الآداب - الكويت


اقرأ المزيد .. »

نظرية العنف الرمزي عند بيير بورديو



كلية الآداب والعلوم الإنسانيـة القنيطرة

سنة أولى علم الإجتماع

أسس علم الإجتماع

نظرية العنف الرمزي

عند بيير بورديو

الطالب: إبراهيم بلوح إشراف الأستاذ: العطري عبد الرحيم

———————————————————————————————–

التعريف بعلم الإجتماع

يؤكد »ريمون آرون « أحد المشتغلين بعلم الإجتماع في فرنسا أن علم الإجتماع يتميز بأنه

دائم البحث عن نفسه , وأن أكثر النقاط اتفاقا بين المشتغلين به هي صعوبة تحديد علم الإجتماع كما

أورد »بيتروم سروكين «في مؤلفه »النظريات السوسيولوجية ا لمعاصرة « عام 1928 آراء أكثر من ألف عالم وباحث في علم الاجتماع ,الأمر الذي يجعل من الصعوبة تحديد من نجح منهم في تعريف علم الإجتماع ومع التسليم بوجود تباينات كثيرة ارتبطت بتحديد العلم وموضوعه , فهي تباينات فرضتها طبيعة العلم في نشأته وتطوره حيث تأثر بجماع الأطر اﻟﻤﺠتمعية والفكرية التي أحاطت به, بما في

ذلك الدين والفلسفة والعلوم الطبيعية , كما تأثر بطبيعة التغيرات التي طرأت ولا تزال تواصل تأثيرها

على اﻟﻤﺠتمع الإنساني, و بمجمل الظروف الإجتماعية والثقافية التي أحاطت بكل رائد من رواد العلم,

وجعلته ابتداء يرتبط في خبرته بمجتمع دون غيره. زد على كل هذا حالة ا لنهج العلمي في كل فترة من

الفترات التاريخية التي مر بها العلم.

وهذه مؤثرات لم يكن تأثيرها وقفا على علم الإجتماع, أو على أي علم آخر دون غيره من العلوم الإنسانية أو حتى الطبيعية.

والذي يجدر بنا التركيز عليه في هذا المنحى أنه رغم هذه التباينات فإن ثمة نقاطا أساسية تمثل ولو

هيكلا عاما يتحرك من خلاله علم الاجتماع , و يتحدد به موضوعه الأساسي وهو هيكل يشير إلى:

إن علم الإجتماع هو علم دراسة الإنسان واﻟﻤﺠتمع , دراسة علمية, تعتمد على ا لمنهج العلمي ,

وما يقتضيه هذا ا لمنهج من أسس وأساليب في البحث.

وهذا البعد الأساسي في التعريف يعد حصاد تطورات علم الإجتماع منذ أن ولد على يد العلامة العربي

»ابن خلدون « الذي حدده بأنه علم العمران البشري , وما يحويه هذا العمران من مختلف جوانب الحياة الإجتماعية ا لمادية والعقلية ومرورا بأوجيست كونت A.Comte الذي اشتق كلمة sociology من مقطعين من اللاتينية واليونانية ليشير بهما إلى الدراسة العلمية للمجتمع.

أما إضافة »الإنسان « إلى التعريفين اللذين وردا من خلال هذين الرائدين واللذين مازالا موضوع محاكاة كثيرين ممن كتبوا بعدهما , فذلك لأن الإقتصار على ر بط العلم باﻟﻤﺠتمع جعل الكثير من الكتاب والباحثين يكتبون في موضوعات وقضايا أخرى كثيرة ,أضاعت وقتهم , وأخرجتهم عن موضوع العلم وقضاياه , ومن ثم كتبوا في اﻟﻤﺠتمعات الحيوانية وما شابه ذلك من موضوعات , والاهم من ذلك أن التركيز على كلمة »اﻟﻤﺠتمع « وحدها جعلت الكثير من النظريات تنظر للمجتمع نظرة جعلته فوق الإنسان , فأهدرت الإرادة الإنسانية , وطلبت من البشر التكيف مع العالم المحيط , وهم في هذا يكادون يشبهون اﻟﻤﺠتمع بالبيئة الطبيعية.

وقد يرى البعض أن التعريف السابق للعلم وتحديده بدراسة الإنسان واﻟﻤﺠتمع يجعله يتداخل مع فروع أخرى من فروع العلوم الإنسانية وبالتالي يطرح سؤالا:

ما الذي يميز هذا العلم عن غيره من هذه العلوم؟

وبتحليل المحاولات اﻟﻤﺨتلفة التي عنيت بقضية علاقة علم الاجتماع بغيره من العلوم يتبين لنا انه إذا كان كل علم من العلوم الإنسانية يدرس جانبا أو اكثر من جوانب الإنسان أو اﻟﻤﺠتمع , فإن علم الإجتماع يدرس اﻟﻤﺠتمع ككل في ثباته وتغيره , ويدرس الإنسان من خلال علاقته باﻟﻤﺠتمع , أي أنه أكثر شمولا من أي من العلوم الإنسانية . وليس معنى ذلك أن دراسة كل العلوم تعادل دراسة علم الإجتماع, ذلك لأن الواقع الإنساني ليس مجرد جمع بسيط لأجزائه .

وهنا يمكن أن نذكر مثالا تشبيهيا توضيحيا كثيرا ما يتردد لتوضيح الفرق بين علم الإجتماع وغيره من العلوم .

فالمركب الكيميائي للماء يشير إلى تكونه من أيدروجين وأوكسجين لكل خصائصه ا لمتميزة ,أما عندما

يتفاعلان سويا فإنهما ينتجان ا لماء الذي له من الخصائص ما يختلف جذريا عن كل من الغازين ا لمذكورين.

وبنفس منطق المقارنة يدرس كل علم من العلوم الإنسانية جانبا من الإنسان واﻟﻤﺠتمع , كالإقتصاد وعلم النفس… الخ .

أما علم الإجتماع فيدرس حصاد تفاعل العلاقات بين هذه الجوانب من ناحية وبينها و بين الإنسان من ناحية ثانية. وإذا كانت دراسات العلوم الأخرى لا تغني عن دراسات علم الإجتماع, بل تفيد منها ,

فبنفس القدر لا تغني دراسات علم الاجتماع عن هذه العلوم بل هي تفيد منها وتعمق من نتائجها مما

يساعد في النهاية على إقامة وحدة فكرية شاملة حول الإنسان واﻟﻤﺠتمع , ماضيا, وحاضرا , وتوجها

نحو مستقبل مقصود ومرغوب فيه .

و جدير بالذكر أن علم الاجتماع تأثر كغيره من العلوم بظاهرة التخصص التي برزت بصورة واضحة مع انتشار الحركة الصناعية وتقدم البحث العلمي فتشعبت اهتماماته وتعددت ميادينه، وأخذ كل منها يتناول جانباً من جوانب الحياة الاجتماعية.
و تتحدد ميادين علم الاجتماع وتتعدد تبعاً لنوع المتغيرات الاجتماعية المتنوعة والمتداخلة معها، ولقد

أصبحت الميادين في علم الاجتماع تنوف على ثلاثين ميداناً منها السياسي والبدوي والحضري والريفي وغير ذلك.

ميادين اشتغال علم الإجتماع

يهتم علم الاجتماع Sociology بدراسة المجتمع وما يسود فيه من ظواهر اجتماعية مختلفة دراسة تعتمد على أسس البحث العلمي بغية التوصل إلى قواعد وقوانين عامة تفصح عن الارتباطات المختلفة القائمة بينها.

ويتضح مما سبق أن موضوع علم الاجتماع هو المجتمع الإنساني، وأن ما تطرحه الجماعات الإنسانية من ظواهر ومسائل اجتماعية هي مجال الدراسات الاجتماعية، ويقوم علم الاجتماع بدراسة تلك الجماعات من حيث هي مجموعات من الأفراد انضم بعضهم إلى بعض بعلاقات اجتماعية تختلف عن الفئات الإحصائية التي تشير إلى أفراد لارابط بينهم.

وعلم الاجتماع، من هذا المنظور، يسعى إلى معرفة الحياة الاجتماعية، عن طريق الحصول على بيانات صادقة من الواقع الاجتماعي بوسائل وأدوات تتطور مع تطور العلوم ذاتها، فالعلم مجموعة من المعارف و طريقة للعمل على حد سواء، والظواهر الاجتماعية تخضع للبحث العلمي الدقيق إذا ما اتبع في دراستها منهج علمي يماثل في أسسه ومنطقه ما هو معتمد في مجالات علمية أخرى.

فدور علم الإجتماع المفترض هو اكتشاف شروط إنتاج و إعادة إنتاج ” الاجتماعي ” ، أي التمكن من منطق العلاقات و الأدوار و المؤسسات المجتمعية ، و إضفاء معنى منطقي على حركاتها و سكناتها ،و هكذا مطمح علمي لا يكون إلا باستدماج و استلهام فهم خاص للممارسة السوسيولوجية ، فالبحث عن منطق ” الاجتماعي ” لا ينكتب إلا بتفجير الأسئلة ، ألم يقل بيير بورديو أن مهمة السوسيولوجي هي تفجير السؤال النقدي ؟
فالعصف التساؤلي هو الذي يعبد الطريق نحو هذا المنطق المبحوث عنه ، و هو الذي ينتقل بالباحث من مستوى المقاربات الحدسية إلى عمق الأشياء و شروط انبنائها الأولية ، و يقوده نهاية إلى المهمة التكسيرية للسوسيولوجيا ، و ذلك في مساءلتها الخاصة و النوعية للظواهر و التحولات المجتمعية ، فموضوع السوسيولوجيا كما يقول آلان توران ” ليس ما هو ماثل أمام أعيننا ، بل ما هو مخفي باستمرار.”

مهنة عالم الإجتماع

وهكذا يعالج الباحث في علم الاجتماع الأفعال الاجتماعية ذات المعاني المشتركة، والأشكال التي تتخذها العلاقات المتبادلة في الحياة الاجتماعية، بقصد البحث عن الظواهر والنظم الاجتماعية والكشف عن المبادئ التي تحدد طبائعها، ليصل الباحث الاجتماعي إلى مقارنة البيانات الإحصائية من جوانبها المختلفة وفي أوقات متعددة، وبذا تتضح له معالم الحياة الاجتماعية والوقائع الاجتماعية، ويتعرف النظم السائدة، فيمكنّه ذلك من إصدار الأحكام والقواعد والقوانين العامة التي تخضع لها تلك الظواهر.

و يشير بول باسكون إلى أن ” عالم الاجتماع هو ، و ينبغي أن يكون ، ذاك الذي تأتي الفضيحة عن طريقه ” فالسوسيولوجي وفقا للطرح الباسكوني لن يكون غير مناضل علمي يفكك و يحلل و يدرس كافة التفاصيل المجتمعية من أجل فهم الظواهر و الأنساق ، بما يعني ذلك من قطع مباشر مع التواطؤ و التلاعب ، و ما يعني أيضا من مراهنة أكيدة على الكشف و الفضح المستمر لما يعتمل في العمق من حالات اختلال أو اتساق .
و بذلك تصير السوسيولوجيا أداة علمية للقراءة و الفضح في آن ، تقرأ التحولات الاجتماعية ، و تموضعها في سياقها الخاص قبل العام ، و في ذلك كله فضح و تعرية لشروط الانبناء و الانوجاد ، أليست السوسيولوجيا مجرد علم يبحث في شروط إنتاج و إعادة إنتاج الاجتماعي ؟

———————————————————————————————

التعريف ببييربورديو

يعد “بيير بورديو” (2002 – 1930) عالم الاجتماع الفرنسي الشهير وأحد أبرز الأعلام الفكرية في القرن العشرين. يحتل مكانة مميزة في حقل الدراسات الإنسانية. شهد علم الاجتماع على يديه إبداعا علميا رائعا، وتجديدا فكريا حقيقيا في المصطلحات والمضامين والدور والأهداف. فقد أحدث الرجل في تحليله للظواهر السياسية والاجتماعية والثقافية تغييرا في حقل الدراسات الثقافية والأبحاث الاجتماعية النقدية وفي مفهوم علم الاجتماع نفسه. لقد هال الجميع إنتاجه الفكري الغزير والمتميز، واطلاعه الواسع، وإرادته القوية والشجاعة في تطبيق الأفكار والمبادئ التي نادى بها في أعماله الفكرية وتصميمه الحاسم على ترجمتها إلى سلوك ومواقف وممارسات عملية من خلال مشاركاته ومداخلاته الشخصية في المظاهرات والحركات الاجتماعية والسياسية.

كان (بورديو) مفكرا فذا،عالمي الثقافة، وانساني التوجه ومن أبرز المثقفين المناضلين في تاريخ النضال الاجتماعي والسياسي والثقافي في القرن العشرين. لقد انخرط (بورديو) في معمعة الفكر العالمي الجياش وشارك عمليا في حراك مجتمعه وكون لنفسه رؤية خاصة في الشأن الفرنسي خصوصا وفي الشأن الإنساني عموما وراح يكتب بحماس ملتهب وبغزارة جارفة. وقد أكسبته هذه الرؤية العميقة الواسعة وذلك النضال الفاعل مكانة عالمية وجعلته نموذجا رائعا للإقدام في الفكر والفعل.

درس بورديو الفلسفة في مدرسة المعلمين العليا في باريس ونال فيها شهادة الأستاذية في الفلسفة في عام 1954م. وكان (جاك دريدا) الفيلسوف الفرنسي الشهير من الذين تخرجوا في نفس الدورة. أطلع بورديوعلى أعمال (ماركس) (وجان بول سارتر) وفي الوقت الذي كان المذهب الوجودي يطغى على الأوساط الفلسفية، توجه بورديو نحو دراسة المنطق وتاريخ العلوم ثم تابع حلقة دراسية في التعليم العالي حول فلسفة الحق عند هيجل. ولكن، بعد تجربة قصيرة له كأستاذ في إحدى الثانويات، دعي من قبل المكتب النفسي للجيوش في مدينة فرساي ولكن لأسباب تأديبية أرسل بسرعة إلى الجزائر في إطار إحلال السلام حيث أدى هناك القسم الأساسي من خدمته العسكرية. ومن 1958الى1960م تمنى أن يتابع دراساته عن الجزائر. فدرس في كلية الآداب في الجزائر واهتم بالدراسات الأنثروبولوجيية والاجتماعية وكتب بعد عودته إلى فرنسا مباشرة كتابا بعنوان (سوسيولجيا الجزائر). ثم أصدر كتابا آخر بعنوان (أزمة الزراعة التقليدية في الجزائر). وبدأ يدرس الفلسفة في السوربون ثم أصبح مديرا لقسم الدراسات في مدرسة الدراسات العليا، ثم مديرا لمعهد علم الاجتماع الأوربي، كما انتخب عام 1982م لكرسي علم الاجتماع في «الكوليج دو فرانس»وهي أعلى هيئة علمية في فرنسا. وكانت محاضرته الافتتاحية في «الكوليج دو فرانس» بعنوان “درس في درس” وقد جال فيها بجدارة في ميادين النقد الاجتماعي والسياسي والتربوي والنفسي وختمها بالتحذير من ظاهرة التسامي الزائف التي تنشأ عن إساءة استخدام المعرفة. وهكذا ظل يدرس ويحاضر فيها لغاية عام 2001م.

كان بيير بورديو على موعد مع الشهرة مبكرا بعد إصداره كتاب (الورثة) بالاشتراك مع (جون كلود باسرون) ولكن تألق نجمه مع ثورة الطلاب عام 1968م التي جذبت وركزت أنظار المجتمع الفرنسي ووسائل الإعلام على الجامعة والنظام التعليمي.

ومن المفاهيم الأساسية التي استخدمها بورديو في تحليله: «إعادة الإنتاج» و«الحقل» و«رأس المال الرمزي» و« العنف الرمزي» و«العرف» و«الانعكاسية».

إذا كان بورديو قضى شطرا من حياته في البحث الاجتماعي وتحليل الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فقد كرس السنوات الأخيرة من حياته المعرفية والعملية في العمل النضالي السلمي والمشاركة السياسية الفاعلة ضد الأشكال الجديدة من السلطة السياسية والاقتصادية.

وأصدر في هذه المرحلة مجموعة كتب قيمة أذكر منها: (بؤس العالم) و(علل عملية. في نظرية الفعل) و(عن التلفزيون) و(تأملات باسكالية) و(السيطرة الذكورية) و(البنيات الاجتماعية للاقتصاد) و(علم العلم والانعكاسية) و(تدخلات.العلم الاجتماعي والعمل السياسي) و(توطئة لتحليل ذاتي).

يرى بورديو أنه ليس جديا أن نفكر في السياسة دون أن نتحلى بتفكير سياسي، ولا يمكن فهم ظاهرة ما دون تحليل بنيتها والآليات التي تحكمها وتعمل وفقا لها. وفي رأيه أن تحليل الواقع الاجتماعي ونقده يساهم في تغييره.

تعود علاقة بورديو بالسياسة إلى فترة حرب الجزائر ويرى الرجل أن العلوم الاجتماعية لا تستحق الاهتمام إن لم تكن في خدمة الإنسان والمجتمع وان لم تكشف آليات الهيمنة السائدة في المجتمع. يقول بورديو في كتاب (إعادة الإنتاج): من المفهوم أن علم الاجتماع كان مرتبطا جزئيا بالقوى التاريخية التي كانت تحدد طبيعة علاقات القوى التي يجب الكشف عنها في كل حقبة من حقب التاريخ. المشكلة السياسية الخاصة كانت تلك المتعلقة بنشر الأعمال العلمية المتقدمة التي تسمح بفهم وتقدير أكثر ديمقراطية بقدر المستطاع للنتائج التي يتوصل إليها علم الاجتماع (في مقابل البحوث العملية التي تتم حسب طلب الهيئات والمؤسسات الحاكمة التي تستخدم العلوم الاجتماعية من أجل أن تتحكم بشكل أفضل وتهيمن بفاعلية على الخاضعين لهيمنتها). ولم يكن من باب المصادفة صدور كتاب بؤس العالم في عام 1993م قبل الانتخابات الفرنسية.هذا الكتاب الضخم هو ثمرة سنوات من العمل البحثي الكبير الذي شارك فيه عشرات من الباحثين الذين عملوا بالتعاون الوثيق مع بورديو وقد كان الهدف الأساسي منه الكشف عن المعاناة الاجتماعية الناتجة عن سياسة الليبرالية الجديدة . لازلت أذكر شخصيا كيف لاقى هذا الكتاب اهتماما إعلاميا كبيرا في فرنسا جعل من بورديو شخصية عامة ومؤثرة.

ثم اصدر بعد ذلك سلسلة من الكتب تدور موضوعاتها حول قضايا سياسية ساخنة وكان الهدف من ورائها دفع الدراسات التي تقوم بها العلوم الإنسانية إلى ميدان النضال السياسي. ومن أجمل كتبه كتابه الرائع عن التلفزيون. حلل بورديو فيه حالة وسائل الإعلام وهاجم التلفزيون وأعتبره جهازا مدمرا لأنه يستخدم مخزن النظام الرمزي ليشيع خطرا كبيرا في ميادين الإنتاج الثقافي والفني والأدبي والعلمي والفلسفي والقانوني، كما انه يشيع خطرا لا يقل عن ذلك للحياة السياسية والديمقراطية، وكذلك يشيع التفاهة في المشاهدين ويقدم ثقافة سريعة حسب تعبيره.

و لعل من أبرز ما ألف بورديو هذه النفائس: (سوسيولوجيا الجزائر)، و(الورثة.الطلبة والثقافة)، و(إعادة الإنتاج.أصول نظرية في نظام التعليم)، و(التمييزـ التميز.النقد الاجتماعي لحكم الذوق)، و (الحس العملي)، و(ما معنى أن نتكلم.اقتصاد التبادلات اللغوية)، و(درس في الدرس)، (ومسائل في علم الاجتماع)، و(الإنسان الأكاديمي)، و(الانطولوجيا السياسية عند مارتن هيدغر)، و(منطق الممارسة)، و(إجابات. من أجل إنسيات انعكاسية)، و (قواعد الفن)، و(بؤس العالم)، و(علل عملية. في نظرية الفعل)، و(عن التلفزيون)، و(تأملات باسكالية)، و(السيطرة الذكورية)، و(البنيات الاجتماعية للاقتصاد)، و(علم العلم والانعكاسية)، و(تدخلات. العلم الاجتماعي والعمل السياسي)، و(توطئة لتحليل ذات.

——————————————————————————————–

تعريف العنف الرمزي

يتحدث بيير بورديو عن العنف الرمزي الذي هو عنف غير فيزيائي، يتم أساسا عبر وسائل التربية وتلقين المعرفة والإيديولوجيا، وهو شكل لطيف وغير محسوس من العنف، وهو غير مرئي بالنسبة لضحاياهم أنفسهم. وينتقد بورديو الفكر الماركسي الذي لم يولي اهتماما كبيرا للأشكال المختلفة للعنف الرمزي، مهتما أكثرا بأشكال العنف المادي والاقتصادي. كما أشار بورديو إلى أن العنف الرمزي يمارس تأثيره حتى في المجال الاقتصادي نفسه، كما أنه فعال ويحقق نتائج أكثر من تلك التي يمكن أن يحققها العنف المادي أو البوليسي.

و غني عن البيان أن العنف الرمزي يمارس على الفاعلين الاجتماعيين بموافقتهم وتواطئهم. ولذلك فهم غالبا ما لا يعترفون به كعنف؛ بحيث أنهم يستدمجونه كبديهيات أو مسلمات من خلال وسائل التربية والتنشئة الاجتماعية وأشكال التواصل داخل المجتمع. ومن هذه الزاوية يمكن، حسب بورديو فهم الأساس الحقيقي الذي تستند إليه السلطة السياسية في بسط سيطرتها وهيمنتها؛ فهي تستغل بذكاء التقنيات والآليات التي يمرر من خلالها العنف الرمزي، والتي تسهل عليها تحقيق أهدافها بأقل تكلفة وبفعالية أكثر، خصوصا وأن هناك توافقا بين البنيات الموضوعية السائدة على أرض الواقع وبين البنيات الذهنية الحاصلة على مستوى الفكر.

هكذا يتبين أن العنف يتخذ شكلين رئيسيين؛ الأول هو العنف المادي و مظاهره المختلفة، والثاني هو العنف الرمزي الذي بين بورديو بعض وسائله ومدى فعاليته في تثبيت دعائم الدولة والسلطة السياسية. من هنا يبدو أنه من المستحيل الحديث عن مجتمعات إنسانية خالية من العنف؛ فهو ظاهرة أكيدة في تاريخ المجتمعات البشرية.

ومن الجدير ذكره، أنه بالإمكان تهديم شخص ما من دون أن يلاحظ المحيطون به هذا الأمر، عن طريق الكلمات البريئة ظاهرياً أو الإشارات أو الافتراضات أو مجرد الإبعاد.

هذا العنف (الخفي) لكن المتكرر، المزمن وأحياناً اليومي، الذي يصيب نفسية الإنسان ليس جسده بالإرهاق الشديد والألم الذي يعاني منه غالباً بصمت والذي يقوده بالتالي إلى الانكماش والانكفاء نحو الذات، قاتلاً فيه ومقصياً أفضل طاقاته وإبداعاته، مما ينسحب بالتالي إلى طريقة تعامله مع محيطه الصغير أو الكبير، والى عدم التحسب لردود أفعاله

التي تتسم غالباً بسمات الطيش والتهور مفضية بالتالي به وبغيره إلى دوامة التطرف والعنف.
فبرأي بيار بورديو، العنف الرمزي هو عنف هادئ، غير مرئي ومقّنع. (لكونه غير معروف بهذه الصفات، فقد نختاره بقدر ما نعانيه). هكذا فهو يميز فرض التراتبيات في المعارف المشروعة، والأذواق الفنية، وأصول اللياقة، الخ. هذا التعريف لا يأخذ إذاً في اعتباره التجربة الذاتية لمعاناة الفرد. ولكن توجد ظواهر سياسية عديدة، كبيرة الأهمية، ترتبط بشكل آخر من العنف الرمزي تسهل ملاحظته، أي الذي ينتج عن إيذاء تقدير الذات أو التمثيلات الجماعية للذات، فيشكل مصدراً لتراجع الهوية. هكذا مثلاً الخطابات المعادية للأجانب والعنصرية، أو أيضاً إظهار ألقاب التفوق التي تعتبر غير مشروعة (الاستعلاء الأرستقراطي عشية الثورة الفرنسية، الوطنية المتعصبة، إيديولوجيات الشعب المختار أو الطبقة الحاكمة).


و لقد عمل بورديوعلى انتقاد تغاضي الماركسية عن العوامل غير الاقتصادية إذ أن الفاعلين الغالبين، في نظره، بإمكانهم فرض منتجاتهم الثقافية (مثلا ذوقهم الفني) أو الرمزية (مثلا طريقة جلوسهم أو ضحكهم وما إلى ذلك). فللعنف الرمزي (أي قدرة الغالبين على الحجب عن تعسف هذه المنتجات الرمزية وبالتالي على إظهارها على أنها شرعية) دور أساسي في فكر بيار بورديو. معنى ذلك أن كل سكان أي مدينة مغربية مثلا بما فيهم الفلاحون سيعتبرون لهجة فاس مهذبة أنيقة واللهجات الريفية غليظة جدًّا رغم أن اللهجة الفاسية ليست لها قيمة أعلى بحد ذاتها. وإنما هي لغة الغالبين من المثقفين والساسة عبر العصور وأصبح كل الناس يسلّمون بأنها أفضل وبأن لغة البادية رديئة. فهذه العملية التي تؤدي بالمغلوب إلى أن يحتقر لغته ونفسه وأن يتوق إلى امتلاك لغة الغالبين (أو غيرها من منتجاتهم الثقافية والرمزية) هي مظهر من مظاهر العنف الرمزي.

——————————————————————————————–

العنف الرمزي للمؤسسة التعليمية

إن العنف الرمزي قضية محورية في أعمال بورديو. ففي معرض تعريفه بالدولة، يعطي العنف الرمزي معنى الضغط أو القسر أو التأثير الذي تمارسه الدولة على الأفراد والجماعات بالتواطؤ معهم. ويبرز هذا المعنى على نحو جليٍّ في التعليم الذي يمارسه النظام المدرسي لناحية الاعتقاد ببديهيات النظام السياسي، أو لناحية إدخال علاقة السلطة إلى النفوس كعلاقة طبيعية من وجهة نظر المهيمنين.

وقف بورديو على الدوام ضد النظام التعليمي القائم على تلقين المعلومات ونقد بشدة المدارس ومناهجها. وحسب رأيه يجب أن تكتفي الدولة بتعليم التعليم وتدريب الناس على تحصيل المعرفة. فالرجل يرفض الأدلجة ولا يقبل أية شبهة للتأثير السياسي في التعليم.

فالمدرسة في مجتمعنا هي إحدى مؤسسات المجتمع المدني الأساسية التي تنتظم في نسق كلي للمجتمع وفق قواعد محددة، وتخصصت تاريخيا في مجال الممارسة التربوية الثقافية، وتلتقي بذلك في وظيفتها وتتكامل مع الأسرة في مجال التنشئة الاجتماعية الثقافية، وقد نشأت المدرسة في المجتمع البشري الذي عرف تقسيم العمل وتشكل الدولة لتكون رديفا للأسرة في الوقت الذي استحال فيه على الأسرة تلقين النشء مختلف المعارف الثقافية، وهي تؤدي دورها هذا المنوط بها تحت هيمنة الدولة، والطبقة السائدة. فهي إحدى أجهزة الدولة الإيديولوجية في مجال الفعل التربوي، يقول ماركس: إن الأفكار السائدة هي أفكار الطبقة السائدة وهي أيضا أفكار الهيمنة .والسمة السائدة والطاغية على مؤسساتنا التعليمية هي سمة السلطوية التي ورثها نظامنا التعليمي عن النظام التعليمي التقليدي وطعمها الاستعمار لخدمته ثم حافظت البورجوازية على إستمراريتها بعد الاستقلال. وقد بقي النظام التعليمي ممزقا وتابعا للمركز الاستعماري على المستوى التنظيمي وعلى مستوى التسيير زد على ذلك محتوى البرامج والمناهج المدرسية. كما أن الطبقة المسيطرة تهيمن بشكل مفرط على مراقبة الانتقاء لتكريس طابع التراتبية .

وهكذا فالمدرسة اليوم تلعب دورا أساسيا في إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع محققة هيمنة الدولة وسيادتها بواسطة الإقناع والتراضي حسب تعبير غرامشي أو بواسطة عنف وإكراه وقسر يختلف عن عنف الدولة المادي بكونه عنفا رمزيا حسب بيير بورديو.
ويعرف لينين المدرسة بكونها أداة هيمنة طبقية في يد البورجوازية، إن هاته الطبقة المهيمنة كما يرى بورديو وباسرون، لا ترى أو أنها لا تريد أن ترى العلاقة بين التفاوتات الاجتماعية والتفاوتات المدرسية، إنهم يفسرون- الطبقة السائدة- النجاح المدرسي بكونه تفاوتا بالملكات، وبرأيهم مشكل الملكات الفكرية يطرح فقط لدى الغير المتفوقين والراسبين من أبناء الطبقات المقهورة والنجاح المدرسي في رأي البورجوازية المسيطرة يرجع إلى ميزان شخصية خاصة منذ الولادة، والمدرسة لا تخلو من انعكاس التناقضات الدولة/ المجتمع على بيئتها وأدائها الوظيفي، فكل الصراعات القائمة بين القوى الاجتماعية بسبب مواقعها المتفاوتة في بنية الإنتاج المادي والثقافي للمجتمع، تخترق المجال المدرسي وتؤثر في مضامين القرارات والمناهج وطرق التلقين، وهذا دليل قاطع على الارتباط الكبير بين المدرسة ومحيطها الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي… بالدولة وبالمجتمع المدني.
إن كل خلل وظيفي يطرأ داخل المجتمع لأي سبب كان يؤثر سلبا ويخلق أزمة داخل المدرسة يكون لها تأثير على إعادة إنتاج الدولة لذاتها، وكذا إعادة إنتاج النظام الاجتماعي في مجمله. وعندما يخترق هذا الخلل الزوج السائد الأسرة/ المدرسة داخل النظام الدولتي حتى يتعرض الوجود الاجتماعي كله لخطر التفكك والانهيار.
إن المدرسة اليوم في المجتمع لا تعيد إنتاج المجتمع المبني على تساوي الحظوظ، إنها لا تزال تتخبط في إرث الإيديولوجية القديم. إرث البورجوازية المسيطرة.
إن تأثير المدرسة من حيث: نمط الحياة، التربية الأسرية والحظ في التربية كلهم مختلفين، فثقافة الطبقات المحظوظة تتساوق مع ثقافة المدرسة، وعاداتهم تماثل العادات

المكتسبة داخل المدرسة. فالمدرسة نظام خاص من أنظمة التفاعل الاجتماعي جعلها أكثر أهمية. وهي تتميز عن محيطها بالروح التي تسود داخلها وهي الشعور بالنحن، وبذلك فهي لا تعمل على صنع المستقبل دون اعتبار للحاضر. وإنما يجب أن ترتكز على حاضر التلميذ من جميع الجوانب، وفي تركيزها على الحاضر إنما تعد وبشكل جيد للمستقبل في الوقت ذاته كما يرى جون ديوي.
إلا أن ثقافة المدرسة كما يرى باسرون و بورديو، ليست على نحو مباشر هي الثقافة البورجوازية. لكنها متساوقة معها بكيفية مباشرة، خصوصا عبر السلوكات الذهنية، واللسانية والثقافة، وتم تصور أشغال المدرسة وخصوصا اشتغال العلاقة البيداغوجية كآلة لإنتاج التفاوتات الاجتماعية، إذ لا يمكن الحديث عن فرصة تساوي الحظوظ ليس لآن المواهب التي تتحدث عنها الطبقات المهيمنة موزعة بكيفية متفاوتة بل لأن المدرسة تشجع التدابير الخاصة بالطبقات المبجلة، إن جل ميكانيزمات المدرسة هي في الأصل أساليب لانتقاء أطفال الطبقة المحظوظة وإقصاء الآخرين. فمدرسة إعادة الإنتاج حسب بورديو لا تنتج أطفالا أحرارا، خصوصا وأن التفاوتات المدرسية منظور إليها كتفاوتات في الاستحقاق. تضفي الشرعية على التفاوتات الاجتماعية التي تصدر عنها وتعيد إنتاجها.

إن المدرسة أداة للخضوع والامتثال، وسواء باسرون و بورديو أو آخرون يربطون وظيفة المدرسة ببنية الطبقات الاجتماعية. أما اليتش فحين ينتقد المدرسة فلأنه يرى أنها تنتج التفاوتات الطبقية.

فهي تلعب بذلك دور المحدد الأساسي في التقسيم الطبقي، ويضيف اليتش أن المدرسة مكان لم يلجه نصف البشر وتبقى بذلك المدرسة لا تهدف إلا لتطوير صناعات عقول مملوءة وهو نوع آخر من التبضيع الدراسي والثقافي. إن تنظيم وظيفة النظام التعليمي تترجم باستمرار وبواسطة شفرات متعددة التفاوتات الطبقية على المستوى الاجتماعي إلى تفاوتات على المستوى المدرسي.

فالمدرسة مثلا تحت ظل ديمقراطية التعليم والمساواة- و هذا شعار طالما رفعته دول عديدة- تحدد الناجح وغير الناجح، والمتقدم والمتأخر، ولكن ولأن الرأسمال الرمزي متفاوت بفعل تفاوت المستويات المجتمعية – فمجموع معارف الأغنياء يتناسب مع سواهم لأن المدرسة تحاكم الجميع وفقا لـ “رأسمال رمزي” لمجموعة واحدة هي عادة الطبقة الوسطى. فتصير هذه المؤسسات أداة طبقية لـ “إعادة إنتاج” السلطة القائمة في المجتمع. طالما أن معايير التمايز هي وفقا لطرف واحد وليس معيار كلي.

ومن أجل أن يتم اعتماد قيم الطبقة الوسطى كمعايير تربوية، يمارس “ العنف الرمزي باعتبار أن أي آلية تربوية ستمارس جهدها لإبراز قيم وإخفاء أخرى. فالخطاب التربوي ليخفي الهيمنة، يلجأ لمفاهيم النظام والعقاب، ويمارس على نطاق واسع ومستويات مختلفة،وبالتالي فـ “ العنف الرمزي ” هو لصيق العملية التربوية دائما مهما كانت. وتصير المسارح والسينما والفنون الجميلة والهوايات التي تتمكن منها هذه الطبقات قيم سامية، فيما ربما لا يعد الصيد مثلا كذلك .. وحتى هواية التصوير الفوتوغرافي بعد التقدم التقني الذي يجعل معداته بوسع الجميع تقريبا، يخرج من كونه علامة ثقافية معتبرة.

إن النظام التربوي في المجتمعات ذات التفاوت الطبقي كما يرى بورديو يعتبر أحد الآليات الأساسية الفعالة في ترسيخ النمط الاجتماعي السائد في تلك المجتمعات،وهذا يبدو جليا من خلال بنية الفرصة النسبية المتاحة لأبناء الطبقات المختلفة لدخول النظام التعليمي في مراحله المختلفة،هذا من جهة ومن جهة أخرى ثمة مظهر آخر لهذا العنف الممارس القوى السائدة وهو في تنوع المدارس في المجتمع الواحد واختلاف مستوياتها باختلاف أصول الطبقية للتلاميذ الداخلين إليها،فأبناء الطبقات العليا هم الذين يحتلون المدارس ذات النوعية الرفيعة،وعلى ذلك فالتنوع في المدارس واختلاف مستوياتها إنما يعكس صور هذا التفاوت الطبقي ويجسد بشكل واضح أحد أهم مظاهر العنف الثقافي في المجتمعات الحديثة.

فعند دراستنا للحقل المدرسي نلاحظ أن فيها تعسفا رمزيا تشرعه القوانين والتقاليد المدرسية التي تشتمل في مكوناتها الظاهرة على عدالة مصدرها تكافؤ الفرص وخضوع الجميع للقانون. وعليه فالسلطة المدرسية تتسلم في واقع الأمر تفويضا من الطبقات المهيمنة لفرض التعسف الثقافي، فعن طريق هذا التفويض يتم تمرير العنف الرمزي بلطف.

فلو أخذنا مثالا كاللغة سنجد أن التلميذ الغني يختزن في ذاكرته رصيدا لغويا هائلا بالمقارنة مع التلميذ الفقير. فالأول يستعمل لغة تجريدية وله بروتوكول وإتيكيت عالي المستوى وله اهتمامات ثقافية ومدى اجتماعي واسع من العلاقات ورصيد من السلوكات والخبرات لم تكن متاحة لزميله الفقير، وحين يتقدم الاثنان إلى الامتحانات من الطبيعي أن تكون فرصة الطالب الغني في النجاح وتحصيل القدر الأكبر من العلامات أكثر من فرصة الطالب الفقير. هذا الواقع ينطوي على تعسف ثقافي مشروع يعترف به الجميع دون أن يدركوا ظلمه وفداحته، فليس من العدل أن يخضع التلميذان لامتحان من نفس النوع والمستوى في حين يتمايزان بشدة فيما لديهما من رصيد وفرص للنجاح.
———————————————————————————————-

العنف الرمزي للتلفزة

بداية لا شك في أن التلفزيون أصبح يلعب دوراً أساسياً ومهماً في حياتنا من خلال المتابعة اليومية لما يبث من خلاله من برامج وأخبار ومشاهدات مرغوب فيها وأخرى غير مرغوب فيها وما لبث وأن أطلق البعض على هذا الجهاز “بالضيف الاجباري” .

ومن غير المبالغ فيه أن نقول بأن التلفزيون يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تربيتنا لاولادنا واعدادهم للمستقبل القادم و على هذا الصعيد أود أن أشير ألي سلسلة من من الاليات التي تثبت أن التلفزيون يمارس نوعاً من “العنف الرمزى” المفسد والمؤذي .

وأبرز مظاهر هذا العنف أن التلفزيون يملأ أوقات الناس بالأشياء غير الهامة و غير الضرورية وهو يستهلك زمنهم في قول أشياء تافهة تخفي في الحقيقة بالقدر نفسه الأشياء الثمينة , وبهذا المعني فان التلفزيون يسهم في تدمير الوعي حينما ينشر وعياً زائفاً أو يحجب المعلومات عبر لعبة اسميها “لعبة المنع بواسطة العرض” .

تبدو الأشياء أقل وضوحاً في التلفزيون أثناء عرضها وهنا وجه من وجوه التناقض : أشياء يتم اخفاؤها عن طريق عرضها أو “بواسطة عرض شئ آخر غير ذلك الذي يجب عرضه ” والطريف هنا أن الصورة التي يقدمها التلفزيون ويقوم بتضخيمها ويمنحها صفات درامية وتراجيدية , وانما يفعل ذلك باستخدام كلمات كبيرة فالكلمات المعتادة لا تثير دهشة أحد وبهذا تهيمن الكلمات علي الصورة فالصورة لاتعني شيئاً دون التفسير للذي يجب أن تتم قراءته .

ينطلق بورديو من فكرة أن التلفزيون يشكل راهناً أداة للقمع الرمزي (نظراً للمستوى الثقافي أو المعرفي المتدنِّي للمشاهدين الذين يميلون إلى تصديق ما يعرض عليهم بعامة). وهو يأمل في أن يتحول التلفزيون إلى أداة للديموقراطية المباشرة لو تم رفع المستوى العلمي للمشاهدين وتقوية استقلالية التلفزيون عبر إدراك العوامل التي تعمل على ضرب تلك الاستقلالية. و العوامل غير المرئية التي تُمارَس الرقابة من خلالها تجعل من التلفزيون أداة عظيمة لتثبيت النظام الرمزي (تواطؤ المتلقِّين والذين يمارسونه). وهكذا يغدو التلفزيون أداة لخلق الحقيقة وللتحكيم الاجتماعي والسياسي، وليس، كما يُدَّعى، أداة لتسجيل الواقع. وهو ليس ملائماً للتعبير عن الفكر أو الرأي؛ إذ يمنح أهمية للتفكير السريع وللغذاء الثقافي السريع المقترن بأفكار مسبقة. وحول هذا الموضوع يقدم بورديو أفكاراً للتحديد وللتحقق منها، بوصفها أموراً معقدة جداً لا يمكن معرفتها إلا من خلال عمل أمبيريقي مهم، ارتكازاً على ملاحظات من الواقع.

و غني عن البيان أن عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو كان مثقفا مشاكسا انخرط في الصراع الاجتماعي السياسي في فرنسا،و ترك بصمات واضحة على مشروع نقد العمل الإعلامي، والتلفزيوني خصوصاً.

فأن تكون صحافياً وتقرأ كتاب بيار بورديو «عن التلفزيون»، فهذا يعني أنك أدخلت نفسك طوعاً في محاكمة قاسية، وخصوصاً أنك ستشعر مع كل اتهام يطلق عليك، بأنها محاكمة عادلة. إذ أنه ليس قائماً على بحث علمي تحليلي بل «وصف فظ»، كما يعبر بورديو، لواقع العمل الصحافي وكواليس التلفزيون وعلاقات الصحافيين بعضهم ببعض، وبمختلف القوى الاجتماعية.
ينتقد بورديو في الكتاب «الحقل الصحافي» من الداخل والخارج: بدءاً من طريقة الحصول على الخبر ومعالجته، مروراًً بالنشرة الإخبارية التلفزيونية التي يصفها بـ«منتج غريب» يناسب الجميع، وصولاً إلى البرامج الحوارية «التمثيلية» التي تستضيف أشخاصاً لا علاقة لهم غالباً بالموضوع المطروح للنقاش، ولا يتساوون في معلوماتهم. «عندما تكتب صحيفة معنية عن كتاب، ستجد صحيفة ثانية نفسها مجبرة على عرض الكتاب ذاته، حتى لو كان سخيفاً. كذلك الأمر لدى الكتابة عن معرض فني أو مسرحية…».
يقدم بيار بورديو هذا المثل البسيط ليبرهن تشابه وسائل الإعلام في مضمونها، على رغم التعددية الظاهرة. هذا التشابه سببه دورة الخبر حول نفسه: ينشر في جريدة، فيتلقفه صحافي في مؤسسة إعلامية ثانية، ويتابعه مضيفاً إليه تفصيلاً صغيراً قد لا تكون له أي أهمية. وهو يفعل ذلك من دون أن يكلّف نفسه عناء البحث عن خبر آخر…

ويردّ بورديو هذا السلوك إلى «المنافسة» بين الصحافيين. منافسة تعزز حالة الطوارئ، وتجعلهم يأتون بخبر خاطئ أو يقدمونه بطريقة تسبب ذعراً: «أتمنى أن يسمع الصحافيون ما يقولونه، هم الذين يرمون كلماتهم بكل خفة، من دون أن يكون لديهم أدنى فكرة عن خطورة ما يقولونه، والمسؤوليات التي يجب عليهم تحملها… كلماتهم تثير الخوف والهواجس، وتؤدي في معظم الأحيان إلى تشكيل صور خاطئة عن الحقيقة».
التشابه رغم التعددية، تعزيز حالة الطوارئ وبث الأخبار الخاطئة، ليست إلا نقطة في بحر الانتقادات التي يعرضها بيار بورديو، وهي انتقادات قائمة على ملاحظات تفصيلية ليوميات العمل الصحافي وآلياته. يعرضها معترفاً بأنها تحتاج إلى بحث علمي يثبت ما يخلص إليه: التلفزيون وعدد كبير من الصحافيين، هم “معادون للثقافة”، ويمارسون «عنفاً رمزياً» على المشاهدين.


فالرجل يرى أن العمل التلفزيوني مبني على السرعة، لذلك ليس هو المكان الأفضل للتفكير. من هنا، يتم اللجوء في المقابلات المتلفزة إلى «مفكرين سريعين» (fast thinkers) يحملون أفكاراً مسبقة عن الموضوع المطروح، «ولا خوف من مشكلة في التلقي، لأن هذه الأفكار المسبقة يعرفها الجمهور الذي يحصل على وجبة FAST FOOD… ثقافية».
ويبني بورديو نظريته على تجربة شخصية استطاع خلالها اكتشاف عمل المقدّم غير المثقف: «شاركت أكثر من مرة في مقابلات، أعدت خلال طرح السؤال على نفسي، حتى أتمكن من مقاربة الموضوع الذي يرغب المذيع في مناقشته. كنت أكرر للمقدم «سؤالك مهم بالتأكيد، لكني أعتقد أنه في هذه الحالة هناك ما هو أهم منه»… وهو يكرّر شكواه من الصحافيين غير المثقفين الذين يذهبون لتغطية خبر معين، فيفاجأون برؤية أشياء غير مفاجئة أو العكس. فهم يسقطون رؤيتهم الخاصة على الحدث، علماً بأن علماء الاجتماع أنفسهم لا يستطيعون ادعاء ما يدعيه هؤلاء: «إن واحدة من أكبر المشاكل التي تعترض علماء الاجتماع، هي تجنبهم السقوط في أحد هذين الوهمين في معرض تحليلهم لظاهرة معينة: القول بأنها الأولى من نوعها، أو إنها تتكرر دائماً». وهذا ما يردده الصحافيون على الدوام «وهنا يكمن خطرهم، فهم غير مثقفين، ولا تعني لهم الظواهر الاجتماعية الحقيقية شيئاً». لكنهم رغم ذلك يمارسون تأثيراً كبيراً وسلطة مطلقة على مختلف الحقول الاجتماعية: السياسية والقضائية والنقابية وأحياناً على من هم أرفع مستوى منهم، وذلك بسبب احتكارهم لآليات إنتاج المعلومة ونشرها أو إضفاء الشرعية على الضيوف الذين يحظون بإطلالة متلفزة.

غير أن الصحافي ليس وحده المسؤول بل «الحقل الصحافي» بكامله. ويرفض بورديو أي محاولة لتحليل سلوك صحافي معين أو وسيلة إعلامية محددة، بعيداً من زملائهما، «لا يمكن أن نفهم ما الذي يحدث في TF1 بمجرد القول إن شركة BOUYGUES هي من يملكها. هذا سبب لكنه ليس وحيداً، يجب أن نأخذ في الاعتبار مجموعة العلاقات الموضوعية التي تؤسس الحقل الصحافي بكامله».
حين انتقد بورديو التلفزيون، كان يتحدث ضمن سلسلة محاضرات متلفزة نظمها آنذاك «كوليج دو فرانس». أي إنه استعمل بدوره شاشة التلفزيون، لكن ضمن شروط تناسبه لجهة اختيار الموضوع، وامتلاك الوقت الكافي لمناقشته. ولأنه بدأ محاضرته بالتأكيد على أن امتلاك المواطن للمعلومة هو الذي يتيح له ممارسة حقوقه الديمقراطية، فقد طالب بمحاربة الـAudimat (نسبة إقبال المشاهدين) الذي يعزز ثقافة الـ“فاست فود”. كما عبّر عن أمله بأن تنشأ، داخل الجسم الصحافي، علاقات بين الصحافيين تساعد في التخفيف من التأثير السلبي للأدوات التي يمتلكونها. وقدّم مثلاً: “في قضية خطف الأطفال (التي يُتّهم فيها المهاجرون غالباً بشكل أوتوماتيكي) يمكننا أن نتخيّل، أو نحلم، أن يتفق الصحافيون على عدم استضافة زعماء سياسيين معروفين بمواقفهم المسبقة ضد الأجانب”.

يقول بيار بورديو في كتابه «التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول»: «أحد المشاكل الكبرى التي يطرحها التلفزيون هي العلاقة بين التفكير والسرعة. هل يمكن التفكير أثناء اللهاث بسرعة؟ وهكذا حصل التلفزيون على مفكرين (على السريع)، عندما أعطى مجال الحديث لمفكرين أجبرهم على أن يفكروا بسرعة متزايدة. مفكرون يفكرون بأسرع من ظلهم».

مشكلة السرعة حولت العلاقة بين التلفزيون والصحافة إلى علاقة انتفاعية، الغلبة فيها حكماً للتلفزيون كونه الأوسع والأسرع انتشاراً. ففيما تعمل الصحافة بتأن زمني يستهلك على الأقل 24 ساعة بين تحضير المواد للنشر والطباعة، تدور عجلة البث التلفزيوني كالمطحنة في عملية محو وتسجيل يومي للذاكرة. فكل نشرة أخبار تمحو ما سبقها لتسجل أحداثاً جديدة، تتطلب مجموعة من البرامج المواكبة تحليلاً وتفسيراً. وتحت ضغط الوقت، لا مناص من اللجوء إلى الصحافة، سواء من جانب الاستعانة بالأفكار، أو في اختيار الأشخاص المناسبين لتحليل ما وراء الأخبار. فلا يمكن لأي معد برامج أن يبدأ يوم العمل من دون الاطلاع وبشكل آلي على عناوين الصحف والمقالات المكتوبة.

إن الموضوع الذي يعالجه بيير بورديو في هذا الكتاب يتعلق في مستواه المباشر بتحليل بنية و آليات أحد منتجات هذه التكنولوجيا الحديثة التي تعرف بتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، لكن الموضوع غير المباشر (لكنه رئيس وأساس!) هو علاقة الإيديولوجيا بهذه التكنولوجيا. إذا كان من الممكن اعتبار أن العلم محايدٌ، فإن استخدامات العلم وتطبيقاتِهِ أي التكنولوجيا ليست محايدة. فيما يتعلق بتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات فإن التوظيف والمضمون الإيديولوجي لهذه التكنولوجيا يجد أوضح مثال له في الدور الذي يلعبه التلفزيون لا يقتصر الدور الخطير الذي يلعبه التلفزيون على التأثير المباشر على المشاهدين ولكن هذا التأثير يمتد كما يوضح بورديو في هذا الكتاب إلى مجالات الإنتاج الثقافي الأخرى وهو ما ينبّه إلى خطورته بشكل خاص. لقد كثر الحديث عن »نهاية الايديولوجيات« و»نهاية التاريخ«، كما تم الترويج لنظرية صموئيل هنتنجتون المعروفة »بصدام الحضارات« الخ. ولكن الشيء المثير للدهشة والتعجب أن هذه المقولات التي روِّج لها كثيراً في أوساط المثقفين ووسائل الإعلام خصوصاً بعد انهيار سور برلين والتحولات السريعة والعنيفة التي شهدتها دول شرق أوروبا، مروراً بحرب الخليج الأولى ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من حرب واحتلال لأفغانستان والعراق، هي في حد ذاتها تعبير عن أيديولوجيا تدّعي السيادة والانتصار على الأيديولوجيات الأخرى!. أيديولوجيا تعبّر عن نزعات عنصرية وفاشية جديدة تمثل تهديداً حقيقياً للإنجازات الرائعة التي حققها الفكر الإنساني عبر مسيرته الطويلة.

مما لا شك فيه أن المواجهات الأيديولوجية التي كانت سائدة طوال فترة الحرب الباردة قد انتهت بصورتها القديمة، أي المواجهة وجهاً لوجه وسيادة الخطاب الأيديولوجي المباشر. لكن التحول الجديد الذي طرأ خلال السنوات العشر الأخيرة من القرن المنصرم وحتى الآن هو انفراد ما يمكن أن نسميه بالأيديولوجيا الناعمة بموقع الصدارة في وسائل الإعلام المختلفة. »الأيديولوجيا الناعمة تتمثل فى تلك الجرعات اليومية بل اللحظية التى تبثها وسائل الاعلام »soft ideology«

الحديثة وكذلك الوسائط المتعددة

Multimedia وانتشار شبكة الانترنت على المستوى العالمي

هذه الجرعات تتغلغل وتنساب إلى عقول المشاهدين والقراء والمستمعين ومستخدمي الوسائط المتعددة والانترنت الخ. بهدوء وبلا ضجيج على عكس ما كان يتم في السابق. إن المجال مفتوح الآن لعمل دراسات على التوظيف والمضمون الأيديولوجي لكل هذه الوسائل والأدوات وهو ما يقدم له بورديو نموذجاً منهجياً في هذا الكتاب. إن طريقة التحليل التي يقدمها بورديو هنا يمكن تطبيقها على مجالات أخرى.

إن وسائل الاداعة و التلفزيون في الأنظمة الغير الديمقراطية تصنف ضمن إطار الأجهزة المحافظة التي تسعى إلى توفير هيمنة السلطة على الجمهور الواسع من خلال تمرير تقافة هجنة تسعى إلى تكريس ماهو قائم وتشكيل وعي يومي سادج لدى المتلقي وهدا هو صميم موضوع بورديو في كتاباته التي تنصب حول نقد البنية الوظيفية التقليدية في التلفزيون و التي يتم إخراجها بتخطيط من خبراء الداخلية/ الإعلام من داخل الكواليس و تمارس يوميا تحت عنوان إستراتيجية الإعلام في العهد الجديد.

———————————————————————————————

المراجع

1. سلسلة عالم المعرفة عدد 44 إتجاهات نظرية في علم الإجتماع د. عبد الباسط عبد المعطي

2. ذ. العطري عبد الرحيم العلوم الاجتماعية و التحولات السياسية : في الحاجة إلى السؤال السوسيولوجي“

3. نفس المرجع السابق

4. صبحي درويش كاتب سوري

5. مدرسة إعادة إنتاج الطبقات عبدالله العبادي

6. شبل بدران،حسن البيلاوي:مرجع سابق،ص116.

7. سعاد جروس مقالات تتحول إلى «روبورتاجات مصورة»
8. محمد خضر كاتب صحفي
9. درويش الحلوج قراءة في التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول

———————————————————————————————-

الفهرس

1. مدخل إلى علم الإجتماع

التعريف بعلم الإجتماع

ميادين اشتغال علم الإجتماع

مهنة عالم الإجتماع

1. التعريف ببيير بورديو

فلسفته

3 . العنف الرمزي

تعريفه

تجلياته

المدرسة

التلفزيون

المراجع

الفهرس

بقلم بلوح إبراهيم

http://wattani.wordpress.com/

أعداد من مجلة آداب المستنصرية


اقرأ المزيد .. »

الجمعة، 8 يونيو 2012

بردة البوصيري قراءة أدبية وفولكلورية - محمد رجب النجار - حوليات كلية الآداب - الكويت



اقرأ المزيد .. »

المدخل السلوكي لدراسة اللغة في ضوء المدارس والاتجاهات الحديثة في علم اللغة - مصطفى زكي التوني - حوليات كلية الآداب - الكويت


اقرأ المزيد .. »

برنامج الموسوعة الشعرية - نسخة الإمارات

اقرأ المزيد .. »

ديوان حسان بن ثابت ( دار صادر )


اقرأ المزيد .. »

أسعار الذهب – 8 يونيو 2012


تراجعت أسواق الذهب يوم الخميس مع شهادة رئيس البنك الإحتياطي الفدرالي "بن برنانكي" أمام الكونغريس. بدت الأسواق بأنها أقنعت نفسها بأن الرئيس سوف يشير إلى المزيد من التسهيل، وحاولت أن تخرج قبل شهادته. حقيقة أنه لم يشر إلى الرغبة في تطبيق التسهيل كانت لصالح الدولار، وضد العديد من أسواق السلع الأساسية، بما في ذلك الذهب.
مزيد من المعلومات »

الجاحظ والنقد الأدبي - وديعة طه نجم - حوليات كلية الآداب - الكويت


اقرأ المزيد .. »

كتاب 100 سؤال وجواب كيف تواجه مشكلاتك


كتاب: 100 سؤال وجواب كيف تواجه مشكلاتك
تأليف: مجدي كامل
صيغة الملف: rar
حجم الكتاب:1 mb
لتحميل الكتاب اضغط: كتاب 100 سؤال وجواب كيف تواجه مشكلاتك

كتاب قوة العقل الباطن - ابراهيم الفقى


كتاب: قوة العقل الباطن
تأليف:  د.إبراهيم الفقي
صيغة الكتاب:PDF
حجم الكتاب:4 mb
لتحميل الكتاب اضغط: كتاب قوة العقل الباطن - ابراهيم الفقى

كتاب أنا ستيف (ستيف جوبز كما ترسمه كلماته)


كتاب: أنا ستيف (ستيف جوبز كما ترسمه كلماته)
تأليف: جورج بيم
صيغة الكتاب:PDF
حجم الكتاب:2.7 mb
لتحميل الكتاب اضغط: كتاب أنا ستيف (ستيف جوبز كما ترسمه كلماته)

كتاب العمل الجماعى - ابراهيم الفقى


كتاب: العمل الجماعي
تأليف: د.إبراهيم الفقي
صيغة الكتاب:PDF
حجم الكتاب: 3.75 mb
لتحميل الكتاب اضغط: كتاب العمل الجماعى - ابراهيم الفقى

الأساطير والمعتقدات بالمغرب


الأساطير والمعتقدات بالمغرب
يعيش المغاربة، مثلهم في ذلك مثل السواد الأعظم من الشعوب، في ظل العديد من أنساق الاعتقاد: فهناك مجموعة متنافرة من الممارسات الطقوسية السابقة على التوحيد، ودين منزَّل –هو الإسلام هنا- واحترام للعلم الحديث. وإن التنافر البيِّن لهذه المجموعات العرفانية (gnosiques) لا يطرح بالنسبة لكل ملاحظ خارجي، أو بالنسبة لكل أولئك الذين قد ينزوون داخل واحد من هذه الأنساق الجزئية الثلاثة، أية مشاكل على مستعمليه. وقد يندهش المغاربة كثيرا –في معظمهم طبعا - لو سمعوا أن من الممكن أن يوجد تنافر، بل تناقض أو منافاة، بين هذه العوالم المفهومية أو الإيديولوجية المختلفة. وعلى عكس ذلك، فإن باب المعرفة والفعل بالنسبة للأغلبية العظمى من الناس يمكن أن يُرمز إليه بقوس تستند عتبته على العالم المحسوس مباشرة، ويجسد عموده الأيسر مجموع المعارف الاختيارية، والأيمن متن المعارف التجريبية، كما يمثل منحنياه تبحّر الباطن شمالا والظاهر يمينا، ويُتوِّج كل هذا ويلحم بين عناصره مفتاح قبة الإسلام، مبدأ كل «لوغوس» ومنتهاه. لمكن، ما أن ينقص واحد من هذه العناصر حتى يتهاوى الكل أو ما يسمى نتفا وكسورا محطمة لا تملك دلالة عامة، وتغدو، وبالتالي، من غير فعالية.
ورغم أن الدين المنزّل، المشروع والشرعي، هو المحك الأخير لكل معتقد ابتداعي في الظاهر أو لكل تجديد عصري، وهو تفسير وإطاره، يبقى من الضروري أن نذكِّر، مع ذلك، بالخلفية الأكثر إظلاما وغموضا وإلغازا، التي تتعايش مع القرآن والعلم الحديث ضمن السذاجة الشعبية.
ومع ذلك فإن هذه المعتقدات المتعدِّدة تحتاج إلى كثير كي ينفي بعضها بعضا. بل على العكس من ذلك، فإن الأساطير والمعتقدات التي تُنعش باستمرار في علاقة نسق بالآخر، تتآكل، ثم تولد من جديد، وتتحول، مستعيرة من كل عالم شكل العقلانية والعجيب والحساسية الخاص به، ونمطه في التدليل.
إن نسق الأساطير والمعتقدات بالمغرب، القائم على التلفيقية أو على احترام السجلات المتوازية المتواجدة والمتعايشة في تحالفها وفي تنافسها، ليس، بطبيعة الحال، هو نفس النسق بالنسبة للصوفي، أو لرجل الدين الحضري، أو للفلاح أو لطالب كلية العلوم أو للعالم المتخصص. إن كل نمط من أنماط السذاجة ينفي عن الآخر قيمته العلمية. حتى وإن كان الأكثر تدينا، في العمق، هو الذي ينجح دائما... لدى عموم الناس.
تلفيقية هي إذن، وتعدّد، لكنها تطوّر كذلك: إذ لم يعد بإمكاننا وصف علاقات السحر والدين بمغرب عام 1981 مثلما كان يفعل كبار أسلاف أنثروبولوجيا المعتقدات في أوائل هذا القرن: ويسترمارك (Westermarck) دوتي (Doutté) وديرمنغن (Dermenghen) . وقد عرف المغرب ثورتين كبيرتين –إذا نحن أعطينا لكلمة ثورة معنى التغيير الاجتماعي- الثقافي العميق –هما الأسلَمَة التي بدأت منذ حوالي ثلاثة عشر قرنا، والتصنيع في بداية القرن العشرين. هاتان الحركتان لم تكفا عن التقدم، بعد، وعن قلب مجموع الممارسات والمعتقدات رأسا على عقب. ولا يمكن لأية دراسة جادة أن تتناول اللحظة الراهنة باعتبارها ثابتة، وقد يكون من قبيل خيانة حسن نية القارئ أن نتركه يعتقد بوجود هيمنة متواصلة لا تُصَدُّ، لنسق أحدث على نسق آخر بل، وعلى عكس ذلك، تظهر انبثاقات مباغثة، وتعلن مقاومات غير منتظرة، عن نفسها، كما تلاحظ تهجينات غير متوقعة، وتمارس استعارات مفاجئة من مصادر قصية وغير معروفة حتى ذلك الحين (باكستان).
كل هذا لكي نحذر القارئ من أنه لا يقف هنا أمام مادة بسيطة، أمام خطاب نهائي، ووصف موقوف.
وإذا حصل أن افلت الكاتب، أثناء سيره، بعض الجمل المقتضبة، أو سلك طرقا مختصرة تُنقص [المسافة] أو وضع خطاطات تبسيطية، فإن مصدر ذلك عجز بلاغي عن إعادة بناء غزارة الواقعي وتشابك الوقائع، أكثر مما هو رغبة في نقل نسق جاهز، ينظم مادة العمل في مجموعة مغلقة.

1-الأساطير والمعتقدات القبإسلامية:

لم تنتظر قوى الطبيعة وقوى المجتمع البشري، الديانات المنزَّلة لكي تخلف آثارها في تمثلات عامة تُتَّخذ قانونا للسلوك وتغذِّي تكوين الأفكار الأخلاقية والسلوكات الفعّالة. وحين كان الإنسان في منتهى الضعف، أمام الطبيعة وأمام نظرائه من الناس، ولم يكن قد عثر بعد على منفذ نحو إيديولوجية للخلاص، كان عليه أن يُدخل القوى الطبيعية نفسها ضمن خيمياء أساطيره.
وفي أول الأمر، كان إنسان هذا الكوكب يفك علامات الأرض وتنهداتها عن طريق أشكالها الجوفية. وإن عبادة المغارات ومنابع المياه ظاهرة مهيمنة في المغرب . وقد سارع أحد الآراء العقلانية، وأفرط في الإسراع، فبرّر أهمية الأساطير الكهفية عن طريق التذكير بأن البربر كانوا يقطنون الكهوف، وعبادة الينابيع بالأهمية الواضحة للماء في بلد قاحل. ولا شك أن هذه الحجج مما لا ينبغي إقصاؤه، ولكنها لا تفسر قط –بل العكس- المخاوف التطُّيرية التي ترتبط بهذه الأماكن. فهل يجعل منها ورثةٌ سكان الكهوف، أي ورثةٌ [أولئك الذين] تعوّدوا على المغارات، موقعا لكل هذا العدد من المعجزات والآثار الغامضة؟
يبدو، بالأحرى، أن المغارات والينابيع هي منافذ الخروج والتجلي لأعماق الأرض وللجن القاطنين تحتها. إن الكهوف تمثل فم القوى الجوفية وبطنها، والينابيع عيون (بالعربية كما البربرية: طيت) تسيل منها الدموع. وداخل هذه الأعماق، يسكن الجن الذين يهربون منها في ساعات أو ليالي معينة، ويحرسون الكنوز المطمورة فيها. ومن اللافت للنظر أن أسطورة جودر الصياد (وهي من حكايات «ألف ليلة وليلة») تجعل المغرب مسرحا للفصل الذي يتحدث عن المغارة المكدّسة بالذهب والأحجار الكريمة. لقد مورست في الكهوف، التي تشكلت فيها رواسب كلسية هابطة وصاعدة، عبادات خاصة، تنظر إلى هذه الرواسب على أنها شموع (كما هو حال العديد من تقديسات بوقنادل) ، أو على أنها ضروع أبقار، تنضح بحليب صوفي (مغارة مولاي بوسلهام)، أو على أنها حاشية من الجن أومن الحيوانات الخارقة المتحجرة (مغارة تاغرداشت في برانس تازة).
إن المغارات تتكلم، وهذا معروف. والهواء الذي يسري في جنباتها يوصل إلى آذاننا تنهيدات وصرخات وأصوات صفير، كما أن الينابيع المتقطعة تفور وتجأر. والزوّار يأتونها لسماع أجوبة لسماع أجوبة عن أمور غيبية تتعلق بالاضطراب الذي يعاني منه كل واحد منهم، مثلما هو الحال في دمنات (سيدي بوإيندر). وفي الأطلس الصغير، قرب إيغرم، تقوم النساء برجم مغارة مغلقة على خاطب نكث عهده، ثم ينصتن إلى صرخاته ويؤوِّلن نبوءاته عن الغيب.
هل من اللازم أن نمدِّد هذا التقليد النبوئي-الغيبي للمغارات لكي نفهم الممارسة القديمة للاستخارة؟ حيث كان الشخص يُُنصح ، عشية اتخاذه لقرارات حاسمة، بأن يفرغ نفسه ويتطهر ويفكِّر مليّا ويتفحص قيمة الأشياء ومقاصده العميقة. وإن الخلو بالنفس والنوم في بعض المغارات الشهيرة (تاكَندوت بنكنافة، وتاغيت إخنيفن بسوس، وسيدي شمهروش بسفح جبل طوبقال...)، تمكِّن من تلقي بعض النبوءات والأحلام التي لا يبقى [على المرء] سوى تفسيرها –وثمة فقهاء لهذا الغرض- لكي يعرف الطريق السوي والسلوك المناسب.
يضاف إلى ذلك أن المغارات هي الأمكنة المفضلة لطرد الشر، وفضائلُها العلاجية معروفة لمسافات بعيدة. ويقيم الناس بها لحلِّ جميع أنواع الصعوبات الذهنية أو الجسدية. وبما أن الأمراض يُنظر إليها باعتبارها ناجمة عن عمل الجن، فأي شيء أكثر طبيعة من أن يجري البحث عن جنٍّ آخرين في أماكن إقامتهم بالذات قصد طرد الجنِّ الأوائل؟ هكذا فإن الأدواء الرئيسية المعالَجة هي أدواء العقل، أو الأدواء التي تُعتبر كذلك: الصراع والفُصام والجنون بصفة عامة، أي الأمراض التي نقول عن المصابين بها إنهم «مسكونون». إلا أن الناس يزورون المغارات كذلك قصد [علاج] اضطرابات الخصوبة: العقم، والإجهاض المتكرّر، وعدم ولادة طفل ذكر. كما أنها المكان الذي تُستحضر فيه طقوس اختفت اليوم (كلية؟) –مثلما كان يحصل في بعض المغارات الشهيرة (زكرة بتازة، إيلالن بالأطلس الصغير)- وهي طقوس «ليلة الغلط»: حيث يدخل الأفراد من الجنسين إلى المغارة قصد الاحتفال بمدار فصل الشتاء أو باعتدال فصل الربيع، ويتعاطون لعلاقات جنسية حرة.
إن الأمكنة الرطبة، خاصة منها الينابيع، وبالأخص إذا كانت ذات مياه معدنية حارة، وأكثر من ذلك، إذا كانت كبريتية ويصدر عنها بخار، هي المواقع التي تشتهر بسكنى الجنِّ فيها. وتكاد كل الينابيع تملك تاريخا أسطوريا أكثره ذيوعا هو ذاك المستوحى من موسى وهو يضرب الأرض بعصاه لينبثق الماء منها. ويزعم تقليد «راسخ» أن الأمر يتعلق بأفعال تقنية، زمن كانت الأرض مترعة بالماء وكان يكفي ثقب القشرة الأرضية لتنبع المياه الارتوازية. لكن هذا التفسير المادي النزعة لا يكفي، فالأولياء والجنّ ضروريون، وكافون في بعض الأحيان، لانبعاث المياه الجارية ذات النفع، كما أن صدود الناس عن عبادتهم، وخبثُهم، هما السبب الرئيسي في نقصان الماء وفي الجفاف. وباستثناء المغارات، فإن كثافة الجنِّ تكون أكبر قرب الينابيع والمستنقعات والبحيرات، والمرء لا يقترب منهم دون احتياط، ودون أن يحترم رغبتهم في الصمت والتستر، وذلك مع استبعاد أذيتهم المحتملة عن طريق ذكر قوى أسمى منهم. وتملك المياه التي اكتشفها جنّ أو أولياء [صالحون] خصائص علاجية، بطبيعة الحال: فهي تشفي من الأمراض (الحميات على وجه الخصوص) ومن العقم الذي يسبه الجنّ.
وفي الأماكن الرطبة تسكن كبيرة الجنيات، «عَيْشة قنديشة»، وهي واحدة من الجن النادرين بالمغرب الذي أضفى عليهم اسم علم وشخصية محدَّدة، حتى وإن كانت مزدوجة. إنها، بالنسبة لبعض الناس، شابة حامية تغوي عشاقها وتسحرهم ثم تلتهمهم مثلما تصنع فَويفَر (Vouivre) الشامبانية أو مرغانا البروتونية، كما أنها، بالنسبة للبعض الآخر، ساحرة شمطاء حسودة تلتذ بالفصل بين الأزواج.
ويبدو أن عَيْشة هذه هي عشتار ملكة الحب القديمة، التي كانت معبودة على امتداد البحر الأبيض المتوسط من قبل الكنعانيين والفينيقيين والقرطاجنيين، كما كانت تغذِّي عبادة الدعارة المقدّسة. وإذا كانت عَيْشة قنديشة لم تعد تخيف اليوم سوى الأطفال، فإن الأمر يحتاج لكثير لكيلا يكترث لها الراشدون، حتى وإن كانوا متمدرسين، وإن ذكر اسمها في مدرج بإحدى الكليات يثير ضحكات عصيبة، ليست ساخرة دائما، وقد قرّر أحد أساتذة الفلسفة الأوروبيين، بعد أن شرع في كتابة رسالة عنها، أن يحرق كل [ما دوّنه] من وثائق ويوقف أبحاثه بعد [أن وقعت له] أحداث عديدة لا تفسير لها.
الكنوز التحأرضية :
إذا نحن أنصتنا لسكان هذا البلد فلربما اعتقدنا أن المغرب مستودع عجائبي للكنوز. ففي كل منطقة، يؤكد لك أشخاص رزناء متزنون أنهم يملكون الأدلة القاطعة على أن ثروة هائلة من القطع الذهبية والأحجار الكريمة والأسلحة غالية الثمن قد اكتشفت مؤخرا مدفونة في باطن الأرض أو أن اكتشافها وشيك. ويمكن لك الذهاب معهم إلى الأماكن (مقابر، كومة من أحجار النذور، خرائب قرى في الغابات أو في قمم الهضاب العالية) حيث يظهرون لك نُقَباُ أو ردما أو حفرا طبيعة من المفروض أن المكتشفين قاموا بعملهم فيها. إن بروتوكول هذه الاكتشافات هو نفسه ظاهريا: اثنان من «الطُلبة» [الفقهاء] السوسيين يصلان ذات مساء إلى قرية ويطلبان ضيف الله. إن هيئتهما متكلفة وانشغالاتهما داخلية وكأنهما مسكونان بمهمة إلهية وسرية، وبصمت [وسكون] يتعاطيان، صارمين، للفروض الدينية (الوضوء، الصلوات) كما أن لهما ممارسات نافلة (التراتيل، السبحة...). بعد ذلك يتحدثان مع بعضهما بعضا بلغتهما –وليست الأمازيغية منطوقة في كل أنحاء البلاد- ويعرقان في وشوشة طويلة [مشبوهة]. وفي منتصف الليل، يطلبان الخروج من البيت، وينصرفان حاملين معهما أكياسا وأدوات مخبوءة. وإذا شرع المرء في السير وراءهما –الأمر الذي يتطلب شجاعة وحماية مكينة ضد الجنّ- فإنه سيراهما يستعملان عددا من الطلاسم للعثور على أماكن مضبوطة يحدّدانها بعدِّ خطواتهما. ثم يقضيان الليل في الحفر، ومع الفجر يغشى النوم المتجسّس وكأن ذلك بفعل معجزة [من المعجزات]، وحين يستيقظ لا يجد أحدا، ولا أدنى أثر، باستثناء حفرة حديثة العهد.
عن هذه السلوكات، يملك المغاربة شروحا عقلانية. والمسألة، دائما، هي مسألة كنوز مدفونة في باطن الأرض إما من قبل شعوب قديمة (الرومان، البرتغاليين، الأسبان، والمسيحيين بصفة عامة)، وإما من قبل أشخاص كانوا نافذين في الماضي واضطروا إلى مغادرة البلد على عجل دون أن يستطيعوا خمل ثرواتهم معهم. والحكاية الأكثر ذيوعا هي تلك [التي تتكلم عن] حاجٍّ ذهب إلى مكة لأداء الفريضة، بعد أن ترك بعض المزاد لعائلته وأخفى ثروته في مكان لا يعرفه سواه حتى يسترجعها بعد عودته. وكان ممكنا للسفر، في الأزمنة القديمة، أن يدوم سنوات، وأن تصاحبه، بالتالي، [عدة] مغامرات. ولكيلا ينسى الحاج مخبأ كنزه، دوّن مكانه على قطعة من الرق. إلا أن الموت، أو غيره من صروف [الزمن]، قد يوقع هذه الوثيقة في أيدي شبكة سوسية محكمة التنظيم تمتد خيوطها إلى الجزيرة العربية حيث تستولي على بقايا الحجّاج المغاربة. حاصل القول أن الباحثين عن الكنوز ليسوا سوى دواليب لمنظمة خفية هائلة تتاخم السحر ومقرَّبة من الجنِّ، ما دام كل ما تقوم به يتمّ ليلاً ويهمّ عمق الأرض.
التميمة والتمائم («الحرز» و«الحروز»):
قليل من الناس بالمغرب من يعيش دون حماية التمائم. فحيثما توجهت وسط الشعب ترى صغار الأطفال والنساء الحوامل والمرضى والأشخاص المشوّهين أو المعوّقين يعلقون بأعناقهم جرابات ضئيلة الحجم تتضمن بعض الطلاسم الواقية. كما [ترى] أصحاب السيارات يعلقون سبحات أو علامات نذرية في المرآة الارتدادية لداخل السيارة، وأصحاب الشاحنات يعنون بحماية عربتهم، من الأمام والخلف، عن طريق [كتابة] بعض الصيغ الدينية و[رسم] اليد التي يقال إنها يد فاطمة. بل إن الحيوانات ذاتها (الأمهار والأبكر) تحمل تمائما. وحيثما يكون الخطر واقعيا حقا وذا احتمالية عالية، يربط المغاربة بالاحتياطات المادية والضمان المالي وقاية دينية وحماية سحرية.
ذلك أنه إذا نجمت المصيبة عن ممارسات طائشة، عن أخطاء في التقدير وعن طرقٍ غير ملائمة، جرى الإيحاء، كذلك، بأنها لم تنتج عن الصدفة بل عن فعل القوى الخفيّة، العدوة والشيطانية، التي ينبغي التوسُّل إليها بطرقٍ تحمل نفس الطابع. ومرة أخرى فإن «الطُلبة» هم الذين يتوسطون لإنتاج التمائم الفعّالة. ويكفي أن يذهب المرء إلى الساحات العمومية، وإلى هامش الأسواق الدائمة أو الأسبوعية، لكي يجد نُسَّاخاً قادرين على كتابة طلاسم وجداول تمزج صيغا دينية بحواشي باطنية مقابل بضعة دراهم. أمام هذه التمائم لا يبقى لقوى الشرِّ أي مفعول، فهي تمتلئ رعبا وتتراجع عاجزة: إن [هذه التمائم شبيهة] بصادِّ الشيطان (Retro Satanas) الموجود في العالم المسيحي. وليس هنا مكان البحث عن المصادر التاريخية للتمائم، حسبنا أن نشير إلى أن الإسلام مرة أخرى، أو بالأحرى المقاولين المستقلين عن تسيير الإسلام، قد استعادوا لصالحهم –عن طريق مصروف ضئيل، هو بعض الكلمات الورعة والممارسات المباركة- الرأسمال الرمزي للكتابة التعزيمية، وللأرقام وعلم الحساب السحريين. إن نفس السحر الذي تمارسه الأعداد الأولية وتركيباتها على أحداث الرياضيات، لم يكف عن أسر البشرية وإبقائها سجينة فتنته. هكذا هو الأمر بالنسبة للأعداد: 1، 2، 3، 5، و7، وتنسيقاتها. إلا أن بإمكان هذه العداد، فوق ذلك، أن تُكتب على هيئة حروف. فقبل تطوّر علم الحساب، كانت للأحرف الأبجدية قيمة عددية وكان بإمكان الرموز الخطِّية المكتوبة أن تجمِّع الأحرف التي تملك، بالتالي، دلالة مزدوجة: [في] تركيب حسابي وكلمات ذات دلالة (رسم مصوّر). ويهدف فن التمائم، بالضبط، إلى الحصول على أكبر قدر من المدلولات السحرية-الدينية، بأقل قدر من العلامات، مثلما أن أحد فنون الشعر يكمن في أقامة تداخل بين أغنى الدوال، عن طريق تنضيدٍ رخيم للأصوات والإيقاعات.
وإن «الطُلبة» أو «الفقهاء»، بصفة عامة، هم الذين يحرِّرون التمائم أو يرسمونها بالأحرى. وصفة العارف هذه، للّغة وللدين، تضعهم مباشرة في مأمن من كل شبهة وثنية. ورغم أن علماء السلام والمؤمنين الصادقين يرفضون هذه الممارسات المنحرفة التي يقوم بها كاتبو التمائم ويعتبرونها هرطقة، فإن الطبقة الدنيا [من المجتمع]، وهي التي تمثل الأغلبية العظمى من زبناء هؤلاء النُسّاخ، لا تلتقي بالاً لهذه الأفكار الدقيقة. فبمجرَّد ما تغطي الصيغ الطقوسية للجهر بالعقيدة الدينية أو بالفاتحة، كتبَ الطلاسم، لا يستطيع الناس ضعيفو التعليم أن يعتقدوا بأن الأحرف العربية وكتابة القرآن الكريم يمكنها أن تكون كافرة.
وتلعب هيئة رجال الدين الغامضين هؤلاء، المبعثرين في البوادي، دورا أساسيا في الحفاظ على المعتقدات بالحسر في إدامة التصوف الشعبي. إن المفروض في «طُلبة» البادية أو صغار «فقهائها» -وهم في غالب الأحيان أبناء عائلة جرِّدوا من حقوقهم أو كانوا صغار إخوتهم في عائلات قوية فأبعدوا عن السلطة أو عن الإرث عمليا من طرف إخوة أمهر منهم- هو أنهم كانوا محرومين نزعت منهم ملكيتهم، فحوّلوا رغباتهم في الهيمنة باتجاه طرقٍ أكثر خفاءً.
وإذا كان المغاربة، مثلهم مثل جميع الناس، لا يرضون بالضيم، فإن لديهم، أكثر من شعوب أخرى، الإحساس بأن ضحية وضعية ظاهرية سيسلك أكثر السبل لكي ينتقم، أو لكي يحصل على قوة سحرية فحسب. من هنا مصدر الخشية من الحسد والحاسد. فباستثناء العلاقة التجارية، إذا كانت لديك رغبة مفرطة في شيء ما إلى حد أنك أنعمت فيه النظر أو قلت عنه إنه جميل أو يُحسد عليه، أسرع مالكه بإهدائه إليك، مفضِّلا ذلك على المعاناة من الممارسات التي ستسلكها ضده، رغما عنك، قصد الحصول على ذلك الشيء.
وإجمالا فإن «العين السيئة» حقا هي عين الحسود. وإذا زرت عائلة مغربية ورأيت طفلا جميلا فإن عليك أن تقول توّاً: «تبارك الله عليه!»، وذلك لكي تثبت أن مديحك أو ثناءك خالِ من كل حسد.
لهذا فإن كل شيء مرغوب فيه أو معروض [للأعين] يحمل [رسم] يد، أقدر عضو على الحماية من العين. إن راحة اليد المفتوحة بأصابعها المنتصبة هي أضمن ملاذ سحري: «خمسة في عينيك».
اللعنة والبركة:
يظن عدد كبير من المغاربة أنه يوجد في كل تجمع، وضمن كل مجموعة عريضة من الناس، أشخاص بإمكانهم التحّرر من الضغوط المادية التي تثقل كاهل شروط عيش باقي الناس.
وإذا كانت كلية الحضور والاختفائية فضيلتين يبدو أنهما اختفتا اليوم –حيث لم نعد نجدها في غير حكايات الماضي- فإن نقل الأفكار وقراءتها قراءة مباشرة، والتنويم المغناطيسي، والتحكم في اللعنة والرضى، أي التواصل المباشر الذي تباركه القوى السماوية، ويباركه الله على الخصوص، يجري النظر إليها، بالمقابل، باعتبارها ممارسات شائعة يتحكم فيها أشخاص نادرون.

هذه القوى الخفية، وهذه المزايا السحرية، هي لمصلحة –أو شقاء- بعض الأفراد رغما عنهم ودون علم منهم في الغالب. وأحيانا يكتشف المرء نفسه، هو بالذات، مالكا لسحر ما بعد سلسلة من الصدف المفاجئة، أو بعد مجموعة من الأقوال، أو الأحلام... كما أن آخرين يعروهم اليأس لكون القدر وسمهم على هذه الشاكلة. وفي إحدى العائلات المغربية الكبرى، يحمل نسب جزئي، مُبعد عن الإرث السياسي، القدرة على معالجة بعض الأمراض القاتلة بواسطة التمائم، لكن عندما تمارس هذه العلاجات على أحد الأقارب المقربين فإن القائم بها يلقي حتفه [فيها]، ومع ذلك لا يستطيع الامتناع عن العلاج. وفي معظم الأحيان فإن رجال البركة أولئك، الذين يستطيعون جلب السعادة أو الشقاء إلى ذوي قرباهم، يُنظر إليهم باعتبارهم هامشيي: فقراء متواضعون، وحتى شحاذون أحيانا، تحط من شانهم تشوّهات أو معوِّقات جسمية، وإما أنهم بائسون، متواضعون إلى الحدّ الأقصى، صموتون، تستغرقهم حياة باطنية تماما. وإذا لم نكن، فقط، متأكدين من أن شخصا معينا يحمل سحرا فإننا نشك دائما في الشخص الخارق بأنه مسكون بقوى خفية وهائجة و[ذاك] حذر مجتمع يرتاب من الحسّاد. والمحرومين ومن كل أولئك الذين يمكنهم الانتقام من امحائهم من العالم المرئي عن طريق مالهم من سلطات على القوى الخفية. كما أنه حكمة تسعى إلى تعويض الظلم الاجتماعي، وسيلتها في ذلك إنشاء حقل من اللايقين: فالاعتقاد بالسلطة السحرية التي يملكها الفقراء والمحرومون يتغذى من وساوس السائدين. إن المرء لا يعتقد بالصراع الاجتماعي، قوة المنبوذين المتحالفة، بل بلعنة هؤلاء وتدفق المصائب التي يمكنهم أن يدعو بها على المترفين. وإن «السَخْط» و«العار»، [يشكلان] طريقة أخرى لإعادة توزيع المصيبة. أن أرمي «العار» معناه أنني أجعل من الآخر، ضحية لما أنا ضحية له أو لما سأكون ضحية له فيما بعد «Vos in mea injuria despecti estis»، (مهانون أنتم، في إهانتي) (سالوست Salluste، «حرب يوغرطة»).
احتياطات مؤقتة:
ليس العالم مجرد بنية مادية مرئية مكونة من الضغوط والإمكانيات، بل هو كذلك بنية لا مادية مكوّنة من الزمن، ومن الإيقاعات والعلامات المخبوءة. وتقوم المجتمعات المادية بإضفاء الطابع الاصطناعي على وسطها كما تحاول إزالة كل الضغوط، كي تبني فضاءات ثابتة، متوقعة وقابلة للسيطرة إلى ما لا نهاية له. [أما] المجتمعات التي ما زالت في بداية [الطريق] التي مرت بها المجتمعات السابقة، فإنها تعطي قدرا أكبر من الأهمية لتدبير الزمان أو لإرادة الفاعلين الداخلية.
ويعيش القرويون بالمغرب رفقة أربعة تقاويم في نفس الوقت،هي: تقويم الأبراج، والتقويم الجولياني، التقويم الإسلامي والتقويم الغريغوري. ويجب على المرء أن يتساءل حول [سبب] الحفاظ على هذه الغزارة في الإحالة إلى الزمن. وبينما يعود التقويم النجمي، في أوربا، إلى المعتقدات السحرية وحدها، نجده، في المغرب، يجزِّئ تقويم الممارسات الفلاحية إلى عُشاريات مضبوطة.
ولا ينجم عن ذلك سوى أن دوران النجوم يضبط إيقاع الحياة المادية والحياة الروحية في نفس الوقت، وذلك بفضل تقويم ابن البناء المنتشر في كل البوادي [المغربية] والذي يعرف فقيه كل قرية بضعة نتف منه.
لكن عمل الفقهاء لا يقتصر على نشر وإدامة حساب الأعداد القائم على النجوم، [بل] إنهم يضبطون الإيقاع الأسبوعي لكل زبنائهم. وتملك الأيام، التي تقسمها الصلوات الخمس إلى خمس فترات، قيمة سحرية، خيِّرة أو شريرة، مثلها في ذلك مثل فترات كل يوم. إلا أن هذا لا يصدق بشكل متساوٍ على الجميع. فحسب بعض الشروط المضبوطة، التي أنشئت، على نحو غامض، ينبغي لكل واحد منا، تجنب القيام بسفر صباح يوم الاثنين، ورفض معالجة قضية مهمة ما عصر يوم الثلاثاء، كما أن شروع المرء [في شيء ما] يوم الأربعاء هو من قبيل المخاطرة، الخ. هذا التقويم السري لكل فرد يُخضع الحياة الشخصية لإيقاع [معين] ويفسر بعض التأخرات، وبعض [أنواع] الرفض، وبعض التهّيجات. ولا شك أن الحياة العصرية تمحو شيئا فشيئا احتياطات التقويم هذه، إلا أن من الممكن أن نكتشف فجأة، في خبايا مُسارّة [ما]، أن هذه الطلاقة أو أن هذا الرفض [المعين] لملاقاة [الناس] لا يعودان إلى الكسل أو إلى اللامبالاة بل إلى مراعاة لإيقاع داخلي. وفضلا عن ذلك فإن تذييت الزمن يمكّن في ظروف معينة، من التصنّع أو من تجنب عمل مرهق، مثله في ذلك مثل صداع الرأس أو المرض الدبلوماسي في المجتمعات الأوروبية. لكن، مثلما أن المرض الموضوعي يمثل، في أغلب الأحيان، جوابا ماكرا على المضايقة، فإن السلوكات غير الملائمة، والحركات الخائبة غالبا ما ينظر إليها في المغرب باعتبارها ناجمة عن عدم احترام للتوقيت الداخلي الشخصي الذي يفتح الباب للشيطان.
وعلى خلاف المسيحي المتعوّد على الإقرار بذنبه فإن المغربي، بصفة عامة، لا يعتبر نفسه مسؤولاً عن تصرّف معيب [قام به]، حتى وإن كان كذبة، [فالمغربي] الذي يُفترض فيه الخلو من المقاصد الشريرة أو السلوكات الخرقاء، لا يمكن مؤاخذته إلا بسبب الآخر أو بسبب أن الشيطان أربكه. وإذا كذب شخص قيل له: «الله يلعن الشيطان!» وذلك لأن هذا الأخير هو الذي تدخّل في ساعة نحس وتكلَّم محله.
الإسلام بالمغرب:
المغاربة مسلمون أقوياء الإيمان. ويبدأ إعلان المرء لاعتناقه الإسلام بإثباته لوحدانية الإله وانعدام أية ألوهية غير ألوهية الله (لا إله إلا الله). كل شيء ينبغي أن يبدأ باسم الله، ولا يمكن توجيه الثناء والعبادة لغير الله (الحمد لله وحده).
إلا أن الإله، بالشكل الذي طرحه به الإسلام، مغرقٌ في التجريد بالنسبة للورع الشعبي. وبسطاء الناس في حاجة إلى وسائط أقرب، إلى وسطاء، إلى شفعاء يتكلمون بلغة أقل باطنية.
ولم يمنع غياب إكليروس قانوني، مكلف بالهمِّ اليومي للأرواح القلقة، من تطوّر ممارسات منحرفة [تقف] على حافة النزوع إلى الهرطقة-التجسيم، تقديس [الأشخاص]، الارتباط بالزوايا- ولا من الافراطات الزهدية والاندفاعات الطائفية. وإذا كان الله واحدا، فإن الطريقة التي يُعبد بها متعدِّدة، وإن مجمل التاريخ الديني للمغرب هو تاريخ إخضاع لغرائز نزعة وثنية لا تكف عن الانبعاث.
فبين السحر والسلام الشعبي والإسلام السنّي والإسلام الصوفي، لم تعقد الغلبة قط لأحدها على الباقي، وإنما هناك في غالب الأحيان تعايش، إن لم يكن تحالف وإبدال. وفعلا، فالأولياء، المتصوفون، هم الذين عقدوا لواء النصر للإسلام المحارب الصارم في الفضاءات الوثنية والسحرية، وهم الذين ابتُذلوا واستُرجعوا شيئا فشيئا، لاحقا، ضمن بلبلة لا مندوحة عنها [تجمع] البدع إلى [الدين] القيوم. وهو مسارٌ ومنحدر محتوم تتم استعادته باستمرار، وفترات البلبة موائمة لإعادة بناء نسق يُهدّده دوما، قصوره الحراري الداخلي.
عبادة الأولياء:

من بين [كل] البلدان الإسلامية، يعتبر المغرب البلد الذي يبجِّل أكبر عدد من الأولياء. فلا وجود فيه مطلقاً لهضاب لا يتوِّجها مزارٌ، وقليلة هي القرى أو المقابر التي لا يوجد بها ضريح يمجِّد وليا أو أكثر من ولي. وقد لا يكون الشعار القائل بأن «المغرب بلد المائة ألف ولي» شعارا مغاليا.

إلا أن تزاحم الأولياء الضخم هذا يملك جغرافيته وتاريخه وتراتبياته التي تضم منازل –أمهات على شكل زوايا قوية موسرة، وفروعا يمارَس فيها الاحتفال من قبل خُدّام [للزاوية]، وأناشيد ومحطات مقفرة بعيدة عن الطرقات في الغالب، إلا أنه يتجمّع فيها عدد كبير من الزوّار في يوم معين من أيام التقويم السنوي.
ويمكن لفضائل هؤلاء الأولياء أن تكون خارقة، مثل سيدي رحال الذي يحوّم في الهوام حول صومعة الكتبية بمراكش ويمتطي أسدا في قفص سَجَنَهُ فيه سلطان رهيب. كما يمكن أن تكون إفراطا في الزهد أذهل معاصري الولي، مثل سيدي إبراهيم الذي كان يقتات بثمرة في اليوم. وقد اشتهر مؤسس زاوية تاسافت بالأطلس الكبير بأنه كليّ الحضور. كما أن سيدي احماد أو موسى، ولي الجنوب الغربي، الكبير، بنى حظوته الرمزية لدى الناس استنادا إلى إيمانه الصادق، مثلما بناها اعتمادا على حكاية [تتضمن تحقيقه] لعدد لا يحصى من الكرامات. ألا يقال إن [جماعة] من العلماء تحدّته ببلاط بغداد أن يثبت مقدرته الروحية، فضرب بقدمه ضربة فإذا بشجرة أركَان –ذلك الشجر الزيتي المستوطن الذي ينمو جنوب غرب المغرب- تنتصب واقفة وسط معارضيه؟ ولازال هناك، على اليوم، من يدلّك بسوس على الحفرة المتخلفة بالمكان الذي خرجت منه الشجرة. وأن تُقسم باسم سيدي احماد أوموسى معناه أنك تقوم بعمل مرعب. ومنذ حوالي قرن من الزمن، أو ما يزيد على ذلك بعض الشيء، وعد أحد الأشخاص فرعا آخرا من غير فرعه بتزويجه ابنته، إلا أن تراجع عن وعده في ليلة العرس فهدّد أبٌ العريس ناكثَ بصواعق الولي: «ببركة سيدي احماد أوموسى، لن يكون بمقدور بنات ذريتك أن يتزوجن زواجا عاديا». ومنذ ذلك الحين باتت البنات المتحدّرات من هذا الفرع، عندما يبلغن سن الزواج، يختفين بضعة أيام أو بضعة أشهر ثم يرجعن بقدرة قادر دون أن يتذكَّرن أي شيء، سليمات أحيانا وغير سليمات أحيانا أخرى، لكن مشبوها فيهن دائما. ولم تتمكن تحقيقات حديثة عهد قام بها رجال الدرك، من إلقاء الضوء على [هذا] اللغز.
هكذا نرى كيف أن توسُّط الأولياء يمكّن من تشكل الأفكار الأخلاقية وإدامتها وغالبا ما يُساءل الولي من أجل تدعيم ضوابط الحياة الاجتماعية. ولذلك فإن رباط الولي رهان في أيدي القوى القائمة. فهذا الرباط الذي يُفترض فيه أنه فوق العراك، واقع في حقيقة الأمر، بين أيدي تسيير مبتذل لسحره ولرأسماله الرمزي، لصالح النظام الاجتماعي. من هنا تأتي وفرة الأولياء. وما دامت الأضرحة المتألقة الكبرى في خدمة السائدين، فإن بسطاء الناس مرغمون على التوجه إلى شخصيات أكثر غموضا وأكثر فظاظة.
إلا أن الأولياء هم من رجال الله أيضا، يقال إنهم مقرّبون إليه (أولياؤه). وإذا تفحصنا الأمر وجدنا أنهم لا يُنظر إليهم باعتبارهم هم من يقوم بالفعل والتأثير، وإنما يعتبرون [مجرد] وسطاء لدى الله، «لا حول ولا قوة إلا بالله وهو على كل شيء قدير». كذلك فإن الأضرحة الكبرى هي أماكن للتقوى، ولتعميق الإيمان، والدين وقراءة القرآن. ولكي يكون بمستطاع سقف المزار أن يصعد إلى حدود السماء، ينبغي ألا تكون استقامة مؤسسته، من حيث المعتقد، موضع شك. لذا فإن مجمل الممارسات، سواء منها الأكثر انضباطا أو الأكثر قابلية للنقاش، يمكنها أن تنعقد في نفس المكان، حيث تغطي الأولى منها الثانية.
نذكر على سبيل المثال كيف أن عبادة الأصنام هي العبادة التي استهجنها الإسلام أكثر ما استهجن، والتي حاربها بضراوة منذ سنوات ظهوره الأولى. فحطمت الأصنام أو كسرت أو أحرقت على نحو ممنهج. ومع ذلك فإن أحجار المغرب تنقل دائما دعوات، وتشكل موضوعات مباشرة لعبادات منحرفة. وإذا فاجأت مغربيا من عامة الشعب وأشَرتَ له، مثلما يفعل دعاة الإسلام، إلى أنه ما زال يعبد الأصنام جزئيا، مادام يعهد بدعواته إلى أحجار، على أشرطة من الخِرق، وإلى أشجار... فإنه سيجيبك دائما بأن الأمر يتعلق بقبر ولي، بأن هذا الولي كان مسلما راسخ الإيمان ومجاهدا في الدين، بأنه وسيط [بين الله وعباده] (ولي)، وبأن ذكراه هي التي يجري الاحتفاء بها، لا الحجر الذي يحملها.
وإذا كان الإسلام واحدا من الأديان التي قطعت أبعد شوط في تصفية الدعائم المادية للإيمان، فإنه لم يبلغ ذلك، بعد، تمام البلوغ بالمغرب. ولعل الأمر يعود إلى كون العبادة التجريدية تتجاوز قوى المؤمنين وتكوينهم الحالي، وإلى كون التحويل المادي ما زال يساعد على حمل العبادة. وإذا كان بعض الأشخاص الخشنين الجهّال ينتهون إلى اعتبار الوسائل هدفا، فإن واجب هدايتهم على الطريق المستقيم يقع على عاتق من هو أكثر علما ومعرفة والتزاما بالسنّة منهم.
وإن شبكة الأضرحة التي تحبك أدق خيوط الشرَك السحري الديني الممدود فوق البلاد، لازالت تخترقها الهياكل القوية للزوايا (درقاوة، التيجانية، شرقاوة، الخ)، وهي أنواع من السلاسل الصوفية-الدينية، إلا أنها أندية سياسية تسارّية كذلك.
أخيرا فإن أقطاب المراكز الصوفية تنيف على كل شيء. وتقوم الحركات الإسلامية (الإخوان المسلمون، البوتشيشيون، الخ) حاليا بقلب هذا البناء الشكلاني الروتني. لكن، هل ما [تقوم به] جديد حقا؟ من كانوا إذن، وفي وقتهم، أبطال الإسلام المغربي، المتشدّدون الزاهدون، أمثال الجزُولي والتيجاني وعبد السلام بن امشيش؟ لعل الإسلام الرافض [الذي نشهده] اليوم لم يعد سوى انبعاث متجدّد دائما لكفاح النزعة الباطنية ضد النزعة الظاهرية، وبعبارة أخرى، [لكفاح] الأسس التجريدية للإيمان ضد التنظيم الفظ للمظاهر (الدولة، الحكومة، المجتمع المدني...). وإن الهبَّة الحالية للدعوة الإسلامية تمثل فترة ساخنة عَرَضية في دورة التاريخ البارد للإسلام.
إن معرفة الإسلام بالمغرب ليست سهلة. ويمكنها أن تبدأ عن طريق المعرفة الجزئية والمعزولة للممارسات والمعتقدات الملحوظة حقا، وتتواصل عبر تفحص الانتقال من بعضها إلى البعض الآخر، و[تفحّص] الصراعات والتعارضات الناشئة بينها، وكذا التحالفات الفعلية التي تجعل بعضها يعضد بعضا رغم الإدانة والتجاهل المتبادلين. وإنما سمح، عمليا، بوجود البدع التي تتكاثر حول ضريح من الأضرحة هو بالضبط أولئك الذين يؤنبونها: [فالمسلم] السني يعلم حق العلم أنه لا يمكن أن يجتذب إليه سوى نسبة ضئيلة من المؤمنين الصادقين، [ومن هنا] تشكِّل الممارسات «المريبة»، بالنسبة له، [ما يشبه] حوضا للسمك يغترف منه وينتقي رعيته. فهذه [الممارسات] ضرورية لتلك. وإذا لم تكن هناك ووثنية ينبغي التشهير بها، فكيف يمكن أن نسخط وندعو إلى الطريق المستقيم؟ وكيف يمكننا أن نعقد جلسات تحاذي الهرطقة دون المحاجّة بهذه الطريق؟ [ولكن] مسألة أهمية الإسلام في وعي المغاربة (و[وعي] كثير من الشعوب الإسلامية الأخرى، دون شك،) مسألة أعمق. ويستغرب الفكر الغربي للعصر الصناعي من المكانة التي يحتلها الدين في جنوب البحر الأبيض المتوسط وشرقه، ولا يتوصل، خلف أوغست كونت، إلى أن يشفي غليله إلا بالإشارة إلى وجود عصور، منها السحري والديني والاجتماعي والاقتصادي...، تتعاقب بعضها وراء بعض ضمن أفق أحادي المسار. ولا يفاجئهم، في نهاية المطاف، سوى ازدهار الإسلام المعاصر هذا، في زمن التقدم العلمي والتقني. بيد أن قوة الإسلام ربما كانت في موضع آخر، في المقدرة الاستثنائية على القبول بالمأساوي، وخضوع الإنسان للقدر في هذه الدنيا، مع إعطاء مخرج روحي فحسب لـ[الجانب] المظلم في المصير البشري. وإن انهيار اليوتوبيات الحديثة عن التقدم، أمام الارتفاع الديموغرافي وعجز البلدان المهيمنة عن التفكير على المدى البعيد، يعطي نفَسا جديدا لعودة الإيمان التقليدي.
كذلك فإن رؤية أكثر مادية تأتي بحجج أخرى، هي: الشروط الأقل مواءمة للتقدم التقني خلال القرون الثلاثة الأخيرة، وصدمة الهيمنة الاستعمارية والانطواء على هوية دينية هي الملاذ الوحيد الذي يهب الأمان، وعدم الفصل بين الدين والدولة... وإذا كانت هذه العوامل لا تعدم أن تلعب دورا [من الأدوار]، فما أبعدها عن أن تكون كافية [وحدها]. بل سيكون الأمر، [في هذه الحالة]، تخليا عن أدنى درجات الاستقلال الذاتي الذي تتمتع به الحركة الدينية بالذات. إن الإسلام يجعل من طاعة الله والرئيس والأب دينا، ومن كل احتجاج أو تجديد، خارج المعتقد المقرّر، بدعة. وتحل اللّعنة بكل سعي لفصم العرى مع التقليد. وإذا نجحت محاولة من المحاولات، اعتُبر نجاحها مؤقتا، وبأنه مجرد محنة آيلة، لا شك، إلى زوال. ولا يعود سبب الإخفاق إلى نقصان في الجهود التي يبذلها الناس، أو في شجاعتهم أو في متابعة التجديد قدما إلى الأمام، بل يعود، بالأحرى، إلى نشدان الأصالة ذاته، إلى الاختلاف مع الممارسة الشائعة العامة. بحيث أن الثورة الوحيدة المشروعة هي تلك التي تعلن، أولا، وقبل كل شيء، عن العودة إلى الأصول. إن أبرز أصل هو القرآن. أما السنة، أما الحديث [وما يصاحبه من] تفاسير، فهي مصادر أدنى مرتبة، وزوائد متراكزة، يُنظر إليها باعتبارها بعيدة، بهذا القدر أو ذاك، ومشروعة، بهذا القدر أو ذاك، حسب القرون والفِرق [الإسلامية]، [كما ينظر إليها] باعتبارها تأويلات تَضْمَنُها رواية المؤمنين ضَمانا متفاوتا.
وتهمّ المسألة الإسلامية تقويم ميثولوجيتين متزامنتين: إجماعية الناس فيما يخص الدين، وانبثاق تقديس الأولياء. وهما مفهومان متعارضان كل التعارض في الظاهر: على الجميع أن يقوم بما يأمر به الدين على نحو إجماعي ودون تمييز، وفي الوقت نفسه يظهر الولي الذي هو وحده من يمارس [عبادته] على نحو مختلف، يرجع بالسلوك إلى الأصل، ويعيد وضع التقليد على الطريق الصحيح.
إلا أن هذا التناقض سطحي في الواقع. [ذلك] أن أسطورة مجموعة متجانسة، خالصة، تنادي بواحديتها، وتنتمي بمجموعها إلى ذات القاعدة، هي [أسطورة] من الأساطير التي تسكن هذا الشعب. وتكون الهامشية محتملة إذا كانت استثنائية ونادرة جدا وفريدة. لكنها تغدو مذمومة وصعبة الاحتمال إذا ما شكلت طائفة، أي تجزئة للجسم الاجتماعي. ولا يمكن في السلوك التقليدي لأية بداية، لأي شروع في العمل (initium) بما في ذلك أزهدها –من قبيل الشروع في الحرث أو إسقاط الزيتون- أن تكون من فعل إنسان عادي. وحدهُ شخصٌ خارج عن المألوف، يتحلى بسحرٍ، ومن نسب معروف بوفرة حظه، أو مصاب بعاهة جسيمة أو عقلية، هو الذي تستطيع الجماعة أن تعهد إليه بالشروع في عملية يمكن لجميع الناس، حينها، أن يقوموا بها بعده. ووحده الشخص البارز، أو الشريف بوجه الإجمال، هو الذي يمكنه أن يعلِّم بكل معنى الكلمة. بل إن أصل الكلمة الاشتقاقي ذاته مزدوج. فالشريف تعني في الأصل، الرجل الرفيع المقام، أي ذلك الشخص الذي يتجاوز الآخرين، عن طريق وجاهة خاصة تعترفُ له الجماعة، بفضلها، بتفوقه العملي عليها، إنه الرئيس إذن، الرأس. غير أننا نعلم بأن الشريف في المغرب –وفي بلدان إسلامية أخرى- هو ذاك الذي تحدّر عن بنت الرسول، عن طريق نسب أبوي مباشر، وبالتالي عن طريق ذَكَري.
من هنا ظاهرة الشرفاء، وهي خاصية مميزة للحياة الصوفية-الدينية والسياسية بالمغرب. ويبعث انتشار هذه الظاهرة بالمغرب على التساؤل. فمنذ مقدم العرب والسلام عرف المغرب، بالتعاقب، ست سلالات من الملوك: أولها (سلالة الأدارسة) والأخيرتان منها (السعدية والعلوية) تسمى شريفة، بمعنى أن شجرة نسبها تعود إلى النبي. والأشياء لا تقف عند هذا الحدّ. فكل الأولياء على وجه التقريب، يدّعون لأنفسهم هذا النسب المعتبَر، بل وكبار رؤساء [القبائل] أيضا! والمسألة المطروحة هي معرفة لماذا يُؤَهِّل النسب الذَكري إلى النبي للولاية ولتولي الرئاسة في لحظات تاريخية معينة، إلى حدِّ أن الولي أو الرئيس، الذي لا يعلن قط عن انتمائه إلى النسب الشريف قبل بلوغه درجة معينة من السلطة، يبذل [كثيرا] من الجهود، بمجرد الاعتراف به، كي يُثبت هذا النسب؟ ليس كل الأولياء والرؤساء شرفاء ولكن لا يمكن لكبارهم إلا أن يكونوا كذلك. [تلك طريقة] للاعتراف من جهة، بالايديولوجيا والميثولوجيا البطريركية [لتي تقول] بانتقال الفضائل بواسطة الدم، وعن طريق الذكور وحدهم (باستثناء الحلقة الأولى، مادام النبي لم يخلف مولودا ذكرا) و[الاعتراف]، من جهة أخرى، بأنه لا وجود لفضيلة أكبر من فضيلة النبي، الذي اختاره الله بفضلها، على وجه التحديد، لكي يكون رسوله على الأرض.
ومع رفضهم وجود اكليروس قانوني، لا يقبل المؤمنون بأقل من تراتبية صارمة منسجمة مع الدين ومع سلسلة المسارّة. ومن الله إلى آخر المصلين (الفقير) مرورا برسول الله، والغوث والقطب والولي والشيخ والعالم والفقيه الخ. نجد متتالية السلطات الصوفية والعملية للدين موزّعة ومصنّفة على نحو مضبوط دون أن يؤدي بها ذلك إلى التحجّر في مؤسسات مشكلنة. إن للإيمان خدّامه، لكن [هؤلاء الخدّام] لا يستطيعون الإفراط في المحاجّة بمراتبهم قصد فرض سلطة خصوصية لرأيهم. [ذلك] أن بإمكان غريب (OUT.SIDER) [ما] أن يظهر، دوما، على نحو مفاجئ وينازع مبدئيا، في التأويل.
2-المعتقدات العصرانية:
في المغرب، لا يتعارض العلم والدين باعتبارهما سجلَّين جامعيين مانعين للمعرفة. بل إن الدين، وعلى العكس من ذلك، يشجِّع التبحُّر في العلم، وتُستعمل نفس الكلمة (علم) لتسمية العلم الروحي، اللاهوت، وعلم العالَم الملموس. وهي شروط مساعدة على تفاعل إيديولوجي دائم، هو مصدر الإقرار بالشرعية النظرية لكل مجهود علميّ [يتوخّى] المعرفة. إن التبحّر العلمي لا يناهض الدين، وليس مطلوبا منه أن يُراكم الأدلة، ويستقر في السريّة أو يثير الفضائح. مادام لا يمس بالممارسات الاجتماعية وبمجال المدينة. وإن وضعية الأبواب المفتوحة هذه –على الأقل بالنسبة لعلم العالَم المادي- تضع رجل العلم وسط الفقهاء، ضمن مكانة معترف بها مسبقا.
وبما أن العلم الحديث، والتقنية –المستوردة بشكل واسع- على وجه الخصوص، لم يكونا مضطرين للنضال من أجل الحصول على المشروعية، فإنهما سرعان ما ظفرا بكل المجال الممكن. فما من نبذٍ أو تشكك يحرِّم على المسلمين استعمال مكتشفات التقنية، وذلك مثلما يمكننا ملاحظة مع الميكروفونات [الموضوعة] في المساجد، ومكبرات الصوت بأعالي المآذن للمناداة على المؤمنين، وتصوير الأماكن المقدسة الخ. الحدود الوحيدة هي تلك التي إذا انتُهكت أمكنها تغيير النظام الاجتماعي، وبصورة أكثر تحديدا، التي قد يُنظر إليها على أنها تملك هذا التأثير أو [ذاك] على المدى القصير. ونفس الشيء بالنسبة للتقويم: فحساب الأيام بالمغرب، بالنسبة للسنّة الإسلامية على الأقل، يتم اعتمادا على مراحل قمرية. ومن المفروغ منه أن المعرفة الفلكية بهذه الأخيرة تمكّن من معرفة لحظة ظهور الهلال في منطقة معينة. لكن التقليد يقول بهذه الأخيرة تمكّن من معرفة لحظة ظهور الهلال في منطقة معينة. لكن التقليد يقول بضرورة ثبوت رؤية الهلال من طرف اثني عشر شاهدا لكي يتم الإعلان عن بداية الشهر.
ينجم عن ذلك أننا لا نعرف، وإن قبيل ذلك ببضع ساعات، في أي وقت من الزمن الكوني سيأتي هذا اليوم [أو ذاك] من الشهر الإسلامي، أو هذا العيد.... وذلك لأن النظام الاجتماعي متشدِّد في تمسكه بالإعلان عما يملك كل هذه الأهمية بالنسبة للمجتمع: أي تدبير الزمن.
ويمكن للتقنية أن تقوم بكل شيء، وينظر إليها أحيانا على أنها قادرة على كل شيء قدرة لا حدَّ لها، ما عدا إذا أرادت ممارسة فعلها على المجتمع. وهي قضية أكثر من متناقضة، لا معقولة حتى وإن جرى التعبير عنها على هذا النحو، إلا أنها تأتي بقطيعة أساسية بين ما هو ممكن وما هو مقبول.
لقد أحيل العلم إلى صنم، بمعنى أنه لا مجال لمعرفة حدوده، وهو لا يملك حدودا، بالضبط لأن احترام الحدود متوقَّع في تطبيقها على الاجتماعي. ومهما دفع العلم بأفق معارفه بعيدا فإنه لا يقوم بغير تجلية وتأويل وتفسير ما هو مكتوب في القرآن أصلا. كل العلم منصوص عليه في القرآن وقد كان لنا أن نرى ذلك حين أدت تجارب الملاحة الفضائية إلى اكتشاف أن تأويلا للنص المقدّس كان يحتمل إبراز أن «بإمكان السماوات أن تكون مفتوحة» وأن الإنسان بإمكانه أن يصل إلى الرابعة [منها]، التي يرصعها القمر.
ذلك أنه إذا كان المجهود الدائم واللامحدود الذي يبذله الإنسان من أجل فهم كلمة الله هو بالضبط أكثر الأمور مشروعة ضمن ما ينبغي القيام به على هذه الأرض، فشتان ما بين الفهم والفعل.
إن المستقبل أبعد من أن يكون مشعا. وهو ليس انحطاطا مطَّردا، ولا فتحا دائما. ولا تعاقب لغير الوقائع والمواقف التي لا رأس لها ولا عقب، والتي تبلو الإنسان ومجتمعه. رؤية دائرية على نحو واسع، واتفاقية، تتخللها تقدمّات وأزمات وكوارث ونجاحات، لا يحصَّل عليها بشكل نهائي، ولا تُفقد كلية، وإذا كان ثمة من عصر ذهبي، فلعله، وعند الاقتضاء، هو زمن الإسلام الأول.
وإن فتوحات العلم والتقنية لمناسبة موافقة ينبغي الاستفادة منها طالما هي موجودة. فلا شيء مكتوب في السماء يضمن دوامها.
الرباط، 5أكتوبر/تشرين الأول 1980

موسوعة الأساطير والمعتقدات، ليديس، مارس/آذار 1981

نقل النص عن الفرنسية: مصطفى المسناوي
عن «المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع» (B.E.S.M)، العدد. 165-166، يناير/كانون الثاني 1986، (خاص بـ: بول باسكون) ص ص: 71-85.

سرعان ما ينفر الملاحظ الأقل انحيازا من سجن شعب بأكمله ضمن مقولة أحادية الشكل من المؤمنين أو المصلِّين. والقول بأن : «المغاربة برون أن...» هو اختزال لا يُحتمل ولا يمكن القبول به إلا [في سياق] المقارنة مع شعوب أخرى، أو أزمنة أخرى، وعلى حساب خطاطية مفرطة. فهل من المسموح لنا أن نقوم به هنا في وقت تتقدم فيه النخبة العلمية من كل البلدان نحو توحيد ثقافي كوني؟
هناك ما يقارب خمسين مؤلفا رصينا جدا كتبت حول هذه المسائل في المغرب من طرف أجانب، كما تمت ترجمة حوالي عشرين كتابا عربيا، وأكثر الكتب توفرا بالفرنسية هي كتب إدوارد ويسترمارك، «البقايا الوثنية في الحضارة المحمدية» بايو 1935، ادموند دوتي، «السحر والدين في إفريقيا الشمالية»، الجزائر 1909، وإيميل ديرمنغن «عبادة الأولياء في الإسلام المغاربي»، غاليمار، 1945، وهي كتب يمكن أن نضيف إليها (La doctoresse Legey)، «دراسة للفلكور المغربي»، غوتنر (Geuthner) باريس 1926.
انظر هنري باسي (H.Basset) ، «عبادة المغارات في المغرب» (Le culte des grottes au Maroc)، الجزائر، 1920.
لنلاحظ أن قنادل هي «قناديل»
أنظر هنري باسي، م.س، ص ص: 34-38، وليون الأفريقي، «وصف أفريقيا»، شيفر، باريس، 1897، ج 2، ص ص : 161-162.
الطُلبة هم شباب المراهقين الذين يكرسون أنفسهم لدراسة القرآن وقراءته وحفظه وتلقينه في المسايد القروية التقليدية. وباعتبارهم مباشرين مستقلين للشعوذة والممارسات السحرية، فإنهم لا ينفرون من دراسة مخطوطات الخيمياء القديمة وكتب الطلاسم ومربعات العرافة، وهم من المنعم عليهم بالمعارف الباطنية التي تتاخم السحر. ويوجد أغلب هؤلاء الطلبة المتحدّرين من عائلات معوزة أو ممن حرموا من الإرث، في مدارس سوس.
كانت العبرية القديمة والأرمينية تستعملان القيمة العددية للحروف، الأمر الذي نجده في اللاثينية مع الأرقام المسماة رزمانية، وفي العربية مع الأبجد والأيقص. أنظر جورج إفراح (G.Ifrah) التاريخ العالمي للأرقام، (Histoire universelle des chiffres)، المركز الوطني للبحث العلمي وسيغرس، باريس، 1981.
«تقويم ابن البناء المراكشي» (1256-1321 م)، ترجمة وتحقيق هـ.ب.ج. رينو (P.J.Renaud) لاروز، باريس 1948، أنظر كذلك «تقويم قرطبة» الذي نشره دوزي (Dozy)، بريل، ليدن، 1961.