الثلاثاء، 12 مايو 2015

منذ زمن داروين – تأملات في التاريخ الطبيعي pdf

مراجعة الكتاب : نواف السعيدي.
المصدر: موقع اكثر من حياة .




منذ زمن داروين – تأملات في التاريخ الطبيعي

ستيفن جوولد (ترجمة: د. ستار سعيد زويني)

مشروع كلمة للترجمة (2011م)

————————————

«أن لا أفهم تنتابني نكهة حزن، ولكن أشياء كثيرة لا تفهم في هذا الكون.

أن يتقصد عدم فهمي؛ فذلك يضع في طريق عشقي للناس حجر»

– مظفر النواب

هل تعرفون ذلك الشعور نحو كتاب معين بحيث لا تستطيعون الكتابة عنه لشدة إعجابكم به؟ هذا يلخص تماما علاقتي بكتاب جوولد «منذ زمن داروين» والذي يزيد الأمر صعوبة هو تنوع المواضيع التي يتناولها أستاذ علم الأحياء هذا، فهي تلامس الأحياء والفيزياء والجغرافيا وعلم الاجتماع، وهو بالمناسبة يقدم كل ذلك بأسلوب علمي رشيق، ما يجعل الأربعمائة واثنتين  وثلاثين صفحة مغامرة مدهشة نحو اكتشاف العالم.

يوحي تمهيد الكتاب بشيء من الإحباط، إذ بعد مرور أكثر من قرن على وفاة داروين، والذي شكلت أفكاره نواة نظرية التطور، لم يزل يساء فهمها حتى الآن على نطاق واسع، يقول: «… وهكذا، فإن نظرية داروين التي تبدو بسيطة لا تخلو من التعقيدات الخفية والمتطلبات الأخرى. ومع ذلك أعتقد أن حجر العثرة في قبولها لا يكمن في أي صعوبة علمية، بل في المحتوى الفلسفي الراديكالي لرسالة داروين، في تحديها لمجموعة من المواقف الغربية الراسخة التي لسنا مستعدين بعد للتخلي عنها» (ص19). وجوولد نفسه لديه ملاحظات على النظرية، لكنّ فكرته الأساسية تكمن في احتوائها والبناء عليها.





الباب الأول: داروينيات

يتناول جوولد فكرة التطور منذ داروين وهو يناقش الموضوع بداية من المصطلح فماذا يعني «البقاء للأصلح»؟ وإن كان الصلاح يتحدد بالقدرة على البقاء فهذا يعني أن «البقاء للأبقى» ثم إن كان ذلك صحيحا فكيف نفسر انقراض بعض الأنواع بسبب عيب في تركيبها يزداد بفعل التطور كانقراض الأيل الآيرلندي بسبب قرونه وانقراض النمر السيفي الأنياب بسبب ازدياد حجم أنيابه مع الوقت بحيث أصبحت تشكل عائقا عن ممارسة الحياة الطبيعية (كلاهما أمثلة مشهورة تم تناولها باستفاضة وتناولها الكاتب نفسه بالتفصيل في الفصل التاسع).

إن تناول الموضوع بهذا الشكل (كما أفهمه) فيه مغالطة حيث إنّ البقاء المقصود هو بقاء النوع وليس بقاء الفرد وإلا لمَ لم نصل إلى نقطة حيث تنجح كل الفرائس في أن لا تكون فرائس؟ إن هدف الطبيعة هو خلق التوازن، وكل ما يحدث من ظهور الأنواع وانقراضها هو محاولة لاستعادة التوازن. هذا يفسر وجود أنواع تعتمد على ما يسميه علماء أحياء التطور بـ«إشباع المفترس»[1] وهذا يعني التكاثر بأعداد كبيرة بحيث لا ينجح المفترس في القضاء إلا على نسبة من الأفراد.

الباب الثاني: تطور الإنسان

يسيء البعض فهم ما يعنيه التطور عندما يُفهم الأمر على أنه يظهر في الأفراد، والحقيقة أن التطور يحدث عادة عبر «نشوء النوع»، وهو انقطاع خط نسب واحد من السلالة الأبوية (السلف)، وليس بالتحول البطيء. كيف ينشئ النوع؟ هناك عدة مقولات بالطبع، ولكن الكاتب يتبنى نظرية «الافتراق المكاني» والذي يعني أن الأنواع الجديدة تظهر عند انفصال مجموعة صغيرة عن الجماعة الأولى ونشأتها في ظروف معزولة.

يتحدث الكاتب في الجزئية الأخيرة من هذا الباب عن طفولة الإنسان ولماذا يولد أطفال البشر قبل الأوان؟ السبب هو أدمغتنا الكبيرة، فالحجم الكبير للرأس يجعل الولادة تحدث عندما يكون حجم الدماغ هو ربع حجمه النهائي.

الباب الثالث: كائنات غريبة وأمثلة على التطور

سؤال آخر حول التطور يناقشه الكتاب يدور حول كيفية تطور بعض الأعضاء لتكون بالشكل والوظيفة التي هي عليها. يناقش السؤال عبر كائن مدهش هو المحار من جنس لامبسيليس فنتريكوسا. تحتاج يرقات هذا النوع من المحار إلى «مضيف» لفترة من حياتها ولأجل جذب سمكة تسمح باستضافة اليرقات في خياشيمها، طوّر المحار زائدة جرابية تتخذ شكل سمكة صغيرة بل وتحاكي حركتها. كيف نجحت هذه المحارة المدفونة بقاع الأنهار في تطوير شِرك بهذا الذكاء؟ باختصار فإن هذا العضو كان له وظيفة رئيسية في وقت ما بالإضافة لوظيفته الفرعية كجاذب، لكنه تطور بحيث تصبح الوظيفة الجديدة هي الرئيسية، وقد يكون حافظ على وظائفه القديمة خلال المرحلة الانتقالية.



الباب الرابع: أنماط ونقاط في تاريخ الحياة

يتحدث هذا الباب عن النقاط الفاصلة في تاريخ الحياة على الكوكب، ويسأل عن حقيقة انفجار الحياة في العصر الكامبري، فهل كانت نتيجة ظروف إستثنائية أم هي نتيجة تطور بطيء عبر إعادة استخدام مجموعة من التصاميم الأساسية.

الباب الخامس: نظريات الأرض

لا يتحدث هذا الباب عن تاريخ الأرض بقدر ما يتحدث عن كيفية مواجهة الحقائق الجديدة، والحقيقة التي يعنيها هنا هي نظرية الانجراف القاري أو زحزحة القارات، والتي تعني باختصار حركة القارات مبتعدة أو مقتربة من بعضها البعض.

الباب السادس: الحجم والشكل، من الكنائس إلى الأدمغة إلى النباتات

في رواية كافكا الشهيرة «المسخ» يصحو جريجور من النوم ليجد نفسه وقد تحول لحشرة. لماذا نعتقد أن هذه الفكرة ستبقى أبدا فكرة غير واقعية، أو لنطرح السؤال بشكل مختلف: لماذا لا نجد حشرة بحجم الإنسان؟ أو إنسانا بحجم حشرة؟ هذا الباب يقدم شرحا مثيرا لفكرة أن الكائنات الحية لابد أن تكون بالحجم الذي هي عليه للقيام بالوظائف التي تؤديها. يقول: «… الحشرات مثلا تتنفس عن طريق انبعاجات في السطح الخارجي… وبما أن هذه الانبعاجات يجب أن تكون أكثر عددا وملتوية في الأجسام الكبيرة، فإنها تفرض تحديدا على حجم الحشرة. وحتى لو كانت الحشرة بحجم الثدييات الصغيرة، فإنها تكون «انبعاجات بكاملها» وليس فيها أي مكان للأجزاء الداخلية» (ص260).



الباب السابع: العلم في المجتمع نظرة تاريخية

يشرح هذا الباب كيف ينظر إلى العلم، متحدثا عن وسائل معرفتنا المحدودة في اكتشافه، وعن الأخطاء القديمة التي كانت الباب لفتوحات علمية خالدة. وكيف يصف كل جيل من العلماء المعارف وفق «المعدات الفكرية» لذلك العصر.

الباب الثامن: علم الطبيعة البشرية وسياستها

خصص جوولد في كتابه مساحة لمناقشة القضية التي كرس جهوده لأجلها ألا وهي محاربة العنصرية واستخدام علم الأحياء لتبرير الظلم الاجتماعي، بوضع فوارق بين البشر على أساس اللون أو العرق، حيث يقول: «حقيقية التباين (يقصد التباين في لون الجلد) لا يتطلب تعيين الأعراق، إذ أن لدراسة الاختلافات بين البشر طرقا أفضل».

أخيرا…

لا أدعي أنني قدمت تلخيصا للكتاب، ولكني كنت أسلط الضوء على بعض القضايا التي شغلتني شخصيا لفترة طويلة، ولا غنى عن قراءة هذا المصدر الغني والممتع، وأختم القراءة بآخر سطر في الكتاب: «سوف تفرحني الأوجه المتعددة للطبيعة، وسأترك وهم اليقين للساسة والوعاظ» (ص405).

———

[1] للمزيد من التفاصيل، يرجى الرجوع إلى الفصل الحادي عشر، الصفحة 145.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق