الاثنين، 10 سبتمبر 2012

بحث حول القروض


تمهيد:

تعتبر القروض من أهم أوجه استثمار الموارد المالية للبنك، فهي تمثل الجانب الأكبر من الأصول، كما يمثل العائد المتولد عنها الجانب الأكبر من الإيرادات.
ونظرا للأهمية التي تحتلها القروض على مستوى نشاطات الأفراد والمؤسسات، أصبح من الضروري أن يولي المسئولون في البنك عناية خاصة بالقروض من خلال وضع سياسة ملائمة تضمن سلامتها.
       وعليه يكون من الملائم في هذا الفصل إلقاء الضوء على ماهية القروض، ثم التعرض إلى السياسات الرئيسية التي تحكم طلب الاقتراض في مراحل المختلفة وصولا إلى تحليل تلك الطلبات.

المبحث الأول: ماهية القروض

       بالرغم من تضارب الشروح حول المفاهيم الاقتصادية للقروض إلا أن الجميع يتفق في كونها مبلغ مالي مدفوع من طرف الجهاز المصرفي للأفراد والمؤسسات بهدف تمويل نشاط اقتصادي في فترة زمنية محددة، وذلك بمعدل فائدة مسبقا، وبتغيير آخر، فإن القروض المصرفية تعتبر عملية تحويل مؤقتة لرأس المال من زبون اقتصادي لآخر وذلك قصد استغلاله في نشاط إنتاجي أو استهلاكي، يسدد المبلغ مضافا إليه قيمة الفائدة التي تعتبر تعويضا للمقرض على حرمانه من رأسماله[1].

المطلب الأول: مفهوم القروض

يمكن القول أن القروض هي من أفعال الثقة بين الأفراد، ويتجسد القرض في ذلك الفعل الذي يقوم بواسطته شخص ما هو الدائن، والمتمثل في حالة القروض البنكية في البنك ذاته، يمنح أموال إلى شخص آخر هو المدين، أو يعد يمنحها أياما أو يلتزم بضمانه أمام الآخرين، وذلك مقابل ثمن أو تعويض هو الفائدة.
       ويتضمن القرض الذي يعطي لفترة هي أصلا محدودة في الزمن لوعد من طرف المدين بتسديد بعد اقتضاء فترة يتفق عليها مسبقا بين الطرفين، وهناك الكثير من الأمور هي التي تدفع البنك إلى القيام بهذا الفعل، فالقرض قبل كل شيء هو الغاية من وجوده كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
       ويقوم البنك أيضا بهذا الفعل نظرا للملائمة المالية للمدين أو الزبون، فالبنك عندما يقوم بإقراض شخص معين فهو يثق في أن هذا الشخص مستعد وقادر على القيام بعملية التسديد متى حل تاريخ الاستحقاق وهو ملزم بدفع ثمن اكتساب حق استخدام هذه الأموال وفق الشروط والصيغ المتفق عليها.
       ونستنتج مما سبق ذكره أن كل عملية قرض، حتى تكون كذلك يجب أن يتوفر فيها عنصرين على الأقل:
الأول: ويتمثل في عنصر الثقة فالدائن له ثقة في أن المدين سوف يقوم بالتسديد في الموعد المحدد، وبصفة عامة فهو قادر على الوفاء بكل الالتزامات التي تعهد بها.
الثاني: ويتمثل في ضرورة وجود فجوة زمنية ما بين منح الأموال وما بين استرجاعها وليس قرضا إن لم تكن هذه الفجوة الموجودة[2].

المطلب الثاني: مصادر القروض وخصائصه

I)- مصادر القرض: يتكون النظام المصرفي من مجموعة المؤسسات المالية، والنقدية وهي التي تقوم بعمليات التمويل، أي هي التي تقوم بدور الوساطة بين أصحاب الفائض المالي وأصحاب العجز المالي، وموارد هذه المؤسسات المالية والنقدية في منح القروض هي:
1- موارد البنوك: هناك ثلاثة أصناف من الموارد.
أ- النقود التي خلقتها والتي تغذى ودائعها.
ب- الادخار السائل أو قصير المدى الذي تجمعه البنوك.
ج- الموارد المقترضة للمدى الطويل ورأسمالها الخاص.
2- موارد صناديق القرض البلدي: تمول قروضها من قروض وهبات الجماعات المحلية.
3- موارد الشركات المالية: تأتي من أسواق رؤوس الأموال.
4- موارد المؤسسات المتخصصة: تأتي من أسواق رؤوس الأموال.
5- الموارد المالية للخزينة العامة: تجمع الخزينة العامة الموارد من كل نوع سيولة:
أ- موارد ادخار.
ب- موارد من عند المؤسسات المالية والخاصة من البنك المركزي الذي يتم حسابها فعندما تحصل هذه المؤسسات على هذه الموارد تقوم بتقديمها في شكل قروض إلى زبائنها[3].
II- خصائص القروض:
       من الخصائص البارزة التي يتميز بها القرض، كونه يقوم أساسا على الاختيار لا الالتزام بخلاف الضريبة التي تعتبر كمساهمة إجبارية في عمليات الاستثمار، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن القرض يؤثر فقط في درجة سيولة الوحدات الاقتصادية ولا أثر له على صافي مجموع الأصول، فهو من قبيل العمليات المتعلقة بحساب رأس المال، كما يختلف القرض على الاعتماد في كون هذا الأخير عقد بمقتضى يضع المصرف تحت تصرف العميل مبلغا معينا، يحسب منه ما يشاء أومرات متعددة.

المطلب الثالث: أنواع القروض

       عموما هناك نوعان من القروض
القروض الموجهة لتمويل نشاطات الاستغلال، والقروض الموجهة لتمويل نشاطات الاستثمار.
I)- القروض الموجهة لتمويل نشاطات الاستغلال:[4].
       هذه القروض قصيرة من حيث المدة الزمنية، هي في الغالب لا تتعدى الثمانية عشر شهرا، وتلجأ المؤسسة إلى هذا النوع من القروض إذا أرادت التغطية الآنية لاحتياجات خزينتها، أو إذا أرادت مواجهة عملية تجارية في زمن محدود.
       وتتبع البنوك عدة طرق لتمويل الأنشطة، وذلك حسب طبية النشاط ذاتها، أو حسب الوضعية المالية للمؤسسة أو الغاية من القرض.
       ويمكن بصفة إجمالية أن نصنف القروض إلى صنفين رئيسيين: القروض العامة، القروض الخاصة.
1- القروض العامة: سميت بالقروض العامة لكونها موجهة لتمويل الأصول المتداولة بصفة إجمالية وليست موجهة لتمويل أصل بعينه، وتسمى كذلك بالقروض عن طريق الصندوق، أو قروض الخزينة.
       وتلجأ المؤسسات عادة إلى مثل هذه القروض لمواجهة صعوبات مالية مؤقتة ويمكن إجمال هذه القروض في ما يلي:
أ- تسهيلات الصندوق: هي عبارة عن قروض معطاة لتخفيف صعوبات السيولة المؤقتة والقصيرة جدا التي يواجهها الزبون، والناجمة عن تأخر الإيرادات عن النفقات أو المدفوعات، فهي ترمي إلى تغطية الرصيد المدين إلى حين أقرب فرصة تتم فيها عملية التحصيل لصالح الزبون، حيث يقتطع مبلغ القرض ويتم اللجوء إلى مثل هذه القروض في فترات معينة كنهاية الشهر مثلا، حيث تكثر نفقات الزبون ولا يكفي ما عنده بالخزينة من سيولة لتغطية هذه النفقات، فيقوم البنك حينها بتقديم هذا النوع من القروض، ويتجسد ذلك في السماح للزبون بأن يكون حسابه مدينا، وذلك في حدود مبلغ معين ومدة زمنية لا تتجاوز عدة أيام من الشهر.
ب- الحساب المكشوف: هو عبارة عن قرض بنكي لفائدة الزبون الذي يسجل نقصا في الخزينة ناجم عن عدم كفاية رأس المال العامل، ويتجسد ماديا في إمكانية ترك حساب الزبون لكي يكون مدينا في حدود مبلغ معين، ولفترة أطول نسبيا تصل إلى سنة كاملة.
       وعلى الرغم من التشابه الموجود بين تسهيل الصندوق والسحب على المكشوف ترك حساب الزبون لكي يكون مدينا، فإن هناك اختلافات جوهرية بينهما تتمثل خاصة في مدة القرض، وطبيعة التبادل.
ج- القرض الموسمي: القروض الموسمية هي نوع خاص من القروض البنكية، وتنشأ عندما يقوم البنك بتمويل نشاط موسمي لأحد زبائنه، فالكثير من المؤسسات نشاطاتها غير منتظمة وغير ممتدة على دورة الاستغلال، بل أن دورة الإنتاج أو دورة البيع موسمية، فالمؤسسة تقوم بإجراء النفقات خلال فترة معينة يحصل أثناءها الإنتاج وتقوم ببيع هذا الإنتاج في فترة خاصة.
       والقروض التي يمنحها البنك للزبون لتمويل تكاليف المواد الأولية والمصاريف الأخرى المرتبطة بعملية الإنتاج تسمى القروض الموسمية، وهذا القرض يستعمل إذا لمواجهة حاجيات الخزينة الناجمة عن هذا النشاط الموسمي للزبون.
       ومما تجدر الإشارة إليه أن البنك لا يقوم بتمويل كل التكاليف الناجمة عن هذا النوع من النشاط، وإنما يقوم فقط بتمويل جزء من هذه التكاليف وبما أن النشاط الموسمي لا يمكن أن يتجاوز دورة استغلال واحدة فإن هذا النوع من القروض يمكن أن تمنح لمدة تمتد إلى غاية تسعة أشهر.
د- قرض الربط: هو عبارة عن قرض يمنح إلى الزبون لمواجهة الحاجة إلى السيولة المطلوبة لتمويل عملية مالية في الغالب، تحققها شبه مؤكد، ولكنه مؤجل فقط لأسباب خارجية.
       ويقرر البنك مثل هذا النوع من القروض عندما يكون هناك شبه تأكد من تحقق العملية محل التمويل.
2- القروض الخاصة: هذه القروض غير موجهة لتمويل الأصول المتداولة بصفة عامة، وإنما توجه لتمويل أصل معين من بين هذه الأصول، وتتضمن ثلاثة أنواع وهي:
أ- تسبيقات على البضائع: التسبيقات على البضائع هي عبارة عن قرض يقدم إلى الزبون لتمويل مخزون معين، والحصول مقابل ذلك على بضائع كضمان للمقرض، وينبغي على البنك أثناء هذه العملية التأكد من وجود البضاعة وطبيعتها ومواصفاتها ومبلغها إلى غير ذلك من الخصائص المرتبطة بها.
       وينبغي على البنك عند الإقدام على منح هذا النوع من القروض أن يتوقع هامشا ما بين مبلغ القرض المقدم وقيمة الضمان للتقليل أكثر من الأخطار.
       وقد أثبتت الوقائع أن هذا النوع من القروض يمنح خاصة لتمويل المواد الأساسية مثل القهوة وغيرها.
ب- تسبيقات على الصفقات العمومية: الصفقات العمومية هي عبارة عن اتفاقات للشراء أو تنفيذ أشغال لفائدة السلطات العمومية تقام بين هذه الأخيرة ممثلة في الإدارة المركزية أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري من جهة، والمقاولين أو الموردين من جهة أخرى.
ج- الخصم التجاري: هو شكل من أشكال القروض التي يمنحها البنك للزبون، وتتمثل عملية الخصم التجاري في قيام البنك بشراء الورقة التجارية من حاملها قبل تاريخ الاستحقاق ويحل محلها الشخص في الدائنية إلى غاية هذا التاريخ، فالبنك يقوم إذن بإعطاء سيولة لصاحب الورقة قبل أن يحين أجل تسديدها، وتعتبر عملية الخصم قرضا باعتبار أن البنك يعطي مالا إلى حاملها، وينتظر تاريخ الاستحقاق لتحصيل هذا الدين.
       ويستفيد البنك مقابل هذه العملية من ثمن، ويسمى سعر الخصم.
3- القرض بالالتزام: إن القرض بالالتزام أو بالتوقيع لا يتجسد في إعطاء أموال حقيقية من طرف البنك إلى الزبون، وإنما يتمثل في الضمان الذي يقدمه له لتمكينه من الحصول على أموال من جهة أخرى، أي أن البنك هنا لا يعطي نقودا، ولكن يعطي ثقته فقط ويكون مضطرا إلى إعطاء النقود إذا عجز الزبون على الوفاء بالتزاماته، وفي مثل هذا النوع من القروض يمكن أن نميز بين ثلاثة أشكال أساسية هي: الضمان الاحتياطي، الكفالة، القبول.
أ- الضمان الاحتياطي: وهو عبارة عن التزام يمنحه شخص يكون في العادة بنكا، يضمن بموجبه تنفيذ الالتزامات التي قبل بها أحد مديني الأوراق التجارية، وعليه فإن الضمان الاحتياطي هو عبارة عن تعهد لضمان القروض الناجمة على خصم الأوراق التجارية وقد يكون الضمان شرطيا عندما يحدد مانح الضمان شروطا معينة لتنفيذ الالتزام وقد يكون لا شرطيا إذا لم يحدد أي شرط لتنفيذ الالتزام.
ب- الكفالة: هي عبارة عن التزام مكتوب من طرف البنك يتعهد بموجبه بتسديد الدين الموجود على عاتق المدين في حالة عدم قدرته في الوفاء بالتزاماته وتحدد في هذا الالتزام مدة الكفالة ومبلغها، ويستفيد هذا الزبون من الكفالة في علاقته مع الجمارك وإدارة الضرائب، وفي حالة النشاطات الخاصة بالصفقات العمومية كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
ج- القبول: في هذا النوع من القروض يلتزم البنك بتسديد الدائن وليس زبونه ويمكن التمييز بين عدة أشكال لهذا النوع من القروض.
- القبول الممنوح لضمان ملائمة الزبون الأمر الذي يعفيه من تقديم ضمانات.
- القبول المقدم بهدف تعبئة الورقة التجارية.
- القبول الممنوح للزبون من اجل مساعدته على الحصول على مساعدة للخزينة والقبول المقدم في التجارة الخارجية.
II)- القروض الموجهة لتمويل نشاطات الاستثمار:
       يشمل هذا النوع كلا من القروض متوسطة الأجل والقروض طويلة الأجل وتستعمل لتمويل الجزء العلوي من الميزانية، أي الأصول الثابتة ووسائل العمل داخل المؤسسة.
1- عمليات القرض الكلاسيكي لتمويل الاستثمارات:[5]
       يتم في هذا الصدد التمييز بين نوعين من الطرق الكلاسيكية في التمويل الخارجي للاستثمارات.
القروض متوسطة الأجل والقروض طويلة الأجل، ويربط كل نوع من هذه القروض بطبيعة الاستثمار ذاته.
أ- القروض متوسطة الأجل: توجه هذه القروض لتمويل الاستثمارات التي لا يتجاوز عمر استعمالها سبع سنوات، مثل الآلات والمعدات ووسائل النقل وتجهيزات الإنتاج بصفة عامة، ونظرا لطول هذه المدة فإن البنك معرضا لخطر تجميد الأموال ناهيك عن الأخطار الأخرى المتعلقة باحتمالات عدم السداد والتي يمكن أن تحدث تبعا للتغيرات التي يمكن أن تطرأ على مستوى المركز المالي للمقرض.
       ويمكن في الواقع التمييز بين نوعين من القروض متوسطة الأجل، يتعلق الأمر بالقروض القابلة للتعبئة لدى مؤسسة مالية أخرى أو لدى معهد الإصدار، والقروض غير قابلة للتعبئة.
أولا: القروض القابلة للتعبئة: ونعني أن البنك المقرض بإمكانه إعادة خصم هذه القروض لدى مؤسسة مالية أخرى او لدى البنك المركزي، ويسمح له ذلك بالحصول على السيولة في حالة الحاجة إليها دون انتظار اجل استحقاق القرض الذي منحه ويسمح له ذلك بالتقليل من خطر تجميد الأموال، ويحينه إلى حد الوقوع في أزمة نقص السيولة.
ثانيا: القروض غير القابلة للتعبئة: وتعني أن البنك لا يتوفر على إمكانية إعادة خصم هذه القروض لدى مؤسسة مالية أخرى أو لدى البنك المركزي وبالتالي فإنه يكون مجبرا على انتظار سداد المقترض لهذا القرض، وهنا تظهر كل المخاطر المرتبطة بتجميد الأموال بشكل أكبر وليس للبنك أي طريقة لتفاديها.
       إن ظهور مخاطر أزمة السيولة قائمة بشكل شديد ولذلك على البنك في هذه الحالة من القروض أن يحسن دراسة القروض وأن يحسن برمجتها زمنيا بالشكل الذي لا يهدد صحة خزينته.
ب- القروض طويلة الأجل: تلجأ المؤسسات التي تقوم باستثمارات طويلة إلى البنوك لتمويل هذه العمليات نظرا للمبالغ الكبيرة التي لا يمكن أن تعبئها لوحدها، وكذلك نظرا لمدة الاستثمار وفترات الانتظار الطويلة قبل البدء في الحصول على عوائد.
       والقروض طويلة الأجل الموجهة لهذا النوع من الاستثمارات تفوق في الغالب سبع سنوات ويمكن أن تمتد أحيانا إلى غاية عشرين سنة، وهي توجه لتمويل نوع خاص من الاستثمارات مثل الحصول على عقارات كالأراضي والمباني بمختلف استعمالاتها المهنية.
       ونظرا لطبيعة هذه القروض تقوم بها مؤسسات متخصصة لاعتمادها في تعبئة الأموال اللازمة لذلك على مصادر ادخارية طويلة لا تقوى البنوك التجارية عادة على جمعها.
       إن طبيعة هذه القروض تجعلها تنطوي على مخاطر عالية الأمر الذي يدفع المؤسسات المتخصصة في مثل هذا النوع من التمويل إلى البحث عن الوسائل الكفيلة لتخفيف درجة هذه المخاطر، ومن بين الخيارات المتاحة لها في هذا المجال، تشترك عدة مؤسسات في تمويل واحد أو تقوم بطلب ضمانات حقيقية ذات قيمة عالية قبل الشروع في عملية التمويل.
       ورغم كل هذه المصاعب تبقى صيغ التمويل الكلاسيكي من بين الطرق المستعملة بشكل شائع في تمويل الاستثمارات، ولكن ذلك لم يمنع النظام البنكي من تطوير وسائل التمويل بشكل يسمح له بتجاوز عوائق ومصاعب هذه الأنواع من القروض وتدخل طرق الائتمان الإيجاري في هذا التطور العام لفكرة التمويل.
2- القرض الإيجاري:
       لا شك أن طرق التمويل الكلاسيكي للاستثمارات تشكل عبئا على المؤسسات المستثمرة خاصة فيما يتعلق بالعبء المالي وطريقة تحمله ولذلك ظهرت الحاجة إلى البحث عن طرق أخرى لتمويل الاستثمارات يكون من خصائصها تجنب عراقيل طرق التمويل الكلاسيكية.
       ويعتبر القرض الايجاري فكرة حديثة للتجديد في طرق التمويل، وإن كانت هذه الطريقة لا تزال تحتفظ بفكرة القرض، فإنها قد أدخلت تبدلا جوهريا في طبيعة العلاقة التمويلية بين المؤسسة المقترضة والمؤسسة المقرضة.
       ورغم حداثة هذه الطريقة فإنها تسجل توسعا سريعا في الاستعمال لإقدام المستثمرين عليها بالنظر إلى المزايا العديدة التي تقدمها له.
أ- تعريف القرض الإيجاري:[6]
       هو عبارة عن عملية يقوم بموجبها بنكا أو مؤسسة مالية أو شركة تأجير مؤهلة قانونا لذلك بوضع آلات أو معدات أو أية أصول مادية أخرى بحوزة مؤسسة مستعملة على سبيل الإيجار مع إمكانية التنازل عنها في نهاية الفترة المتعاقد عليها، ويتم التسديد على أقساط يتفق بشأنها تسمى ثمن الإيجار.
ب- خصائص القرض الإيجاري:
       يمكننا من خلال هذا التعريف استنتاج الخصائص الأساسية للقرض الإيجاري:
أولا: إن المؤسسة المستفيدة من هذا النوع من التمويل والتي تسم المؤسسة المستأجرة غير مطالبة باتفاق المبلغ الكلي للاستثمار مرة واحدة، وإنما تقوم بالدفع على أقساط تسمى ثمن الإيجار، وتتضمن هذه الأقساط جزء من ثمن شراء الأصل مضافا إليه الفوائد التي تعود للمؤسسة المؤجرة ومصاريف الاستغلال المرتبطة بالأصل المتعاقد حوله.
ثانيا: إن ملكية الأصل أو الاستثمار أثناء فترة العقد تعود إلى المؤسسة المؤجرة وليس للمؤسسة المستأجرة، وتستفيد هذه الأخيرة من حق الاستعمال فقط وتبعا لذلك تكون مساهمة المؤسسة المؤجرة قانونية ومالية، بينما تكون مساهمة المؤسسة إدارية واقتصادية[7].
ثالثا: في نهاية العقد تتاح للمؤسسة المستأجرة ثلاث خيارات إما أن تطلب تجديد عقد الإيجار وفق شروط يتفق بشأنها مجددا وتستفيد بالتالي لفترة أخرى من حق استعمال هذا الأصل دون أن تكسب ملكيته.
       وإنما أن تشتري نهائيا هذا الأصل بالقيمة المتبقية المنصوص عليها في العقد وفي هذه الحالة تنقل الملكية القانونية للأصل للمؤسسة المستأجرة إضافة إلى حق الاستعمال وهذا هو الخيار الأخير أن تمتنع عن تجديد العقد وتمتنع أيضا عن شراء الأصل وتنهي بذلك العلاقة القائمة بينهما وتقوم بإرجاع الأصل إلى المؤسسة المؤجرة.
رابعا: تقيم عملية القرض الإيجاري علاقة بين ثلاثة أطراف هي المؤسسة المؤجرة والمؤسسة المستأجرة باختيار الأصل الذي ترغب فيه لدى المؤسسة الموردة، وتقوم المؤسسة المؤجرة بإجراءات شراء هذا الأصل من المؤسسة الموردة ودفه ثمنه بالكامل، ثم تقديمه إلى المؤسسة المستأجرة على سبيل الإيجار طبعا.
ج- مزايا وعيوب القرض الإيجاري:
أولا: المزايا: يوفر القرض الإيجاري مجموعة من المزايا أهمها:
- مقدرة المستأجر على سداد إيجار الأصول دون التركيز على حجم أصوله ومقدار رأسمال وحجم نشاطه.
- احتفاظ الشركة الممولة بملكية الأصل موضوع الإيجار بجعلها تستغني عن كثير من التي تتطلب في حالة التمويل النقدي التقليدي.
- تقدم مؤسسة الإيجار للمستأجر ما يقارب 100% من التمويل المطلوب في حين أن التمويل التقليدي في أحسن الظروف لا يمثل سوى 70% من حجم الاستثمار.
- يعتبر التمويل بواسطة الإيجار الطريقة المثلى لتمويل المؤسسات الطويلة والمتوسطة التي حرمها صغر حجمها من الاستفادة من التمويل التقليدي لافتقارها للضمانات اللازمة بالرغم من مردوديتها العالية وكفاءة رأسمال المرتفعة.[8]  
ثانيا: العيوب: رغم كل الإيجابيات التي تم ذكرها، إلا أنه لا يكاد يخلوا من بعض العيوب أبرزها هو ارتفاع تكلفته حيث أن قسط الإيجار إضافة إلى اهتلاك الأصل، المصاريف العامة التي تتحملها المؤسسة المؤجرة ومكافآت عن رأسمال المؤجر وهامش من الربح، إذ أن شركة الإيجار تهدف إلى الحصول على معدل يتراوح بين 13% إلى 18% كمعدل متوسط الفائدة.

المطلب الرابع: أهداف العملية الإقراضية:[9]

       إن إقبال المؤسسة على البنوك عامل حضاري من عوامل التنمية، فعوض إقفال الدفاتر التجارية للمؤسسة وتسريح عمالها وإعلان إفلاسها لما لا تلجأ هذه المؤسسة إلى الإقراض للقضاء على الأزمة كيفما كان مصدرها ومن ثمة يمكن تقييم أهداف العملية الإقراضية إلى:
I )- أهداف اقتصادية:
1- تغطية العجز المالي للمؤسسة.
2- تزويد السوق الوطنية بالمنتجات عوض الإقصاء.
3- تحقيق معدل معين من الربح.
4- التصنع بعناية المصرف للمقرض أثناء متابعة القرض تقنيا (الاستفادة من استثمارات البنوك).
II )-
أهداف اجتماعية:
1- القضاء على البطالة.
2- رفع مستوى العمال اجتماعيا ومعاشيا ودمجهم في الحياة الاجتماعية.
3- العناية بالمجتمع وتلبية حاجياته الحياتية ثقافيا وسياسيا.

المبحث الثاني: السياسات الأساسية للإقراض

       إن ضخامة حجم الاستثمار في القروض، وصعوبة التخلص منها قبل تاريخ الاستحقاق، والاتجاه نحو تقديم قروض طويلة الأجل تظل أموال البنك مفرقة فيها حتى يحل أجلها يقتضي ضرورة وضع سياسات مكتوبة للإقراض تضمن سلامة الأموال المستثمرة، كما تضمن تحقيق عائد يتلاءم مع المخاطر التي ينطوي عليها قرار الإقراض.
       وعادة ما تتعلق السياسات الرئيسية للإقراض بمسائل هامة مثل حجم الأموال المتاحة للإقراض، والتشكيلة التي تتكون منها محفظة القروض والمستويات التي من سلطتها اتخاذ القرار وشروط التعاقد ومتابعة القروض والملفات التي تتضمن مستندات وبيانات كل قرض وفي ما يلي نتناول السياسات المتعلقة بكل من هذه المسائل.

المطلب الأول: حجم الأموال المتاحة للإقراض.

       عادة ما تنص سياسات الإقراض على أن لا تزيد القيمة الكلية للقروض عن نسبة معينة من الموارد المتاحة التي تتمثل أساسا في الودائع والقروض ورأسمال وهي بهذا الشكل تعد سياسة مرنة يرتفع وينخفض في ظلها حجم الاستثمار في القروض وفقا لارتفاع أو الانخفاض في حجم تلك الموارد وتتوقف النسبة المقررة على الاستقرار الذي تتصف به ودائع البنك، على أن يلاحظ في هذا الصدد أنه على الرغم من تصنيف الودائع الجارية على أنها ودائع تحت الطلب إذ يمكن سحبها في أي وقت فإن هناك جزء كبير من هذه الودائع يتصف بقدر كبير من الثبات والاستقرار شأنه في ذلك شأن الودائع لأجل وودائع التوفير، ومن المتوقع أن يسترشد القائمين على التنفيذ بالنسبة المقررة للإقراض، ففي فترات الرواج ينبغي عليهم تحقيق تلك النسبة دون حدوث تجاوز يكون من شأنه أن يضعف مركز البنك من حيث السيولة، وفي فترات الكساد يتوقع انخفاض النسبة الفعلية للإقراض عن النسبة المقررة وذلك في حدود ما هو سائد بين تلك البنوك المنافسة المماثلة من حيث الحجم.[10]

المطلب الثاني: تشكيلة القروض

       يترتب على تنويع الاستثمار تخفيض في المخاطر دون أن يترك ذلك أثرا عكسيا على العائد، وفي هذا الصدد توجد العديد من الاستراتيجيات التنويع، فعلى سبيل المثال هناك التنويع وفق تاريخ الاستحقاق حيث توجد القروض طويلة الأجل ومتوسطة وقصيرة الأجل والتنويع على أساس الموقع الجغرافي للنشاط الذي يوجه إليه القرض والتنويع وفق قطاعات النشاط حيث توجد القروض التي توجه إلى القطاع الزراعي والصناعي وقطاع الخدمات، وأخيرا هناك التنويع على أساس طبيعة نشاط العميل داخل كل قطاع. 
       ومن المتوقع أن تحدد سياسة الإقراض المدى الذي سيذهب إليه البنك لتنويع استثماراته، إذ قد تحرم السياسة في توجيه أموال البنك إلى أنشطة أو عملاء معينين، أو قد تكتفي بوضع حد أقصى لحجم القروض التي يمكن أن يحصلون عليها ومن ناحية أخرى قد تعطي السياسة أولوية للقروض الموجهة لمجالات معينة من النشاط.

المطلب الثالث: مستويات اتخاذ القرار[11]

       ينبغي أن تحدد سياسات الإقراض المستويات الإدارية التي يقع على عاتقها البحث في طلبات الاقتراض، وبما يضمن عدم ضياع وقت الإدارة العليا في بحث قروض روتينية، وبما يضمن سرعة اتخاذ القرارات خاصة عندما تكون حاجة العميل إلى الأموال العاجلة، وحتى يتحقق ذلك عادة ما تنص سياسة الإقراض على حد أقصى للقرض الذي يقدمه كل مستوى إداري.
       وفي جميع الأحوال ينبغي أن يحصل مدير إدارة الإقراض ولجنة الإقراض المختصة على تقرير دوري يوضح حالة القروض التي تم البحث فيها على كافة المستويات، وذلك كنوع من المتابعة.
       هذا وقد تنص سياسات الإقراض على معاملة القروض التي يتقدم بها كبار المساهمين وكبار المودعين معاملة خاصة، وذلك بأن تحول تلك الطلبات إلى مدير إدارة الإقراض أو إلى لجنة مختصة، بصرف النظر عن قيمة القرض المطلوب.

المطلب الرابع: شروط الإقراض ومتابعتها

       ينبغي أن تنص سياسات الإقراض على حد أقصى لقيمة القرض الذي يمكن أن يقدمه البنك، وعلى ما إذا كان من الممكن إتباع سياسة المشاركة في القروض خاصة في الحالات التي تفوق فيه قيمة القرض الحد الأقصى المنصوص عليه، والذي عادة ما يتمثل في نسبة مئوية معينة من رأسمال البنك بما في ذلك الاحتياطي المتجمع، كذلك ينبغي أن تنص السياسة على حد أقصى لتاريخ استحقاق القروض التي يقدمها البنك وما إذا كان من الممكن إتباع استراتيجية تعويم معدل الفائدة أم الالتزام بمعدل فائدة ثابتة طوال فترة القرض وعادة ما تنص السياسة كذلك على الظروف التي ينبغي فيها مطالبة العميل بتقديم رهونات لضمان القرض، وأنواع الأصول التي يمكن قبولها، ونسبة القرض إلى قيمة الأصل المرهون والتي تتفاوت بتفاوت طبيعة الأصل ومدة تعرض قيمته السوقية بالتقلب، والإجراءات التي ينبغي اتخاذها إذا ما انخفضت القيمة السوقية للأصل المرهون.
       كما يتوقع أن تنص سياسة الإقراض على بدائل أخرى لضمان مستحقات البنك، ومن الأمثلة على تلك البدائل تقديم طرف ثالث كضمان للعميل، والنص في عقد الإقراض على حق البنك في استرداد قيمة القرض فور إخلال العميل بأي من شروط التعاقد.  
متابعة القروض:
       وكذلك قد تنص سياسات الإقراض على ضرورة متابعة القروض التي تم تقديمها الاكتشاف أي صعوبات محتملة في السداد باتخاذ الإجراءات الملائمة في الوقت المناسب.
       وقد تتمثل المشكلات في انخفاض القيمة السوقية للأصول المرهونة، أو عدم قدرة العميل على سداد مستحقات البنك في المواعيد المحددة أو على الإطلاق، وهذا وقد تنص السياسة على حد أقصى للتأخير الذي ينبغي أن تتخذ بعده إجراءات معينة بما يضمن تحصيل مستحقات البنك أو الجانب الأكبر منها.  
المطلب الخامس: ملفات القرض
       قد تنص سياسات الإقراض على تخصيص ملف لكل قرض يتضمن طلب الاقتراض والقوائم المالية عن السنة الحالية وعن سنوات سابقة، وأي تقرير حصل عليه البنك من الغير بشان العميل، وينبغي أن يتضمن الملف كذلك سجل تاريخي عن مدى التزام العميل بالاتفاق مع البنك والأرباح التي حققها البنك من القروض التي سبق للعميل الحصول عليها، وملخص دوري عن موقف العميل في علاقته مع البنك[12].

المبحث الثالث: تحليل طلبات الإقراض

       من الخطأ أن ينتظر البنك حتى يدق المقترضون على أبوابه بل من الأجدر الاتصال بالعملاء الحاليين والمحتملين إما شخصيا ومن خلال إعلانات على عناوينهم لإحاطتهم بأنواع القروض المتاحة التي يمكنهم التفاوض مع البنك للحصول عليه، وتساهم هذه المبادرة في زيادة احتمال حصول البنك على طلبات اقتراض من عملاء معروفين كما قد تؤدي إلى زيادة تمسك العملاء الحاليين بالبنك وإغراء العملاء المحتملين بالتعامل معه والاحتفاظ بجزء من ودائعهم لديه، وإذا ما أبدى بعض المقترضين المحتملين رغبتهم في الحصول على قروض فإن هذا لا يعني استجابة فورية من البنك، إذ ينبغي الحصول على بيانات ومعلومات كافية عن الغرض من القرض، وعلى العميل ذاته على أن يتم تحليل هذه البيانات وتلك المعلومات لاستخدامها كأساس للتفاوض.

المطلب الأول: الغرض من القرض

       يتمثل الجانب الأكبر من طلبات الإقراض في قروض قصيرة الأجل وتستخدم في تمويل رأسمال العامل الذي يتمثل أساسا في المخزون السلعي والذمم النقدية، وترجع الحاجة إلى قروض قصيرة الأجل إلى أحد الأسباب التالية أو جلها:
- ارتفاع معدل نمو النشاط.
- ارتفاع الاحتياجات الموسمية.
- مواجهة الخسائر التي تتعرض لها المؤسسة.
- إجراء توزيعات تفوق الموارد المالية المتاحة.
- الفشل في الحصول على مصادر تمويل طويلة الأجل لتمويل الأصول الثابتة.
       ومن المتوقع أن تختلف معاملات طلبات الاقتراض باختلاف الهدف من القرض فقد يرحب البنك بتقديم القروض للغرضين الأوليين بينما قد يتردد في تقديمها للأغراض الثلاثة الأخرى، إذ قد يحتاج قرار الإقراض إلى معلومات إضافية عن العميل وعن النشاط الذي سيوجه إليه القرض وكذا عن مدى قدرة العميل على سداد القرض والفوائد في تاريخ الاستحقاق.
       ولا يقتصر البنك على تقديم القروض قصيرة الأجل بل قد تتجه أيضا لتقديم القروض طويلة الأجل خاصة لمؤسسات الأعمال، وهناك دوافع كثيرة لسعي المؤسسات للحصول على قرض طويل الأجل من بينها العمل على تحقيق توازن في الهيكل المالي أي التوازن بين حجم الأموال المملوكة وحجم الأموال المقترضة وصعوبة الحصول على أموال من مصادر أخرى طويلة الأجل كإصدار أسهم أو سندات أو احتجاز الأرباح.
       وفي كلتا الحالتين ينبغي التأكد من أن القوة الإرادية للمؤسسة تكفي لسداد أصل القرض والفوائد، فالمؤسسة التي تفشل في سداد القروض طويلة الأجل من الأرباح وعادة ما ينتهي الأمر بها إلى الإفلاس.
       وعلى العموم فإن البنك قد لا يتردد كثيرا في تقديم القروض التي تستهدف خلق التوازن في الهيكل المالي، بينما قد يتردد في تقديم القروض إلى العميل الذي يجد صعوبة في الحصول على ما يحتاجه من مصادر أخرى بديلة.[13]

المطلب الثاني: الحصول على معلومات عن مقدم الطلب

       عادة ما تقتضي سياسة الإقراض قيام المقترض المحتمل بتقديم طلب للإقراض يتضمن قيمة القرض والسبب الذي يقوده إلى الاقتراض والقروض التي سبق له الحصول عليها وأسماء البنوك التي سبق له الاقتراض منها.
       بالإضافة إلى تلك المعلومات يشير "جاكور" إلى ضرورة حصول البنك على معلومات عن ثلاث سمات أساسية عن العميل وهي: قدرته على السداد، شخصية وحجم رأسماله، ويضيف "ويبستون" و "برينجهام" الرهونات التي يمكن أن يقدمها العميل والظروف الاقتصادية المحيطة.
I )- قدرة العميل:
       يقصد بقدرة العمل مدى إمكانية قيامه بسداد ما عليه من مستحقات في المواعيد المحددة، ومن بين المؤشرات المفيدة في هذا الصدد تلك التي تتعلق بتاريخ العميل في النشاط الذي يمارسه وكفاءة المديرين وسمعتهم وأساليب وطرق ممارسة أوجه النشاط المختلفة ومدى انتظام العميل في سداد القروض التي سبق أن حصل عليها، وقد توجد في سجلات البنك معلومات مفيدة في هذا الشأن كما يمكن الحصول على تلك المعلومات من بنوك أخرى، وإلى جانب هذه المؤشرات التي تعتمد على الحكم الشخصي هناك مؤشرات أخرى موضوعية كربحية النشاط لعدد من السنوات ومتوسط رصيد النقدية وحجم الأصول التي يمكن للمنشأة تحويلها إلى نقدية بسهولة ودون خسائر كبيرة وتعتبر القوائم المالية الممثلة في قائمة الدخل والميزانية العمومية مصدرا أساسيا لتلك المعلومات.
II)- شخصية العميل:
       يقصد بشخصية العميل في هذا الصدد السمات التي تكشف عن رغبته في سداد ما عليه من مستحقات في المواعيد المحددة.[14]
       ويعتبر العنصر الأول والأكثر تأثيرا في المخاطر التي تتعرض لها المصارف التجارية وللشخصية التي تتمتع بها من قدم هذا القرض أو الائتمان، عدة تحديدات رغم أنها تدور حول خصائص الفرد الأخلاقية والقيمة التي تؤثر على مدى التزامه بتعهداته أمام المصرف فالأمانة والثقة والمثل والمصداقية وبعض الخصائص الشخصية الأخرى تشير كلها إلى حجم شعور الفرد بالمسؤولية وبالتالي حجم التزامه بسداد ديونه لذلك تسمى المخاطر الخاصة بهذا العنصر لدى البعض بالمخاطر المعنوية أو الأدبية.  
       وعادة لا تتم التفرقة بين شخصية المقترض فيما إذا كان شخصا حقيقيا أو معنويا وخاصة بالنسبة للمنشآت الصغيرة حيث تعتمد مواصفات إدارتها، أما بالنسبة للمنشآت الكبيرة فإن مواصفاتها تتعدى إدارتها إلى العمليات التي تقوم بها والسياسات التي تعتمدها وسجلات التي تحتفظ بها لأدائها.
       وعادة ما يتم تحديد الشخصية من خلال تجارب المقترض مع المصرف وثقة المصرف بذلك وما يمكن تأكيده في تجسيد أهمية هذا العنصر في المخاطر التي تتعرض لها المصارف من أن المصارف أخذت تركز على حالة الإفلاس التي يعلنها بعض المقترضين والتي ازدادت في السنوات الأخيرة في العالم حتى أخذ بعضهم يخطط لها للتخلص من ديونه فهناك فرق في المخاطرة بين مقترض يحاول تجميع أمواله وتسديد بعض التزاماته رغم إعلان إفلاسه وبين من يعلن إفلاسه للتخلص من الديون المستحقة عليه.
III)- رأس المال:
       من العناصر الأساسية لتحديد درجة مخاطرة المصارف التجارية عند تقديمها للقروض هم ما يمتلكه المقترض من ثروة أو ما يملكه من أسهم وأملاك وقروض طويلة الأجل قد يمنحها للغير، ويقصد برأس المال جميع الموجودات المنقولة وغير المنقولة التي يمتلكها المقترض مطروحا منه المطلوبات التي بذمته، ولهذا يسمى هذا الجزء من المخاطر بمخاطر الملكية.
       وعادة ما تتأثر قدرة المقترض في سداد قرضه على قيمة رأس المال الذي يملكه، وكلما زاد رأس المال كلما انخفضت مخاطرة المصرف والعكس صحيح إذ أن رأس المال يمثل قوة المقترض المالية وأيضا هو الضمان الإضافي في حالة المقترض في التسديد.
IV)- الضمان:
       ويقصد بالضمان مقدار ما يملكه المقترض من موجودات منقولة وغير منقولة والتي يرهنها لتوثيق القرض المصرفي، أو شخص ضامن ذو كفاءة مالية وسمعة أدبية مؤهلة لكي يعتمد عليه المصرف التجاري في ضمان تسديد القرض الممنوح للمقرض، إذ لا يشترط امتلاك المقترض لذلك الضمان بل يمكن أن يكون الضمان مملوكا لشخص آخر واثق على أن يكون ضمان للقرض ولذلك تنوعت الضمانات حتى قسمت القروض بحسب ضماناتها فهناك القروض لضمان بضائع أو لضمان أوراق مالية.
       وهناك قروض لضمان أقطان أو محاصيل زراعية أو لضمان رهن عقاري أو بضمان شخص أو بدون ضمان.[15]
V)- الظروف الاقتصادية:
       على الرغم من أن الكثير من المهتمين يشير إلى أن الظروف يقصد بها الظروف الاقتصادية إلا أن الكثير منهم يناقش هذا العنصر فيتوسع فيه ليشمل الظروف البيئية المحيطة بالمقترض وإلا لهذا يشير البعض صراحة إلى أن الظروف تعني البيئة التي يعمل بها الفرد أو المؤسسة والتغيرات في حالة المنافسة وتكنولوجيا الطلب على السلعة وظروف التوزيع.
       خصوصا فإن الظروف الاقتصادية تؤثر على مدى قدرة طالب القرض على السداد لالتزاماته والتي قد تكون غير مواتية ولا يسأل عنها في هذه الحالة، فقد تتوافر الصفقات الأربعة السابقة في طالب القروض، ولكن الظروف الاقتصادية المتوقعة تجعل من غير المنطق التوسع في منح الائتمان، لذلك يجب على إدارة الائتمان التنبؤ المسبق بهذه الظروف خاصة إذا كان القرض طويل الأجل.[16]

المطلب الثالث: تحليل البيانات المتاحة              

       ينبغي تحليل البيانات المتاحة عن القرض وعن العميل حتى يتسنى اتخاذ القرار السليم بشأن طلب الاقتراض.
I- قانونية القرض:
       تقتضي تشريعات بعض الدول بعدم تقديم قروض لمفتشي البنك المركزي المختصون بفحص حسابات وسجلات البنك التجاري صاحب الشأن، كما قد تضع التشريعات حدا أقصى للقروض التي يمكن أن تقدم للعاملين في البنك والقروض التي توجه إلى شراء العقارات المبينة حيث يتمثل الحد الأقصى لقيمة القرض في نسبة مئوية من قيمة العقار.
       هذا إلى جانب القيود التشريعية التي تمنح للبنك من تقديم قروض تزيد قيمتها عن نسبة مئوية معينة من قيمة رأسماله بما في ذلك الاحتياطات.
II- تحديد نوع وطبيعة المخاطر:
       يعمل المسئولون على تقدير حجم وطبيعة المخاطر المحيطة بالقرض، وهذه الخطوة تعد ضرورية للغاية، إذ قد يكون قرار إقراض العميل محفوفا بالمخاطر الأمر الذي يقتضي رفض الطلب من البداية توفيرا لوقت الطرفين، ويمكن تقييم المخاطر التي تتعرض لها القروض إلى مخاطر خاصة وأخرى عامة.
1- المخاطر الخاصة:
       هذه المخاطر ترجع إلى ظروف تتعلق بنشاط العميل بالبضاعة التي ينتمي إليها مثل ضعف الإدارة أو عدم أمانتها، والمشكلات العمالية، والدورات التجارية التي تتعرض لها المنتجات وظهور السلع البديلة وما شابه ذلك.
       وقد يترك هذا النوع من المخاطر أثرا غير مرغوبا على قدرة العميل، بل وعلى رغبته في سداد ما عليه من التزامات، وعليه فإن البنك يقوم بتحليل ما لديه من معلومات لتفادي مثل هذه المخاطر.
2- المخاطر العامة:
       ويقصد بها المخاطر التي تتعرض لها كافة القروض بصرف النظر عن طبيعة وظروف المؤسسة، مثل مخاطر تغيير أسعار الفائدة، ومخاطر التضخم، ومخاطر الدورات التجارية التي تصيب الاقتصاد القومي ككل، ومخاطر السوق.
       فبالنسبة لمخاطر أسعار الفائدة فيقصد بها احتمال تقلب أسعار الفائدة مستقبلا، حيث أن ارتفاع هذه الأسعار أو انخفاضها يؤثر على العائد المنتظر من استثمار أموال البنك على شكل قروض، أما مخاطر التضخم أو مخاطر القوة الشرائية فتتعرض لها القروض عند تعرض البلاد إلى موجة من التضخم، مما يترتب عنه انخفاض القوة لأصل القرض والفوائد، الأمر الذي يلحق أضرارا بالبنك.
       وأما مخاطر الدورات التجارية التي تتعرض لها كافة المؤسسات فيقصد بها موجات الكساد التي تصيب الاقتصاد القومي، وتترك آثارا سلبية على نتائج نشاط المؤسسات وعلى مقدرتها على الوفاء بما عليها من قروض وفوائد أو غيرها من الالتزامات الثابتة وأخيرا يقصد بمخاطر السوق احتمال وقوع  بعض أحداث هامة محليا أو عالميا، كإجراء تغييرات جوهرية في النظام الاقتصادي أو السياسي في الدولة نفسها، أو في دول أخرى تربطها بها علاقة وثيقة، وإذا ما كان لتلك التغييرات آثارا عكسية على نتائج نشاط المؤسسات فقد تتأثر مقدرتها على الوفاء بما عليها من التزامات.
III- التحكم في المخاطر:
       بعد قيام البنك بتقدير نوع وطبيعة المخاطر التي قد تترتب على إقراض عميل ما، تأتي مرحلة اقتراح الإجراءات الوقائية لحماية البنك من تلك المخاطر.
1- بالنسبة للمخاطر الخاصة:
       يمكن التحكم فيا بتحرير اتفاق شرطي يعطي البنك الحق في وضع قيود على التصرفات المستقبلية لإدارة المؤسسة إذا لزم الأمر.
       كما يمكن للبنك كذلك إتباع أسلوب آخر يتمثل في طلب تقديم رهن في صورة أوراق مالية أو مخزون سلعي أو مباني أو ماشابه ذلك، فإذا فشل العميل في الوفاء بالتزاماته، يكون للبنك الحق في اتخاذ الإجراءات للتصرف في الأصل المرهون، وهناك إجراء ثالث يتمثل في توقيع طرف ثالث على الاتفاق بوصفه ضامنا للعميل، ويمكن للبنك الرجوع إليه إذا ما فشل العميل في سداد القرض والفوائد.
       كما يمكن للبنك أن يعقد اتفاق مع بنك آخر للمشاركة في تمويل القرض يتقاسمان بمقتضاه الربح أو الخسارة وهذا في حالة ما إذا كانت قيمة القرض كبيرة.
       وأخيرا يمكن للبنك أن يشترط سداد أصل القرض على دفعات شهرية أو سنوية، كما قد يشترط سداد الفوائد مقدما خصما من قيمة القرض.
2- بالنسبة للمخاطر العامة:
       يختلف أسلوب الوقاية باختلاف نوع المخاطر، فبالنسبة لمخاطر أسعار الفائدة فيمكن التغلب عليها بالتأقلم مع أسعار الفائدة السائدة في السوق وذلك بالاتفاق مع العميل.
       وبالنسبة لمخاطر التضخم فقد يمكن تجنبها جزئيا بالاتفاق مع العميل على سداد الفائدة مقدما، أو سداد قيمة القرض على دفعات، كما يمكن تجنب جزء من تلك المخاطر إذا وافق العميل على تعويم سعر الفائدة.
       ويمكن التغلب على مخاطر الدورات التجارية ومخاطر السوق باستخدام بعض وسائل الوقاية المقترحة بشأن المخاطر الخاصة.
IV- العائد المطلوب:
       لكي يقبل البنك تقديم قرض للعميل ينبغي أن يكون العائد المتوقع مساويا على الأقل للحد الأدنى للعائد الذي يطلبه البنك على الاستثمار في ذلك القرض.

المطلب الرابع: التفاوض مع العميل[17]

       بعد الدراسة يتم الاتفاق إيجابا أو سلبا، فإذا كانت الشروط لا تستوفي في تقديم القرض للعميل، فإن المصرف يرفض الطلب ويطوي الملف نهائيا، أما إذا كانت نتائج دراسة الملف إيجابية فإن البنك والعميل ينتقلان إلى مرحلة التفاوض المباشر بينهما حول مبلغ القرض وكيفية السداد وزمن الاستحقاق وسعر الفائدة، وفي الأخير معدل الفائدة ثم بعد ذلك التفاوض والاتفاق حول ما سبق، يتم صرف القرض منذ تاريخ بداية استعمال العميل للمقرض.
       إما يستعمل مرة واحدة، وذلك في حالة العمليات قصيرة المدى، ويستعمل عدة مرات فيسدد لعدة دفعات وذلك إذا كان موجها للعمليات الاستثمارية كما أن الإمضاء النهائي لعقد القرض يعتبر مرجعا رسميا، كما يتضمن العقد بالإضافة إلى ما تم التفاوض بشأن الالتزامات نذكر من بينها:
I)- التزامات البنك:
       وهي متمثلة في وضع النقود تحت تصرف العميل طوال المدة المتفق عليها، ويتأكد هذا الالتزام أكثر إذا كان العميل يدفع عمولة مقابل هذا الوعد، يجوز للبنك أن يفسخ عقد القرض عند وفاة أو إفلاس العميل أو حتى نقصان أهليته.
II)- التزامات العميل:
       وهي متمثلة في التزام هذا الأخير بتسديد المبالغ التي طلبها في الميعاد المتفق عليه، بالإضافة للفوائد والعمولات إذا وردت في نص العقد، كما أن العميل غير ملزم باستعمال النقود الموضوعة تحت تصرفه حتى ولو كانت سائلة في خزانة البنك.

المطلب الخامس: اتخاذ القرار بشأن القرض

       على ضوء تحليل البيانات المتاحة والمفاوضات مع العميل فإن القرار الذي يقترحه الموظف المختص قد يأخذ احد الصور الآتية:
قبول او رفض او الحصول على معلومات إضافية وفي الحالة الأخيرة ينبغي مقارنة تكلفة الحصول على معلومات إضافية مع مقدار التخفيض المحتمل في الخسائر نتيجة لتوافر تلك المعلومات.
       وإذا ما أشارت التوقعات إلى أن تجميع معلومات إضافية يعتبر قرار غير اقتصادي فإنه ينبغي الاعتماد على الخبرة لوضع طلب العميل ضمن الطلبات المقترح قبولها أو ضمن الطلبات المقترح رفضها.
       وفي كثير رفض أحد طلبات الاقتراض ينبغي أن يعطي العميل مبررا مقنعا لقرار الرفض وفي كثير من الحالات لا يعتبر القرار الذي اقترحه الموظف المختص نهائيا حتى يعرض على مدير إدارة الإقراض، بل وربما يحتاج إقراره إلى الرجوع إلى اللجنة التنفيذية للمقروض والهدف من ذلك هو التأكد من كافة التدابير قد اتخذت لحماية البنك ضد المخاطر غير المتوقعة، والتأكد من أن العائد الذي سيحصل عليه البنك يتعادل مع المخاطر التي بتعرض لها.

خاتمة:

       عادة ما تضع البنوك سياسة مكتوبة لمنح القروض توضع فيها ما ينبغي إتباعه عندما يتقدم العملاء بطلبات اقتراض، ومن المتوقع أن تتصف تلك السياسة بالمرونة خاصة إذا ما كان مقدم الطلب من العملاء الرئيسيين.
       وبما أن القروض التي تطلبها المؤسسات تكون في أغلب الأحيان موجهة نحو تمويل المشاريع الاستثمارية، فإن ذلك يحتم عليها متابعة ومراقبة مدى سير تلك المشاريع لبلوغ الأهداف المرجوة منها، ولا يتم ذلك إلا باستخدام تقنيات وأساليب مختلفة من بينها تقنية الموازنة الاستثمارية.         
   
المصادر:
[1] - حسين بلعجوز "محاضرات في تقنيات البنوك للسنة الرابعة المالية"، قسم علوم تجارية، المسيلة، 2003-2004.
[2] - الطاهر لطرش، تقنيات البنوك، الجزائر، المطبوعات الجامعية، ص 55-56.
[3] - بريكي نوارة وآخرون"مساهمة البنوك التجارية في منح القروض والاستثمار"، مذكرة تخرج لنيل شهادة الليسانس في العلوم التجارية، فرع مالية، المسيلة، دفعة 2003، ص 22.
[4] - الطاهر لطرش، مرجع سابق، ص 58-59.
[5] - الطاهر لطرش، مرجع سابق، ص 73-75.
[6] - الطاهر لطرش، المرجع نفسه، ص 76.
[7] - مصطفى رشدي شيحة، الاقتصاد النقدي والمصرفي، الاسكندرية، ط5، 1985، ص 454.
[8] - عبد الغفار حنفي، أساسيات التمويل والغدارة المالية، الاسكندرية، 2002، ص 413.
[9] - بريكي وآخرون، مرجع سابق، ص 26-27.
[10] - منير إبراهيم هندي، إدارة البنوك التجارية، مدخل اتخاذ القرارات، الاسكندرية، المكتب العربي الحديث، ط3، 1996، ص 215-216. 
[11] - منير إبراهيم هندي، مرجع سابق، ص 217.
[12] - منير إبراهيم هندي، مرجع سابق، ص 218.
[13] - منير إبراهيم هندي، مرجع سابق، ص 219-220.
[14] - فلاح حسن الحسيني، مؤيد عبد الرحمان الدوري، إدارة البنوك، الأردن، دار وائل النشر، 2000، ص 135.
[15] - حمزة محمود الزبيدي، إدارة المصارف، الأردن، مؤسسة الوراق، ط1، 2000، ص 219-220.
[16] - عبد الغفار حنفي، عبد السلام أبو قحف، الإدارة الحديثة في البنوك التجارية، الإسكندرية، المكتب العربي الحديث، 1993، ص 165-166.
[17] - بريكي وآخرون، مرجع سابق، ص 36-37.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق