السبت، 26 يوليو 2014

الحق العربي في الاختلاف الفلسفي لــ طه عبد الرحمن


نحن - العرب - نريد ان نكون احرارا في فلسفتنا، وليس من سبيل الى هذه الحرية الا بأن نجتهد في انشاء فلسفة خاصة بنا تختلف عن فلسفة اولئك الذين يسعون بشتى الدعاوى الى ان يحولوا بيننا وبين ممارستنا لحريتنا الفكرية، ولا ريب ان اقرب الطرق التي توصل الى ايداع هذه الفلسفة هو النظر في هذه الدعاوى نفسها التي يرسلونها ارسالا ويبثونها فينا بثا كما لو كانت حقائق لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ويأتي في مطلع هذه الدعاوى القول بأن الفلسفة معرفة عقلية تشمل الجميع، افرادا كانوا او اقواما، اي ان الفلسفة معرفة كونية.

مقتطفات من الكتاب

مقدمة
الطور الثالث من السؤال الفلسفي : " السؤال المسؤول "
لم تشتهر الفلسفة بشيء اشتهارها بممارسة السؤال ولم يطبق المشتغلون بها على شيء اطباقهم على هذا الوصف , لكن ما أن نتأمل هذه الحقيقة قليلا حتى نتبين أن السؤال الفلسفي لم يكن شكلا واحدا وانما كان أشكالا اختلفت باختلاف أطوار هذه الممارسة , ولا يخفى أن أبرز هذه الأشكال شكلان اثنان : السؤال القديم الذي اختص به الطور " اليوناني " والسؤال الحديث الذي ميز الطور " الأوروبي " .
أما السؤال الفلسفي اليوناني القديم فقد كان عبارة عن فحص ومقتضى الفحص هو أن يختبر السائل دعوى محاوره بأن يلقي عليه أسئلة تضطره الى أجوبة تؤول في الغالب الى ابطال دعواه وخير شاهد على هذا الفحص الفلسفي ممارسة " سقراط " للسؤال , فقد كان دأبه أن يبادر أحد " بفتح الدال " مواطنيه بسؤال عام عن مفهوم مأخوذ من مجال الأخلاق على الخصوص حتى اذا تلقى منه جوابا معينا ألقى عليه مزيدا من الأسئلة الواضحة التي لا يجد المحاور بدا من الرد عليها بالايجاب معتقدا أن هذا الرد لا يضر في شيء الحق العربي لــ طه عبد الرحمن جوابه الأول فاذا فرغ " سقراط " من أسئلته التي قد تطول وتتشعب مضى الى الجمع بين أجوبة هذا المحاور المختلفة مبرزا التناقص الصريح بين جوابه الأول وأجوبته الاضطرارية اللاحقة .
وأما السؤال الفلسفي الأوروبي الحديث فهو عبارة عن نقد ومقتضى النقد هو أن لا يسلم الناظر بأية قضية كائنة ما كانت حتى يقلبها على وجوهها المختلفة ويتحقق من تمام صدقها متوسلا في ذلك بمعايير العقل وحدها والفرق بين " النقد " و " الفحص " هو أن الأول يوجب النظر في المعرفة ويقصد الوقوف على حدود العقل في حين أن الثاني يوجب الدخول في الحوار ويقصد افحام المحاور وخير مثال على هذا النقد فلسفة " كانط " حيث انه ذهب به الى أقصى مداه , فلم يقف عند حد التساؤل عن موضوعات المعرفة , بل تعداه الى التساؤل عن شرائط المعرفة جاعلا العقل نفسه موضع تساؤل – لا المعارف التي يوصل اليها فحسب حتى سمي قرنه بقرن النقد وأخذ الفلاسفة من بعده يحتذون الى يومنا هذا حذوه في كل ما يخوضون فيه من الموضوعات ويشتغلون به من المشكلات الى أن أضحت هذه الممارسة النقدية تشمل كل شيء ولا تستثني الا نفسها , وأضحينا معها لا نكاد نحصي الأعمال التي تحمل في عنوانها لفظ " النقد " .
لكن يبدو أنه آن الأوان لكي نتجاوز شكل النقد من أشكال السؤال الفلسفي كما تجاوزنا من قبل شكل الفحص منها ونطلب شكلا جديدا من السؤال يناسب ما يلوح في الأفق من مآلات الحداثة أي شكلا أحدث وهذا الشكل الأحدث هو الذي نسميه ب " السؤال المسؤول " فالسؤال الفلسفي الأحدث ليس سؤالا فاحصا لموضوعه متوسلا بوضعه كسؤال كما نجد عند " سقراط " ولا سؤالا ناقدا لموضوعه مسلما بوضعه كسؤال كما نجد عند " كانط " وانما سؤال يسأل عن وضعه كسؤال بقدر ما يسأل عن موضوعه .
وبيان ذلك أن الفيلسوف اذا كان يسأل ولا يفتأ يسأل فليس لأنه يملك زمام السؤال ويملك بالتالي زمام ايقاع المسؤولية على غيره – أي يضع سؤاله عما شاء ولمن شاء ومتى شاء وحيثما شاء فيكون هو وحده السائل والمجيب غيه وانما لأنه مسؤول عن كل أفعاله جليلها ودقيقها بما فيها سؤاله نفسه ولأنه مطالب بتفريغ ذمته من هذه المسؤولية فشعوره بهذه المسؤولية هو الباعث له على دوام المساءلة عسى أن يظفر بما يجيب به عن الأسئلة التي تحيط بوجوده وتهجم عليه من كل جانب وتجعله مسؤولا قبل أن يكون سائلا ابتداء من حق السؤال وواجب نفسهما نحو : لم تسأل ؟ وعم تسأل ؟ ومن تسأل ؟ ولم ينبغي أن تجيب ؟ وعم ينبغي أن تجيب ؟ ومن ينبغي أن تجيب ؟
وهكذا يتبين أن الفيلسوف يسأل " بفتح الياء " لأنه يسأل " بضم الياء " فيلزمه أن يجيب عما سئل فوجود سؤاله اذن من وجود مسؤوليته فاذن الأصل في الفلسفة ليس – كما اشتهر – " السؤالية " وانما " المسؤولية " وأول ما توجبه هذه المسؤولية الأصلية هو بالذات أن يصغي الفيلسوف الى الأسئلة التي يلقي بها اليه , وأن يتعرف على مصدرها وأن يعمل على الجواب عنها , فلولا هذه المسؤولية الأولى التي تناط به لما كانت لسؤاله المتواصل خصوصيته وفائدته ذلك أن هذا السؤال يكتسب بفضل المسؤولية بعدا أخلاقيا صريحا ومعلوم أنه لا تفلسف بغير تخلق .

بيانات الكتاب

الاسم : الحق العربي في الاختلاف الفلسفي
تأليف : طه عبد الرحمن
الناشر : المركز الثقافي
عدد الصفحات : 221 صفحة
الحجم : 4 ميجا بايت

تحميل كتاب الحق العربي في الاختلاف الفلسفي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق